ومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس اتخاذ الطراز (^٣)، الذي يعتبر من العلامات الدالة على عظم الدولة، وهو عبارة
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١١٥.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢١٩ - ٢٢٠
(٣) - الطراز: كلمة معربة عن الفارسية، استعملت في الشعر العربي عند التفاخر والمدح، كقول حسان بن ثابت ﵁: - بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شم الأنوف من الطراز الأول كما استعملت للدلالة على مجموعة معمارية. إلا أن المعنى الحقيقي لكلمة الطراز يتضح عندما تنقش العبارة الرسمية على العملة أو النسيج الرسمي أو غير ذلك من الأوراق ذات الطابع الرسمي، وقد جرت العادة أن تتخذ كل دولة لنفسها طرازًا أو عبارة مميزة. انظر: ديوان حسان بن ثابت، (تحقيق د. سيد حنفي حسين، القاهرة، وزارة الثقافة ١٣٩٤ هـ/١٩٧٤ م) ص ١٢٣. د. حسن الباشا. الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية. (القاهرة، دار النهضة العربية ١٩٦٦ م)، ٢/ ٦٨٦. فريال داود المختار، دور الطراز في مدينة السلام (العراق وزارة الأعلام. مجلة المورد، المجلد الثالث، العدد الثالث، ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م) ص ١٢٣.
[ ١٩٧ ]
عن ثياب تصنع بطريقة خاصة، يتميز بها الأمير أو الخليفة أو من ينعم عليه قبلهما (^١).
وطبيعي أن أي دولة تكون منصرفة عن الأمور الكمالية في بداية أمرها، فإذا استقرت وقهرت سواها، بدأ قادتها يفكرون بقطف ثمار ملكهم، فتظهر حينئذ علامات الرفه النعيم (^٢).
وهذا ما حصل لبني أمية في الأندلس، فمنذ قيام دولتهم هناك سنة (١٣٨) هـ (٧٥٥ م) لم نسمع للطراز أي ذكر حتى كان عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) الذي كانت أيامه تسمى "أيام العروس (^٣) " ذلك لأنه "وجد ملكًا ممهدًا ورعية مؤدبة وهيبة مغلظة (^٤) " وهذا ثمرة طبيعية للجهد الذي بذله من سبقه من آبائه، مما كان سببًا رئيسيًا في رخاء إقتصادي نعمت به الأندلس، فأصبحت خزائن الدولة ملأى بالأموال، وجاء الاتصال بالمشرق ليفتح آفاقًا رحبة أمام هذا الأمير الشاب الواعي "فرتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة (^٥) " كما
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٨.
(٢) - المصدر السابق ص ٥٤٨ - ٥٥٥.
(٣) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٦. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٩.
(٤) - المصدر السابق، ١/ ١٣٩.
(٥) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٣٠.
[ ١٩٨ ]
أنه هو "أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسى الخلافة أبهة الجلالة (^١) " فكان من أهم إنجازاته التي تهمنا في هذه الدراسة أنه "أحدث الطراز واستنبط عملها (^٢) " فأنشأ في قصر الإمارة دورًا خاصة لصنع الثياب تعرف بـ"دور الطراز".
وهناك خزانة خاصة بكسوة الأمير وخزَّانة تشرف عليها، وفي القصر خياطون لهم عريف خاص (^٣).
وقد تحدث بعض المؤرخين (^٤) بشيء من الإعجاب عن دار الطراز التي أنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، لكن ابن حيان (^٥) ذكر أن هذه الدار كانت في الأساس من إنشاء الأمير عبد الرحمن الداخل، وعليه فربما يكون ما قام به الأمير عبد الرحمن الأوسط هو عبارة عن تجديد لتلك الدار التي أنشأها جده.
وقد شهدت دور الطراز تطورًا كبيرًا في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وفي هذا يقول ابن الخطيب: "ومن أثاره - عبد الرحمن الناصر - التي ضربت بها الأمثال وقضيت فيها العجائب، حال الطراز ببابه لنسج
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٩١.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢١.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٨.
(٤) - ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٩١، ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ٢/ ٢٠، ابن خلدون، تاريخه، ٤/ ١٣٨.
(٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٩٥.
[ ١٩٩ ]
ما يحتاج إليه من الخلع والكسى وملابس الحرم وغير ذلك (^١) " بالإضافة إلى "الأقمشة الناعمة والمنسوجات الحريرية السميكة" (^٢).
ولدار الطراز مسؤول يتولى الإشراف عليها، يسمى "صاحب الطراز"، وقد جرت العادة ألا يتولى هذا المنصب إلا الأعيان الذين لهم اختصاص بالأمير أو الخليفة الأموي (^٣).
وعلى صاحب الطراز تقع مسؤولية حفظ ما يصنع في دور الطراز، أو يدخل إليها، من الهدايا ونحوها، ولذا فقد كان يعمد إلى استخدام سجل خاص يسجل به موجودات الدار، لأنه سوف تتم محاسبته على ما كان لديه من الطراز عند عزله عن منصبه (^٤)، كما أن من مهامه الإشراف على الصاغة والحاكة الذين يعملون في دور الطراز، وإجراء الأرزاق عليهم (^٥)، كما كانت هناك زيارات يقوم بها أمراء وخلفاء بني
_________________
(١) - أعمال الأعلام ٢/ ٤٠.
(٢) - وصف الأندلس للرازي ص ٦٥. ونتيجة لاهتمام عبد الرحمن الناصر بالطراز فقد ازدهرت عملية صناعة المنسوجات بالأندلس وبالذات في مدن المرية ولقنت وسرقسطة فأصبحت تنتج الأقمشة بأنواعها من الحرير المطرز بالذهب والوشي والسقلاطوني والبغدادي والخز وسائر أجناس الديباج والثياب الرقيقة المطرزة المصنوعة من السمور، وقد بلغت تلك الصناعة من الدقة بحيث أن الكثير منها يصدر للبلاد الأخرى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٦٧، ٧٠، ٧٨. فرحة الأنفس، ص ٢٨٣ - ٢٨٤، ٢٨٧ - ٢٨٨. أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠. المغرب في حُلى المغرب ٢/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٨٥، مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٩.
(٤) - نفح الطيب ١/ ٣٥٨.
(٥) - د. حسن إبراهيم حسن، وزميله، النظم الإسلامية (القاهرة. مكتبة النهضة المصرية، ط الأولى، ١٣٥٨ هـ، ١٩٣٩ م) ص ٢١٩.
[ ٢٠٠ ]
أمية لدار الطراز لتفقدها ومناقشة القائمين عليها ببعض المسائل وتوصيتهم وفق ما يرونه مناسبًا (^١).
وبناءً على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، يمكن القول بأن الأمويين قد أفادوا من إنتاج دور الطراز لديهم في تعاملهم السياسي مع الآخرين، فالأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بعث بوفد من عنده لملك النورمان، حملهم هدية اشتملت على ثياب نالت إعجاب الملك (^٢) كما أن الأمير المنذر بن محمد أمر وهو في بداية عهده أن تقطع ثيابًا خاصة بأولاد عمر بن حفصون، عندما خدعه الأخير وتظاهر بأنه سوف يدخل في طاعته (^٣) وعندما تم الصلح بين الأمير عبد الرحمن بن محمد وعمر بن حفصون سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) بعث إليه الأمير بهدية كان فيها الكثير من الكسى السلطانية من الوشي الطرازي وغيره (^٤).
ورغم كل هذا، فإن علينا أن نتذكر أن صناعة الثياب الطرازية في الأندلس لا تقارن بما كان يصنع في المشرق، على الأقل إلى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، يدل على ذلك حادثتان إحداهما وقعت في عصر الإمارة والأخرى في عصر الخلافة.
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٩٢.
(٢) - ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، ص ١٣٢.
(٣) - ابن عبد ربه، العقد الفريد، ٤/ ٤٩٦ - ٤٩٧.
(٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١١٥ - ١١٦.
[ ٢٠١ ]
ففي عصر الإمارة رحل الأديب أبو بكر بن سلاَّم القرطبي (^١) إلى المشرق، فالتقى هناك بالجاحظ (^٢) واختص به ولازمه مدة طويلة، فلما أراد العودة إلى الأندلس، طلب من الجاحظ أن يحتال له بجاهه لدى صاحب الطراز في البلاط العباسي، لصنع ثياب عراقية رقيقة، تطرَّز باسم الأمير محمد بن عبد الرحمن، فكلم الجاحظ صاحب الطراز، فأسعفه في طلبه "وعمل له منها في السر المكتم عدة أثواب رفيعة القدر، جاء بها إلى الأمير محمد، فاستنبله في تحفته، وعظم موقعها لديه، ونال بها منزلة من اعتنائه" (^٣).
وأما في عصر الخلافة فإن الهدية السنية التي قدما الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد (^٤) للخليفة عبد الرحمن الناصر في شهر جمادى الأولى
_________________
(١) - أبو بكر بن سلاَّم، أحد أكابر أدباء وعلماء قرطبة، كان معتنيًا بالأخبار والأشعار والآداب، حافظًا للأنساب، له معرفة بالطب وهو الذي أدخل كتب الجاحظ الأندلس. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣٧. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) - هو أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، أشهر أدباء وكتاب القرن الثالث الهجري، ولد سنة ١٦٥ هـ وتوفي سنة ٢٥٥ هـ في البصرة، ترك موسوعة ثقافية ضخمة. انظر عن الجاحظ وحياته وكتبه، الأبحاث الواردة في مجلة المورد، المجلد السابع، العدد الرابع ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٨ م ص ١١ - ٢٥٦. شارل بللا: الجاحظ (ترجمة: د. إبراهيم الكيلاني، دمشق، دار الفكر، ١٤٠٦ هـ (١٩٨٥ م) ص ٧ - ٣٩٠.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٦٤.
(٤) - أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن شهيد الأشجعي، كان من أهل الأدب، وهو من عائلة كانت خطط الدولة بأيدي أبنائها، تصرف في المناصب لعبد الرحمن الناصر، من ولاية الكور والوزارة وقود الصوائف، وهو أول من سمى بـ"ذي الوزارتين" انظر: الحلة السيراء ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢٠٢ ]
سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م) كانت المنسوجات فيها معظمها مشرقية إن لم يكن جميعها (^١).
ولقد كانت دار الطراز لدى الأمويين تنسج ثيابًا رفيعة مزينة بأشرطة الطراز، ولايمكن أن يطرز بتلك الدار لأحد باسمه سوى الأمير أو الخليفة، لكن جرت العادة لديهم أن يتم خلع بعض تلك الثياب المطرزة على بعض المقربين بين فترة وأخرى (^٢).
وهناك حالة مستثناة لم تتكرر من قبل، فقد تم تطريز ثياب بدار الطراز لغير ولي الأمر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أراد إكرام محمد بن خزر (^٣) إكرامًا لا مثيل له، أمر صاحب الطراز أن يصنع عشر قطع متنوعة من عتيق الخز العبيدي فطرزها باسم محمد بن خزر (^٤).
_________________
(١) - نفح الطيب: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨. تجدر الإشارة إلى أن الأندلس أصبحت فيما بعد تنافس المشرق في هذه الصنعة، فقد تطورت في هذا المجال بصورة كبيرة، لدرجة أن مدينة المرية في عصر المرابطين "كان بها من طرز الحرير ثمانمائة طراز، يعمل بها الحلل والديباج والسقلاطون والأصبهاني والجرجاني والستور المكللة المعيَّنة والعتابي والفاخر وصنوف أنواع الحرير". انظر: صفة جزيرة الأندلس (نشر: ليفي بروفنسال، القاهرة، ١٩٣٧ م) ص ١٨٤.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٠٨، ٣٨٩، ٤٢٨.
(٣) - هو والد زعيم زناته في المغرب الأوسط الخير بن محمد، الذي وردت ترجمته من قبل.
(٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٢٦٨.
[ ٢٠٣ ]
وقد أشار ابن خلدون إلى أن المنسوجات التي تنتجها دار الطراز، يكتب عليها أسماء الحكام مع كلمات أخرى تجري مجرى الفأل (^١).
ورغم أنه لا توجد لدينا نصوص عن ألوان منسوجات دار الطراز، إلا أنه يمكن الاستئناس بما كان سائدًا لدى الأمويين في المشرق، فقد كان الأمويون هناك ابتداءً من عهد الخليفة هشام بن عبد الملك يكسون الناس الخزَّ إلا الأصفر والأحمر، فقد ادخروا هذين اللونين لهم خاصة (^٢).
وقد بقي لنا من طراز بني أمية في الأندلس مئزر كان خاصًا بالخليفة هشام المؤيد، صنع "من نسيج رقيق جدًا، من الكتان المهري له أهداب طويلة على امتداده ويبلغ (١٢)، (١) وفي طرفه شريط عرضه (٧٨) ملم، مقسم إلى ثلاث مناطق، المنطقة الوسطى منها ثلاث عشرة جامة، تظهر فيها رسوم آدمية في حالة الجلوس، ويمسك أحد الأشخاص في يده قارورة ويشير بيده الأخرى إلى حيوانات من ذوات الأربع وطيور مرسومة في غير دقة ولا إحكام (^٣) .. وفي القسمين الجانبين نقش كوفي في لون
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٠٨.
(٢) - انظر: القاضي الرشيد بن الزبير، كتاب الذخائر والتحف، (تحقيق: د. محمد حميد الله، الكويت دائرة المطبوعات والنشر، ١٩٥٩ م) ص ٢١١.
(٣) - إن حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إذا كانت ذات أجسام حرم بالإجماع وإن كانت رقمًا ففيها أربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر الحديث "إلا رقمًا في ثوب" الثاني: المنع مطلقًا. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال ابن العربي (وهذا هو الأصح) الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقًا لم يجز. انظر: ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (دار المعرفة بيروت - لبنان -) ١٠/ ٣٩١.
[ ٢٠٤ ]
أبيض يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم، البركة من الله واليمن والدوام للخليفة الإمام عبد الله هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين" وأرضية الجامات من الذهب أما بقية الأجزاء فيملؤها حرير في ألوان بيضاء وزرقاء سماوية وقمحية وصفراء ووردية وخضراء فاتحة بين خطوط سوداء، وصناعته تشبه تمام الشبه الصناعة المصرية المعاصرة له" (^١).
وأخيرًا، يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن من مظاهر سلطة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس، تعيين الولاة والعمال، والإشراف على شؤون البلاد، وذلك من خلال بعث أمناء يسألون الناس عن سير ولاتهم فيهم، الأمر الذي يجعل الحاكم على بصيرة بما يجري في دولته، وفي الوقت نفسه يكفل لرعيته تحقيق العدالة المنشودة.
_________________
(١) - الفن الإسلامي في أسبانيا، ص ٤١١ - ٤١٤، ويذكر المؤلف أن هذا المئزر محتفظ به في الجمعية الملكية للدراسات التاريخية.
[ ٢٠٥ ]