ومن شارات حكام الدولة الأموية بالأندلس، الدعاء في الخطب، والمراد به أن الخطيب يدعو في خطبة الجمعة لولي الأمر من أمير أو خليفة ولولي عهده تنويها بذكرهما وتلمسًا لساعة الإجابة (^٤).
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ٩٢، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠٣.
(٢) - الخير بن محمد بن خزر الزناتي، زعيم زناته في الغرب الأوسط، كان يقطن منطقة وهران، تمكن الأمويون من استمالته ليقف بجانبهم ضد العبيديين. انظر أخباره في المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥٩، ٢٦٠ وغيرها.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.
(٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧١٣.
[ ١٨٩ ]
ودعاء الخطيب على المنبر لغير الحاكم القائم هو إعلان لفسخ حكمه وابتداء لحكم جديد، وهذا رأيناه في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل وهو في طريقة للاستيلاء على قرطبة في بداية أمره، دخل أرشدونه (^١) ARCHIDONA وكان دخوله لها يوم عيد الفطر سنة (١٣٨) هـ (٨ مارس (٧٥٦) م)، فأقبل زعيمها جدار بن عمرو القيسي (^٢) على الإمام وأمره أن يخلع يوسف الفهري والي الأندلس ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، فخطب له وبايعوه بعد انقضاء الصلاة (^٣).
وفي بداية نشأة الدولة الأموية في الأندلس كان يدعى في الخطبة للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ثم يدعى من بعده للأمير عبد الرحمن الداخل، واستمر هذا الوضع مدة عشرة أشهر فقط، وبعدها أصبح الدعاء للأمير الأموي وحده (^٤).
_________________
(١) - أرشذونة: قاعدة كورة ريه، ومنزل الولاة والعمال، تمتاز بموقع منيع، فهي تقع في بطن وادٍ سحيق، تحيط به الجبال، ومن معالمها الباقية حصنها الواقع فوق ربوة عالية، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٨٩٢ هـ، انظر: الروض المعطار، ص ٢٥. الآثار الأندلسية الباقية ص ٢٣٨ - ٢٤٠.
(٢) - جدار بن عمرو، كانت له رئاسة العرب بكورة رية، وهو جد بني عقيل، تولى قضاء العسكر للأمير عبد الرحمن الداخل، ثم ولاه قضاء الجماعة بعد أبي مضر محمد بن إبراهيم الأودي الأكشونبي، وذلك سنة ١٧٠ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٥ التكملة طبعة الحسيني، ترجمة رقم ٦٦٧.
(٣) - ابن القوطية، ص ٢٤ - ٢٥.
(٤) - اختلف المؤرخون في المدة التي قضاها الأمير عبد الرحمن الداخل وهو يدعو لأبي جعفر المنصور، فابن حزم أشار إلى أنه ظل يدعو له أعوامًا، وأما ابن الأثير فقد حددها بعشرة أشهر فقط، وتابعه على ذلك النويري والمقري، في حين أن ابن الأبار ذكر أن= =المدة دون السنة، وأما ابن الكردبوس فقد ذكر أن جميع أمراء بني أمية كانوا يخطبون للعباسيين، وتابعه على ذلك ابن أبي دينار، وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس فقد ذكر أن الدعوة استمرت لأبي جعفر المنصور مدة سنتين، في حين أن ابن خلدون لم يحدد المدة. انظر على التوالي: نقط العروس ص ٧٥. الكامل ٥/ ٢٠٩. نهاية الأرب ٢٣/ ٣٤٦. نفح الطيب ٣/ ٥٩، الحلة السيراء ١/ ٣٥ - ٣٦. تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ص ٦٠ - ٦١. ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار أفريقيا وتونس، (تحقيق وتعليه: محمد شمام، المكتبة العتيقة، تونس ١٣٨٧ هـ)، ص ١٠٠. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٤. تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٢٢. ومن خلال هذه الأقوال نرى أن المدة التي قضاها الداخل في الدعاء للمنصور هي عشرة أشهر فقط، كما ذهب إلى ذلك ابن الأثير ومن تابعه، ويمكن الاستئناس بتاريخ مولد هشام بن الداخل، على المدة التي استمر فيها الدعاء للمنصور، فقد ورد في البيان المغرب (٢/ ٤٨) أن الأمير الداخل بعد قطع الدعاء للمنصور ولد ابنه هشام لأربع خلون من شوال سنة ١٣٩ هـ، وإذا ما أجرينا عملية حسابية من يوم الأضحى سنة ١٣٨ هـ إلى مولد هشام نجد المدة لا تتجاوز عشرة أشهر.
[ ١٩٠ ]
ولعل أصعب مرحلة مرت بها الدولة الأموية في الأندلس، كانت في عهد الأمير عبد الله بن محمد، الذي قل أن تجد كورة من كور الأندلس لايوجد فيها عصيان على حكومة قرطبة (^١)، بل إن الأمر استفحل لدرجة أنه لم يبق لتلك الحكومة سيطرة إلا على قرطبة وأحوازها (^٢)، بالإضافة إلى بعض المناطق مثل طرطوشة (^٣) وبجانة (^٤) اللتين استمرتا على علاقتهما مع قرطبة فكان ولاتهما يعينون إما من قبل الأمير عبد الله أو بمباركته (^٥).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٤.
(٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ٢٧.
(٣) - طرطوشة: Tortosa تقع في شمال شرقي إسبانيا، بالقرب من البحر المتوسط على بعد ٨٤ كيلو متر من مصب نهر الأبرو، أقام فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر دار صناعة ضخمة، وقد سقطت في أيدي النصارى سنة ٥٤٣ هـ. انظر: ابن غالب: تعليق منتقى ص ٢٨٥ - ٢٨٦ الروض المعطار ص ٣٩١ - ٣٩٢. الحلل السندسية، ٣/ ٧ - ٤٤. الآثار الأندلسية الباقية، ص ١٢٠ - ١٢٢.
(٤) - بجانة: Pechina كانت من أهم المدن العسكرية على الساحل الجنوبي للأندلس، إلا أنها فقدت هذه الميزة بنشأة مدينة المرية سنة ٣٤٤ هـ، وبجانة اليوم بليدة صغيرة تبعد عن المرية مسافة عشرة كيلو مترات شمالًا. انظر: الروض المعطار، ص ٧٩ - ٨٠. تاريخ مدينة المرية الإسلامية ص ١٧ - ٣٢.
(٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥٢، ٥٣، ١٠٦، ١٠٩.
[ ١٩١ ]
وهذا يعني أن الدعاء للأمير عبد الله توقف في كافة أرجاء الأندلس إلا في قرطبة وما جاورها بالإضافة إلى طرطوشة وبجانه.
وفي الخطبة أيضًا تم الإعلان عن تحول الدولة من إمارة إلى خلافة، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، ففي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١٦ يناير (٩٢٩) م) دعا قاضي الجماعة بقرطبة أحمد بن بقي بن مخلد لعبد الرحمن بن محمد بإمرة أمير المؤمنين (^١).