من الملاحظ أن بالرغم من المكانة السامية لخطة القضاء إلا أنه كان عرضه للعزل، ورغم أن ذلك كان أمرًا مألوفًا في المجتمع الأندلسي حتى
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٨٠.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٩. ربما أنهم وجدوا أن هذه الخطط أخف وطأة من مسئولية القضاء.
(٣) - نفح الطيب، ٢/ ٥١٤.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
نهاية القرن الخامس الهجري (^١) (الحادي عشر الميلادي)، إلا أن الأمر غير مرتبط برضى أو سخط حاكم الدولة الأموية، والمصادر الأندلسية تعج بالأمثلة المؤيدة لذلك، فكم من موقف خالف فيه القاضي رغبة الأمير أو الخليفة الأموي ولم يعزله عن منصبه (^٢).
ومادام الأمر على هذه الصورة، فلابد أن تكون هناك أسباب للعزل، إذ أن العزل بدون سبب مقنع هو نوع من التعسف في استعمال السلطة، وإخلال بالعدالة، فالقاضي متى ما شعر أنه عرضة لهوى الحاكم أصبح غير مطمئن، وبالتالي تأتي أحكامه بعيدة عن العدالة المنشودة (^٣).
وهناك هيئة من الفقهاء تتولى متابعة القاضي ومؤاخذته إذا دعت الضرورة لذلك، وفي الوقت نفسه تركت للقاضي حق الدفاع عن نفسه، والأمثلة على ذلك متوفرة، فقد ورد لدى الخشني أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي ذكر أن حمدون بن فطيس تظلم من قاضي الجماعة محمد بن بشير في شيء حكم به عليه، ورفع الشكوى للأمير الحكم الربضي، الذي أصدر أوامره بتكوين مجلس من الفقهاء للنظر في حكم القاضي الذي سبب هذا التظلم (^٤).
_________________
(١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣١٢.
(٢) - انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٥ - ٢٦، ٢٩. النباهي، ص ٦٩ - ٧٢.
(٣) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣١٢.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٣٦.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
وعندما تورط قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله بالثلث الذي أوصى ابن القصيبي بتفرقته، وذلك بسبب تواطئ ولد القاضي مع أولاد العدل الذي عنده المال، فأراد الأمير محمد بن عبد الرحمن التثبت من براءة القاضي، فبعث إليه أحد فتيانه، وحلفه في بيته سرًا وذلك بمشورة الفقيه بقي بن مخلد (^١).
وإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي كانت وراء عزل القضاة في الأندلس، نجد أنها متعددة، منها: انتهاء مدة ولاية القاضي، فهو إذا حددت مدته بسنة واحدة مثلًا، فإنه يعتبر معزولًا بانتهائها، ومثال ذلك ما عرفناه في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد كان يداول بين معاوية بن صالح وعمر ابن شراحيل المعافري على قضاء الجماعة، فكان كل واحد منهما يتولى القضاء سنة واحدة ثم يلي صاحبه، وإذا تجاوز أحدهما السنة فإن الآخر ينبه الأمير على ذلك ليعزله (^٢).
كذلك ما يمكن اعتباره عداوة بين الفقهاء والقاضي، تكون سببًا في عزله، وهذا ما جرى لقاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني (^٣) وبسبب اتباع قاضي الجماعة محمد بن سعيد لهواه، وحكمه برضى الناس، اضطر الفقيه يحيى الليثي إلى طلب الاستعفاء، بعد أن قال له " … فأما إذا صرت
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٨٣ - ٨٥. ابن القوطية، ص ٧٢.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٢.
(٣) - المصدر السابق، ص ٤٦ - ٤٨.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء به ولا في إن رضيته منك (^١) ".
ومن دواعي عزل القاضي اشتراكه مع الحاكم بالنسب، وقد ظهرت هذه الصورة جلية في حادثة عزل قاضي الجماعة إبراهيم بن عباس القرشي، فقد حدثت شحناء بين هذا القاضي وبين الحاجب موسى بن حدير في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، فأضمر الحاجب في نفسه الانتقام من القاضي، فدس عليه امرأة خاطبت القاضي بمجلس قضائه قائلة له: "يا ابن الخلائف (^٢) " فلم ينكر عليها القاضي ذلك فرفعت الكلمة للأمير، وصور الأمر له بأن هناك مؤامرة ضده يدبرها القاضي مع الفقيه يحيى الليثي، إلا أن الفقيه عبد الملك بن حبيب أقنع الأمير بأن ذلك غير صحيح، ثم أشار عليه بعزل القاضي حيث قال له: " … وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه (^٣) " فكان ذلك سببًا لعزل القاضي سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م).
وكذلك قد تكون الأخلاق الصعبة سببًا في العزل عن القضاء، فالقاضي يخامر بن عثمان الشعباني كان يعامل الناس "بخلق صعب، ومذهب وعر، وصلابة جاوزت المقدار (^٤) " فلم يحتمل الناس من ذلك،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦٣.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦١.
(٣) - قضاة قرطبة،: ٥٢ - ٥٣.
(٤) - المصدر السابق، ص ٥٤.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وتسلطت عليه الألسن، ورفع أمره للأمير عبد الرحمن، فكلف الوزراء بتولي السؤال عن القاضي وكشف أمره، وبعد أن ظهرت الحقيقة أمر الأمير بعزله (^١).
ولقد كانت كثرة القضايا التي ينظرها القاضي في فترة وجيزة مدعاة لعزله، وهذا ما حدث للقاضي معاذ بن عثمان الشعباني، فقد مكث في منصبه مدة سبعة عشر شهرًا، أحصى عليه خلالها تنفيذ سبعين قضية، فاستكثرت منه (^٢) وخيف عليه الزلل، فرفع الفقهاء أمره للأمير عبد الرحمن الأوسط فأمر بعزله (^٣).
وللخشني موقف من مسألة القاضي معاذ بن عثمان، فهو يرى أن القول بأن كثرة القضايا التي نظر بها، والأحكام التي أصدرها في فترة حكمه أنها هي السبب بعزله أمر غير مقبول، ويرى "أنها حكاية مدخولة لأنه لا تذكر تنفيذ الأقضية وكثرتها مع حضور الحق وانكشاف الصدق (^٤) " فإذا صح رأيه فإنها لا تعدو أن تكون من تحامل بعض الفقهاء من مشاورين وعدول وأهل فتيا، إذ أن من مصلحتهم التريث في الأحكام لأنه كلما طالت الخصومات كان ذلك أنفع لهم ماديًا (^٥).
_________________
(١) - نفسه، ص ٥٤ - ٥٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦٣ - ٦٧.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٥.
(٣) - النباهي، ص ٥٥.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٥٦.
(٥) - المصدر السابق، ص ٥٦.
[ ٢ / ٧٣١ ]
وإذا جيء القاضي بمن عرَّض بسب الله تعالى ولم يأمر بقتله، كان مدعاة لعزله، وهذا ما حصل لقاضي الجماعة الحبيب محمد بن زياد، فقد جيء إليه بابن أخي عجب (^١)، وقد شُهِدَ عليه بأنه عَرَّض بسب الله تعالى، وذلك أنه خرج يومًا فأخذه المطر، فقال: "بدأ الخرَّاز يرش جلوده (^٢) " تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فأفتى القاضي حينئذ بتأديبه فقط، وبه أفتى بعض الفقهاء، في حين أفتى عبد الملك بن حبيب وأصبغ بن خليل بوجوب قتله، وعندما رفعت الآراء للأمير عبد الرحمن الأوسط، أمر بعزل القاضي وتأنيبه ومن تابعه من الفقهاء وعزلهم عن مناصبهم كما أمر بقتل ابن أخي عجب (^٣).
وإذا أحدث أحد أولاد القاضي حدثًا يمس أمن الدولة، فإن ذلك يكون سببًا في عزله، فقاضي الجماعة أحمد بن زياد أحدث أحد أولاده بشذونه حدثًا أقلق الأمير محمد بن عبد الرحمن فأمر بعزل القاضي عن منصبه (^٤)، وبوشاية الحاقدين أصدر الأمير محمد بن عبد الرحمن أوامره بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) وهي نهاية ولايته الأولى (^٥).
_________________
(١) - عجب هي محظية الأمير الحكم الربضي.
(٢) - المعيار المعرب، ٢/ ٣٦٢.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٩ - ٦٠.
(٤) - المصدر السابق، ص ٦٦ - ٦٧.
(٥) - نفسه، ص ٨١ - ٨٢.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
ويحدث أن يكون فساد الولد مدعاة لعزل أبيه، وهذا ما ينطبق على قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله ففي ولايته الثانية سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) تغيرت حالته، وأصبحت الهدايا تدخل بيته وذلك بسبب ولده المكنى بأبي عمرو، والذي نسب إليه التدليس في الديوان في مال قد أوصى به تاجر يدعى ابن القصيبي، فكثر الحديث وتناولته الألسن، وهجاه بعض الشعراء، فلما وصلت هذه الأخبار إلى الأمير قال: قد أكثر الناس في عمرو وفي ولده، فعزله حينئذ وذلك سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) (^١).
والقاضي يعتبر معزولًا إذا خرج للغزو ثم عاد ولم يُصدر الأمير أو الخليفة ظهيرًا يجدد به ولايته، إذ أنه لا يستطيع العودة إلى مجلس قضائه حتى يُعهد إليه بذلك، فقد "كان الرسم حينئذ إذا غزا القاضي ثم قدم لم ينظر حتى يعهد إليه بالنظر" (^٢).
وبسبب الهرم وكبر السن أصدر الأمير المنذر بن محمد أوامره سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود (^٣).
وعزل قاضي الجماعة النضر بن سلمة لأنه رفض أن يحكم بصرف المال الموقف بالجامع إلى بيت المال إلا باجتماع آراء الفقهاء، فرفع موقفه
_________________
(١) - نفسه، ص ٨٢ - ٨٣.
(٢) - نفسه، ص ٨٣.
(٣) - نفسه، ص ٨٨ - ٨٩.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
ذلك إلى الأمير عبد الله بن محمد بعد أن حُرّف معناه، وصُرف القول إلى أسوأ الوجوه فعزله الأمير حينئذ (^١).
كذلك يتم عزل القاضي مباشرة عن منصبه إذا علم فساد حاله، فبعد أن عزل الأمير عبد الله ابن محمد قاضي الجماعة النضر بن سلمة الكلابي عين بدلًا منه موسى بن محمد بن زياد الجذامي، إلا أنه لم يمكث في منصبه سوى أسبوعًا واحدًا فقط، ثم عزله الأمير بعد أن وصلت إليه أخبار تفيد بأن ظاهره غير باطنه، كما لم يثن عليه زملاؤه من الفقهاء (^٢).
ويعزل قاضي الجماعة عن منصبه في حالة استبداله بمن هو أفضل منه، فعندما تولى الأمير عبد الرحمن بن محمد الإمارة أقر قاضيه الحبيب أحمد بن زياد على منصبه فترة وجيزة ثم عزله وجعل مكانه أسلم بن عبد العزيز بعد عودته من رحلته إلى المشرق وما سمعه عنه من اتصافه بالمذهب الحسن والمروءة الكاملة وذلك سنة (٣٠٠) هـ (٩١٣ م) (^٣).
وقد يعزل القاضي عن منصبه نتيجة موقف سياسي، وهذا لم يحدث طيلة عصر الدولة الأموية إلا عندما تسلط العامريون على الخلافة الأموية، فقد أمر الحاجب المنصور بن أبي عامر بعزل القاضي أصبغ بن الفرج
_________________
(١) - نفسه، ص ٩٣.
(٢) - نفسه ص ٩٤. المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٥٤.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
الطائي قاضي بطليوس، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) عن منصبه لأنه عارضه في القول بالتجميع في مسجد الزاهرة (^١).
وبسبب وشاية الوزير عيسى بن سعيد أصدر الحاجب عبد الملك المظفر أوامره بعزل قاضي الجماعة ابن ذكوان عن منصبه وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة (٣٩٤) هـ (٢١ سبتمبر (١٠٠٤) م) (^٢).
وفي الولاية الثانية لابن ذكوان صدرت أوامر الخليفة هشام المؤيد بطرد بني ذكوان من الأندلس قاطبة وذلك سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) كل هذا بسبب تآمر الحاجب واضح الصقلبي ضد القاضي الذي سبق وأن أشار على الخليفة بضرورة مسالمة البربر وعدم الاستماع لآراء حاجبه واضح (^٣).
وبسبب الموقف الذي اتخذه قاضي الجماعة ابن وافد من البربر وخليفتهم سليمان المستعين، فإنه تعرض بمجرد دخول المستعين لقرطبة في يوم الاثنين لثلاث بقين من شوال سنة (٤٠٣) هـ (مايو (١٠١٣) م) للعزل والتنكيل والإهانة وكاد أن يصلب لولا شفاعات الكثير من الفقهاء والصالحين، حتى أن والد الخليفة المستعين قد شفع به، فاكتفى المستعين
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٥٩ - ١٦١.
(٢) - المصدر السابق، ٧/ ١٦٩ - ١٧٠. الصلة، ترجمة رقم ٦٥.
(٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٣ - ١٧٤. النباهي، ص ٨٦ - ٨٧.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
بسجنه في المطبق وظل كذلك إلى أن مات في منتصف ذي الحجة سنة (٤٠٤) هـ (يونيو (١٠١٤) م) (^١).
ونختتم أسباب العزل بقاضي الجماعة عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشر بن غرسيه المشهور بابن الحصّار، تولى القضاء سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٦ م) في عهد علي بن حمود، وتمادى في منصبه إلى أن عزله الخليفة هشام المعتد بالله سنة (٤١٩) هـ بسبب وشايات بعض الفقهاء وسعيهم ضده (^٢).
والقاضي إذا عُزل عن منصبه فإن كتابًا يصدر بذلك وتصله نسخة منه (^٣) وعلى القاضي المعزول أن يقوم بتسليم ما لديه من سجلات وهو ما كان يعرف بالديوان، ويتولى مهمة الاستلام أربعة من عدول قرطبة يختارهم صاحب المدينة ويكلفهم باستلام الديوان من القاضي المعزول ووضعه في بيت الوزراء إلى حين يتم اختيار قاضٍ آخر ليستكمل فيه القضايا (^٤).
لكن هذا الرسم كان يُخرق أحيانًا، من ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن زياد عندما عزل عن منصبه وتم تعيين كاتبه عمرو بن عبد الله بدلًا منه، أصر الأخير على ألا يستلم الديوان إلا من يد القاضي ابن زياد
_________________
(١) - النباهي، ص ٨٨ - ٨٩. البيان المغرب، ٣/ ١١٣. ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٨ - ١٨١.
(٢) - الصلة، ترجمة رقم ٦٩٨.
(٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٦٨٦.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٨٢.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
شخصيًا، فلم يكن أمام ابن زياد إلا أن حمل الديوان بنفسه وذهب به إلى المسجد الجامع حيث سلمه لعمرو بن عبد الله وقال له: "يا عمرو قد فتحت على القضاء بابًا لا يخطئك شره" (^١).
بقي أن نشير أخيرًا إلى المذهب الذي سار عليه القضاة في إصدار أحكامهم فالمذهب المالكي هو المذهب الرسمي للدولة، وعلى وفقه تصدر أحكام القضاة (^٢)، ولا يسمح للقاضي أن يتجاوز المذهب المالكي إلى ما عداه، حتى ولو كان القاضي غير مالكي، فقد كان قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ظاهري المذهب، لكنه كان إذا جلس للقضاء سار على مذهب الإمام مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى (^٣).
وأخيرًا أود أن أختم الحديث عن القضاء بذكر ما يمكن تسميته بأوليات في القضاء بالأندلس، فأول قاض من الموالي تم تعيينه في منصب "قاضي الجماعة" هو عمرو بن عبد الله بن ليث القبعة، ويذكر الخشني أن العرب قد شق عليهم ذلك، وأخذوا يتحدثون في مجالسهم بما ينبئ عن عدم رضاهم، فلما بلغ الأمير محمد بن عبد الرحمن ذلك، قال: "وجدت فيه مالم أجد فيهم (^٤) ".
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٦٨.
(٢) - عن المذهب المالكي ودخوله الأندلس وموقف الدولة الأموية منه، انظر: سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٢٧٦ - ٣٠٨.
(٣) - النباهي، ص ٧٤ - ٧٥.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٧.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر عين مولدًا يدعى عبد الله بن الحسن المعروف بابن السندي قاضيًا على وشقة وما جاورها، وقد أفاد ابن السندي من ولايته أموالًا عظيمة ونعمًا جسيمة، كما أنه كان شديد التعصب للمولدين، عظيم الكراهية للعرب، منتقصًا لهم، حافظًا لمثالبهم، ولأجل ذلك فقد استوزره عبد الملك بن محمد الطويل ومن بعده أخوه فرتون طيلة حياته، حتى أنهما كان لا يصدران إلا عن رأيه (^١).
وذكر ابن عبد البر أن قاضي الجماعة موسى بن محمد بن زياد الجذامي الذي ولي القضاء بعد النضر بن سلمة الكلابي في عهد الأمير عبد الله بن محمد، هو أول من أفسد في خطة القضاء، إذ أن ظاهره كان خلاف باطنه، وكان صديقه أسلم بن عبد العزيز يصفه بأشياء قبيحة (^٢) كما أن محمد بن عمر بن لبابه لايحسن الثناء عليه، ولذا فقد عُزل الجذامي عن منصبه بعد أسبوع من ولايته (^٣).
وركوب القاضي إلى السلاطين والدخول معهم في أمورهم يعتبر إهانة لخطة القضاء، وبسبب هذا الصنيع اعتبر ابن عبد البر أن أبا القاسم أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، الذي تولى قضاء الجماعة في عهد الأمير
_________________
(١) - أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم ٣٠٢. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٨٧.
(٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٥٤.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٩٤.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
عبد الله بن محمد وبعض السني الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، أنه قد أهان خطة القضاء بكثرة دخوله على السلاطين وتبذله في ذلك (^١).
ويعتبر أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان قاضي الجماعة أول من تولى الوزارة والقضاء معًا، وذلك في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) وكان يكتب عنه "من الوزير قاضي القضاة" وهو أول من كتب عنه بذلك من قضاة الأندلس (^٢).
_________________
(١) - المغرب في حلى المغرب،: ١/ ١٥٥.
(٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٠ - ١٧١. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢٥١. النباهي، ص ٨٨.
[ ٢ / ٧٣٩ ]