جرت العادة أن تخرج الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني في فصل الصيف (^٤)، ولكن يحدث أن تصبح الصائفة شاتية، وذلك إذا اضطر الجيش للبقاء في جبهة القتال مثلما حدث للقائد أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ عندما شتى مضطرا سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) بأحد جبال كورة
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٣.
(٢) - المصدر السابق، ص ٣٦٤.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٨٣.
(٤) - انظر: البيان المغرب ٢/ ٦٤.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
قبره (^١)، كما يمكن أن تكون الصائفة متجولة من أجل المحافظة على الأمن والاستقرار (^٢).
ولكن يحدث أن تكون هناك شاتية تخرج للشمال، فهذا الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور خرج في شتاء سنة (٣٩٨) هـ (١٠٠٨ م) على "رأس حملة نحو الشمال، وهي الغزوة السادسة من غزواته" (^٣).
وعندما عزم شنجول على مواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه خرج في أشد أوقات السنة برودة (^٤)، متجهًا إلى جليقية.
والأمر هنا لا يقتصر على صوائف وشواتي، فقد كانت هناك حملات ربيعية وأخرى خريفية (^٥)، ومع توالي الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني، بدأت عملية إعمار الثغور الفاصلة بين الطرفين الإسلامي والنصراني، وذلك في أواخر عهد المنصور بن أبي عامر، ويبدو أن عملية الاستيطان هذه كانت من الضخامة والاتساع إلى الحد الذي جعل
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ١٤٦. البيان المغرب ٢/ ١٤٦.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٩.
(٣) - المصدر السابق، ٣/ ٢١.
(٤) - نفسه، ص ٦٦.
(٥) - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٧٧ - ٨٠.
[ ٢ / ٥٤١ ]
المنصور يندم على فعلته، ويتمنى لو تمكن من هدم كل ما عَمّره في منطقة الثغور (^١).
وقد سار عبد الملك المظفر بن المنصور على نهج أبيه في إعمار الثغور (^٢)، حتى أنه جعل لكل من له رغبة في استيطان الثغور، إثبات اسمه في الديوان، ويتم صرف راتب له مقداره ديناران في الشهر، وله مع ذلك المنزل والمحرث (^٣).
_________________
(١) - عندما حضرت المنصور الوفاة، أخذ يبكي ولما سأله حاجبه كوثر الفتى عن سبب هذا البكاء أجابه قائلًا: "مما جنيت على المسلمين، فلو قتلوني وحرقوني ما انتصفوا مني، … لما فتحت بلاد الروم ومعاقلهم عمرتها بالأقوات من كل مكان وسجنتها بها حتى عادت في غاية الإمكان، ووصلتها ببلاد المسلمين، وحصنتها غاية التحصين، فاتصلت العمارة، وها أنا هالك وليس في بني من يخلفني، وسيشتغلون باللهو والطرب والشرب، فيجيء العدو فيجد بلادًا عامرة وأقواتًا حاضرة فيتقوى بها على محاصرتها، ويستعين بوجدانها على منازلتها، فلا يزال يتغلبها شيئًا فشيئًا ويطويها طيًا فطيًا حتى يملك أكثر هذه الجزيرة، فلو ألهمني الله إلى تخريب ماتغلبت عليه وإخلاء ماتملكت .. " انظر: ابن الكردبوس، ص ٦٤ - ٦٥.
(٢) - ذكر ابن عذاري أن الحاجب عبد الملك المظفر في غزوته الأولى سنة ٣٩٣ هـ عهد إلى جنده ألا يحرقوا منزلًا ولا يهدموا بناءًا، وذلك لما ذهب إليه من إسكان المسلمين في المناطق المفتوحة. انظر: البيان المغرب، ٣/ ٧.
(٣) - المصدر السابق، ٣/ ٧.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وقد كان بنو أمية شديدي الإهتمام بأخبار الثغور ولهم عيون تأتيهم بأنبائها تباعًا، وإذا حدث أن أبطأت الأخبار عنهم فإنه يتم إرسال أحد الثقات ليقف على حقيقة الأمر.
فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما خفيت عليه أخبار الثغر استدعى رجلًا يدعى مطرف بن نصير فأمره باستطلاع الخبر، وضرب له أجلًا مقداره أربعة عشرة يومًا لا يتجاوزها وإلا ضرب عنقه (^١).
وإذا حدث أن هجم العدو على الأراضي الإسلامية، تولى أحد الوزراء مهمة استنفار الناس (^٢) كما أن صاحب المدينة يقوم بحشدهم (^٣) ولا يؤذن لأحد بالتخلف إلا إن كان صاحب عذر شرعي، أو أغلق عليه باب داره شريطة ألا يغادرها إلا بعد عودة الجيش (^٤).
وقد جرت العادة أن تخرج الصوائف في أواخر الربيع وأوائل الصيف، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج إلى بنبلونه في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر المحرم سنة (٣١٢) هـ (مايو (٩٢٤) م) وذلك بسبب اعتداء البشكنس على بني لب وبني ذي النون بحصن بقبره (^٥).
_________________
(١) - المقتبس: تحقيق: د. محمود مكي ص ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) - المصدر السابق، ص ١٤٠.
(٣) - نفسه، ٤٤.
(٤) - نفسه، ٤٥.
(٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ١٨٩.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وبصفة عامة فإن الحملات العسكرية الضخمة لا تخرج إلا بعد إعداد مسبق لها، فالصوائف يبدأ التجهيز لها في شهر يونيه (^١)، بعد أن تدرس الحالة الإقتصادية في الأقاليم التي سوف يمر عليها الجيش، وبالذات المحصولات، إذ أن الجيش كان يعتمد عليها في تمويله، يدل على ذلك أن السنوات التي يعم فيها القحط لا تكون فيها صائفة (^٢).
ويبدو أن المنصور بن أبي عامر قد فطن لهذا الوضع، فعمل على تجاوز تلك الحالات الطارئة التي سيحول وقوعها دون قيامه بغزواته، لأجل ذلك قام بإنشاء مستودعات ضخمة خزّن فيها المحاصيل، ولم يكتف بذلك بل كان يستغل سنوات الخصب فيشتري كميات ضخمة منها، ويدخلها في تلك المستودعات بالإضافة إلى ما يأمر بزراعته من الشعير (^٣).
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٨.
(٣) - انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩، ١٠٢، ويبدو أن المنصور كان يخزن في مستودعاته محاصيل ضخمة جدًا، حتى داخله العجب بنفسه، ويذكر ابن الخطيب "أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩. أن المنصور بعد أن علم أن مستودعاته تحوي أكثر من مائتي ألف مدي من الحبوب داخله العجب وقال: "أنا أكثر طعامًا من يوسف صاحب الخزائن" فتوالت بسبب هذه الكلمة سني القحط حتى أتت على جميع مدخراته بل كاد أهل الأندلس أن يذهبوا إلى العدوة المغربية بسببها. وهذا مؤشر على شخصية المنصور الطاغية المغرورة، وصدق الله العظيم، "كلا إن الإنسان ليطغى، آن رآه استغنى".
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وبعد أن تؤخذ كافة الاستعدادات، ترسل الوفود إلى جميع كور الأندلس للإستنفار وارتباط الخيل وتهيئتها للمشاركة، وتقرأ كتب الاستنفار على المنابر جمعًا متتالية حتى تثوب نفوس الناس وتتحرك للجهاد (^١)، وهناك اهتمام خاص بأهل الثغر الأعلى وذلك لقربهم من بلاد الحرب وتعودهم على مصادمة رجالهم، وللطبيعة الجبلية التي خبروها، ولذا، فإن الأمير أو الخليفة يبعث إلى عمال الثغر بضرورة الاستعداد للخروج والاشتراك مع الجيش القادم من قرطبة بمجرد اقترابه من جبهة القتال (^٢).
ورغم كل هذه الاستعدادات التي دأب الجيش الأموي بالأندلس على الأخذ بها عند تحركه للصائفة، نجد المنصور بن أبي عامر يقوم بجهد خاص لتوفير الخيول لرجاله، ففي الصائفة الأخيرة التي قادها سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠٢ م) أنفذ كتبه إلى سائر النواحي استدعى فيها جميع المترجلين من فرسان الجند وأمرهم بالوصول إلى بابه ليشرف على إركابهم بنفسه. وبعد أمن لهم ما يلزم من الخيل، خرج بالصائفة وقاد معه سبعمائة رأس من الخيل للطوارئ، واتخذ من عتاق الخيل خمسين رأسًا لركابه، وترك في قرطبة ألف رأس من الخيل، ورغم ذلك استمر في عملية ابتياع
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٥٦.
(٢) - الثغر الأعلى الأندلسي، ص ١٥٨.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
الخيل، فوصل مدينة سالم ومعه ألف رأس من الخيل زائدة عن حاجة الجيش (^١).