الخاتم: ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، استخدام الخاتم "إذ هو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية (^١) " وهو عبارة عن آلة تصنع بدقة تنقش عليها بعض الكلمات ويلبس بالإصبع ويختم به على الرسائل أو الأوامر الصادرة من الأمير أو الخليفة (^٢).
ولكل أمير أو خليفة أموي في الأندلس خاتم خاص به "فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر منقوش عليها اسمه (^٣) "، ويتولى أحد كبار رجالات الدولية عملية الإشراف على نقش الخاتم (^٤).
فالأمير عبد الرحمن الداخل كان نقش خاتمه "بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم" (^٥) وذكر ابن عذاري أن نقش الأمير الداخل "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (^٦) ويدعم قوله هذا بما أورده عند استعراضه لإمارة الأمير عبد الرحمن الأوسط من أنه اتخذ خاتمًا أعاد فيه العبارة التي كانت منقوشة على خاتم جده عبد الرحمن الداخل وهي "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (^٧).
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٤.
(٢) - المصدر السابق، ص ٧٠٥ - ٧٠٦.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.
(٤) - البيان المغرب ٢/ ٨١.
(٥) - نهاية الأرب، ٢٣/ ٣٥٢. نفح الطيب، ٣/ ٥٤. بينما ورد في ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٠ "بالله يستعين عبد الرحمن وبه يعتصم".
(٦) - البيان المغرب ٢/ ٤٨.
(٧) - المصدر السابق ٢/ ٨١.
[ ١٨٦ ]
وباستعراض نقوش خواتم بني أمية أمراء وخلفاء نجدها على نمطين لا ثالث لهما، فالأميران هشام الرضا، وابنه الحكم الربضي كانا على نسق واحد من حيث العبارة المنقوشة على خاتميهما، "بالله يثق هشام وبه يعتصم (^١) " و"بالله يثق الحكم وبه يعتصم" (^٢).
وقد أورد ابن عذاري قصة لنقش خاتم الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد ذكر أن الأمير كان له خاتم قبل ذلك باسمه ففقده، فلما أعياه العثور عليه، اتخذ عبارة "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وفي ذلك قال الشاعر ابن الشمر (^٣):
خاتم للملك أضحى … حكمه في الناس ماضي
عابد الرحمن فيه … بقضاء الله راضي (^٤)
وقد ذكر المقري أن الأمير عبد الرحمن الأوسط هو أول من اتخذ نقش: "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وأنه بقي وراثة لمن بعده من ولده (^٥).
_________________
(١) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١١٨، نهاية الأرب، ٢٣/ ٣٥٨.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ٦٨. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٤.
(٣) - هو أبو محمد عبد الله بن الشمر بن نمير القرطبي، منجِّم الأمير عبد الرحمن الأوسط ونديمه، كانت له عناية بطلب العلم، كان شاعرًا متقنًا، لطيفًا حسن المعاشرة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٩١. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٢٤ - ١٢٧.
(٤) - البيان المغرب ٢/ ٨١.
(٥) - نفح الطيب ١/ ٣٤٨.
[ ١٨٧ ]
وبتتبع تراجم أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، نجد أن كل الذين أتوا بعد الأمير عبد الرحمن الأوسط، قد اتخذوا لخواتمهم عبارة موحدة تنقش عليها (^١).
وقد وجد من بني أمية في الأندلس من اتخذ خاتمين، أحدهما عام والآخر خاص لإصبعه، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كان نقش خاتمه الخاص "محمد بالله يثق وبه يعتصم" (^٢)، والخليفة عبد الرحمن الناصر كان نقش خاتمه الخاص "بالله ينتصر عبد الرحمن الناصر" (^٣).
وبصفة عامة، فإن العبارات التي اختارها أمراء خلفاء بني أمية في الأندلس لتنقش على خواتمهم، سواء الخاصة منها أو العامة، كلها تحمل معاني التواضع لله جل وعلا، وطلب النصر والسداد منه، ومن تلك النقوش نخرج بصورة ربما لا تكون بعيدة عن الواقع وهي أن السمة الدينية كانت أبرز صفاتهم، فرغم ما بلغوه من سؤدد وقوة، إلا أن الاتصاف بالتواضع لم يفارقهم، ولا غرابة في ذلك، فهم حكام مسلمون، ومن موطن الإسلام "الحجاز" وهم سلالة الأمويين الفاتحين، سلالة شرف
_________________
(١) - كانت نقوش خواتم بني أمية في الأندلس على النحو التالي: - الأمراء: محمد بقضاء الله راضٍ، المنذر بقضاء الله راضٍ، عبد الله بقضاء الله راض. الخلفاء: عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ، الحكم بقضاء الله راضٍ، هشام بقضاء الله راضٍ. انظر: البيان المغرب، ٢/ ١١٣، ١٥٦، ٢٣٣، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤٦، ١٥٠، ١٥٣، ١٥٩، ١٦٨، ١٧٤.
(٢) - المصدر السابق ١/ ١٤٦.
(٣) - نفسه ١/ ١٥٩.
[ ١٨٨ ]
ودين، وعلم، وفي وسط غالبيته إسلامي، يعج بالفقهاء الذين يشار إليهم بالبنان، وفضلًا عن ذلك فهم على ثغر من أهم ثغور الدولة الإسلامية.
وأما خلفاء عصر الفتنة من المهدي إلى المعتد بالله ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فلم تذكر المصادر لأي منهم نقشًا لخاتمه إلا ما كان من الخليفة المستعين بالله، فقد كان نقش خاتمه "سليمان بن الحكم" (^١).
وقد يفوض الخليفة الأموي في الأندلس أحد ثقاته، باستخدام خاتم منقوش عليه اسم الخليفة ليستخدمه بالتصديق على ما ينفذ إليه من كتب، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما أهدى للخير بن محمد (^٢) هدية حسنة سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠) "وأرسل إليه خاتمًا من خواتمه الخاصة، فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر، منقوش عليها اسمه، أمر أن يقتصر على الطبع به لما ينفذه من كتبه في أكثر أوقاته" (^٣).