خطة الحجابة
لم تعرف الأندلس تنظيمًا إداريا واضح المعالم، إلا بعد وصول الأمير عبد الرحمن الداخل إلى سدة الحكم هناك، واقامته الدولة الأموية فيها، فقد وضع الركائز الأساسية للنظام السياسي والإداري، عندما أنشأ عدة مناصب سياسية منها "خطة الحجابة" فبعد أن أعلن عن قيام إمارته، اتخذ عددًا من المشاورين والأعوان إختصهم بمجالسته، واختار من بينهم شخصًا لقبه بالحاجب (^١).
ويوضح لنا ابن خلدون الفرق بين منصب الحاجب لدى الأمويين بالأندلس عنه لدى العباسيين ببغداد، فهو لدى العباسيين خاص "بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته، وكانت هذه مُنَزَّلة عن الخطط مرؤوسة لها، إذ الوزير متصرف بما يراه … وأما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصة والعامة، ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم" (^٢).
_________________
(١) نفح الطيب، ١/ ٢١٦. وقد ذكر ابن الآبار أن عيسى بن أحمد بن محمد الرازي قد ألَّف كتابًا خاصًا بمن تولى الحجابة لبني أمية في الأندلس، أسماه "الحجاب للخلفاء بالأندلس" انظر: الحلة السيراء، ١/ ١٣٨. ولاشك أنه لو وصل إلينا هذا الكتاب لسد فراغًا أكيدًا في المعلومات المتعلقة سواءًا بخطة الحجابة أو نظام الحكم في الأندلس.
(٢) ابن خلدون، المقدمة، ص ٦٧١.
[ ٤١١ ]
وطيلة عهد الإمارة والخلافة الأموية بالأندلس تولى منصب الحجابة عدة شخصيات نالت ثناء المؤرخين، من أشهر أولئك الحجاب: -
عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ت (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) الذي تولى الحجابة معظم إمارة الحكم بن هشام وثلاث سنوات من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط فقد قال عنه ابن القوطية "لم يختلف مختلف من شيوخ الأندلس أنه لم يخدم بني أمية بالأندلس أكرم منه عناية وأكثر طاعة … إلا أنه كان يقبل الهدية والمكافأة على قضاء الحاجة (^١) " ووصفه الرازي بأنه "أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل حسنة (^٢) " ويرى ليفي بروفينسال أنه "أعظم رجال دولة الحكم على الإطلاق (^٣) "، فقد كان يجمع خصالًا لم تكن تتوفر للكثيرين من رجال الدولة في عصره، فقد كان عسكريًا ممتازا، وسياسيًا محنكًا، وكاتبًا أدبيًا عالمًا (^٤).
كما برز اسم حاجب آخر تولى الحجابة للأمويين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد هو الحاجب عيسى بن شُهيد ت (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) الذي تولى الحجابة بعد سفيان بن عبد ربه وذلك سنة (٢١٨) هـ (٨٢٢ م) (^٥) فآثره الأمير عبد الرحمن الأوسط على أصحابه "وكان أهلًا
_________________
(١) ابن القوطية، ص ٧٤.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥.
(٣) I.provencal: op، cit، I p: ١٦٦.
(٤) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم ٨٢.
(٥) البيان المغرب، ٢/ ٨٤.
[ ٤١٢ ]
لإيثاره إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة … ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة، وقد قاد بالصوائف فأحمدت سياسته وكانت له في التدبير آراء صائبة، وفي الحروب مقاومة كريمة (^١) " ويفضل على نظيره عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بأنه لم يكن يقبل الهدية أو المكافأة على قضاء الحاجة (^٢) بل كان يهجر من عرضها عليه (^٣).
وعندما نقلب صفحات تاريخ حجاب بني أمية بالأندلس، نجد أن أيًا منهم لم يصل إلى هذا المنصب إلا إن كان من صنائعهم، بالإضافة إلى أنه لابد من المرور بعدة مناصب هي أشبه ما يكون بالتدرج الوظيفي، فإذا ظهرت كفاءته فيها، رقي إلى منصب الحجابة.
فالحاجب سفيان بن عبد ربه "كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها، … تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم … ولم يزل ينتقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة" (^٤)، وهذا التدرج الذي مر به الحاجب سفيان بن عبد ربه سلكه خلفه الحاجب عيسى بن شُهيد، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط "خطة الخيل، ثم
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٦.
(٢) ابن القوطية، ص ٧٤.
(٣) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠.
(٤) المصدر السابق، ص ٢٥.
[ ٤١٣ ]
استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه (^١) ".
وورد في المقتبس أن سعيد بن محمد بن السليم كان من صناع الأمير عبد الله بن محمد قبل أن يصبح أميرًا، فلما تولى الإمارة ولى ابن السليم خطة السوق، فظهرت منه صرامة وقوة، وتمكن من ضبط أمور العامة، وبلغ من قوة بأسه أنه سجن خصيًا للمطرف ابن الأمير عبد الله بن محمد بعد أن شقق أثوابه وضربه مائتي سوط، نتيجة قلة أدب ذلك الخصي، وإساءته لابن السليم في مجلس نظره وسط السوق، وبعد ذلك أبلغ ابن السليم الأمير عبد الله بما جرى، فصوَّب الأمير فعله واستحسنه، وأدرك مدى استقلاله بعمله وكفاءته، ولذا فبعد مدة وجيزة من تلك الحادثة ولاه الوزارة ثم الحجابة (^٢).
وهذا موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير تدرج في عدة مناصب حتى وصل إلى الحجابة، فقد تولى للأمير عبد الله بن محمد خطة القُطُع، ثم ولي خطة المدينة، ثم تولى الوزارة في أول عهد عبد الرحمن الناصر وظل بها إلى أن توفي الحاجب بدر بن أحمد (^٣) سنة (٣٠٩) هـ
_________________
(١) نفسه، ص ٢٦.
(٢) المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٤ - ٥.
(٣) هو أبو الغصن بدر بن أحمد الصقلبي، كان وصيفًا للأمير عبد الله بن محمد، فأعتقه وصرَّفه في الخطط وأصبح في مقام الحاجب، وفي عهد عبد الرحمن الناصر تولى بدر عدة خطط ثم رقاه للحجابة، امتاز بآرائه الصائبة، ومازال بدر في سؤدد حتى توفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب سنة ٣٠٩ هـ. وقد أطلق عليه ابن حيان لفظ "الخصي" رغم أنه كان له أولاد. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٤، ١٣٠ - ١٣٢. المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ١٧٣. الحلة السيراء ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
[ ٤١٤ ]
(٩٢١ م)، فاستحجبه الناصر وظل في هذا المنصب إلى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (^١) (٩٣٢ م)، ولقد كانت لهذا الحاجب شخصية نفاذة تستقطب الأنظار نحوها، حتى أن الوزير عبد الملك بن جهور يقول عنه: "ما رأيت مثل موسى: لم يجمعه أمير المؤمنين مع أحدٍ إلا كان المستحوذ على المجلس في الجد والهزل" (^٢).