من الملاحظ أنه بالرغم من الأهمية البالغة، والمكانة السامية، للقاضي في المجتمع الإسلامي، إلا أن بعض الفقهاء يرفض بشدة تولي القضاء، ورفض هذا المنصب مدعاة للتساؤل. لكن إذا وضعنا في الاعتبار احتياط ذلك الفقيه لنفسه من الوقوع في المحذور، وخشيته من القضاء لشدة عقوبة من اتبع هواه فيه، فسوف نعذره، فقد وردت أحاديث عديدة كلها تحذر من القضاء، من ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذُبح بغير سكين (^١) ".
لكن العزوف عن القضاء لمجرد التحذير أمر فيه نظر، إذ أن في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أسوة حسنة، كما أن القاضي الذي يقضي بالحق ويجهد نفسه في مرضاة الله تعالى لاشك أن له من الله تعالى أجر عظيم، والرسول الكريم ﷺ لم يغلق الباب أمام تولي القضاء، فهو كما أنه حذر منه، تجده في أحاديث أخرى يرغب فيه فقد قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر" (^٢).
_________________
(١) - سنن ابن ماجه، ٢/ ٧٧٤. رقم الحديث ٢٣٠٨.
(٢) - المصدر السابق. رقم الحديث ٢٣١٤.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
ويرى الخشني أن قبول بعض الفقهاء للقضاء ناتج عن رغبة منهم في شرف الدنيا والاتكال على عفو الله تعالى ورحمته، وأما من نفر منه فذلك لخشيته من موقف يوم القيامة، وحذرًا من وقوع حيف على يديه يستجلب به غضب الله تعالى (^١) ".
وفي الأندلس وجد الكثير من الفقهاء الذين رفضوا منصب القضاء، شأنهم في ذلك شأن من رفضه من المشارقة، وقد علل أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس هذا الرفض "بالخوف من عدم القدرة على إقامة العدل على الأقوياء، وتحرجًا من خدمة أمراء لا يرضون عن تصرفاتهم، وخوف الفقهاء من الدسائس التي تحدث بين بعضهم ورجال السلطة وأصحاب النفوذ في الدولة، وخوفهم أيضًا من التنكيل بهم بيد أصحاب السلطة إذا عارضوا ووقفوا أمام ظلمهم (^٢) ".
وإذا طبقنا هذا الرأي على الواقع في الأندلس، نجد أنه بحاجة لإعادة نظر، فهو لا ينطبق إلا على عهد الخليفة هشام المؤيد، وهذا أيضًا في حالات معدودة بالإضافة إلى مدة الفتنة وهي مدة لا يمكن اعتبارها صورة لحالة الدولة بأي حال من الأحوال، أما منذ قيام الدولة سنة (١٣٨) هـ وحتى وفاة الخليفة الحكم المستنصر سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٧ م) فإن أغلب
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٢.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٨.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الصور عن القضاء ومن تولاه هي صور طيبة تبرز بجلاء موقف أمراء وخلفاء بني أمية من العدل.
هذا ولدينا شخصيات أندلسية كثيرة رفضت منصب القضاء، ولعل الفقيه يحيى بن يحيى الليثي هو خير مثال على ذلك، إذ يمكن اعتباره أبرز شخصية دينية أندلسية على الأقل في عصره.
وعندما نحاول الوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي حالت دون تولي الفقيه الليثي للقضاء، نضع في الاعتبار مسألة تأثير الإمام مالك بن أنس على أتباع مذهبه بصفة عامة وتلاميذه بصفة خاصة.
فالمذهب المالكي يمتاز عن بقية المذاهب بالتأثير السلوكي الذي يظهر جليًا على اتباعه، فهو غير مقتصر على كونه مذهبًا فقهيًا فحسب، بل هو مذهب سلوكي (^١) وإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي أدت إلى أخذ الأندلسيين بالمذهب المالكي، نجد أن من بينها "العامل التربوي" والذي أقصده هو القول بأن تأثيرًا تربويًا تمت ممارسته بطريق غير مباشر من قبل الإمام مالك على تلاميذه الأندلسيين، فقد وجد هؤلاء التلاميذ إمامًا مهيبًا (^٢)، على درجة كبيرة من العلم والوقار وحسن الهيئة، لذا فليس
_________________
(١) - د. حسين مؤنس، شيوخ العصر في الأندلس، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ١٩٨٦ م) ص ١٦.
(٢) - عن هيبة الأندلسيين للإمام مالك يقول سعيد بن أبي هند: "ما هبت أحدًا هيبتي لعبد الرحمن بن معاوية حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة حتى صغرت عندي هيبة عبد الرحمن لهيبته" انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٤٦٩.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
من المستغرب أن يقتدوا به، ويتخلقوا بأخلاقه وحرصوا كل الحرص على أن يسلكوا السبيل الذي اختطه لنفسه (^١).
ومن أجل محاولة الوصول إلى الأسباب التي حالت دون تولي الفقيه يحيى الليثي للقضاء يجب أن نتذكر أن رفض الإمام مالك للقضاء جعل العباسيين يرمقونه بنظرة إجلال واحترام، وهي صورة يسعى الكثير من الطلاب لنيلها، ولذا فلا عجب أن يرفض الفقيه يحيى الليثي منصب القضاء، وهو مدرك لمعنى هذا الرفض، إذ أنه نصب نفسه مشرفًا عامًا على القضاء، وذلك عندما قال لرسول الأمير عبد الرحمن بن الحكم عندما ألح عليه في القضاء: "المكان الذي أنا به لما تريدون خير لكم، إنه إذا تظلم الناس من قاض أجلستموني فنظرت عليه، وإن كنت القاضي فتظلم الناس مني، من تجلسون للنظر علي؟ من هو أعلم مني أو من هو دوني في العلم (^٢) " وإذا علمنا أن أكبر عدد من القضاة في قرطبة وجد في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) وأن ذلك كان بسبب الفقيه يحيى الليثي، إذ كان مستشارًا للأمير في تعيين القضاة وعزلهم، ولا يولي الأمير أحدًا إلا بمشورته (^٣)، كما أن هو الذي يولي مكان القاضي المعزول (^٤)، بل لقد بلغ من سلطانه في مجال تعيين القضاة وعزلهم
_________________
(١) - سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٢٨٥.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٥.
(٣) - ابن القوطية، ص ٥٨.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠ - ٤١.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
أنه إذا أنكر من القاضي شيئًا قال له "استعف وإلا رفعت بعزلك (^١) " إذا عرفنا هذا أدركنا لماذا امتنع الفقيه يحيى عن القضاء.
ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ما ينطبق على الفقيه يحيى الليثي لا يمكن تعميمه على كل من رفض القضاء في الأندلس، إذ أن المصادر لم تتطرق لذكر الأسباب الحقيقية وراء الرفض كما أن هناك من رفض القضاء وقبل بتولي خطة أخرى مثل خطة الشورى وخطة الصلاة والخطبة والتعليم في المسجد (^٢).
وبمقابل الامتناع عن تولي القضاء، هناك من عمل بالقضاء ثم طلب الإعفاء منه، ولدينا أمثلة عدة، فمن هؤلاء: محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي، من أهل أكشونبه غربي الأندلس، ولاه الأمير عبد الرحمن الداخل قضاء الجماعة بقرطبة، وذلك في شهر المحرم سنة (١٧٠) هـ (يوليو (٧٨٦) م) فاستمر في منصبه عدة أشهر ثم طلب الاستعفاء فأعفي ورحل للحج وقابل الإمام مالكا ثم عاد إلى الأندلس ومات سنة (١٨٣) هـ (٧٩٩ م) (^٣).