خطة القضاء
القضاء في اللغة يطلق على معان متعددة (^١) يهمنا منها في هذه الدراسة ما يفيد الحكم والحتم. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعبدوا إلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٢) أي حكم وحتم.
والقضاء يأتي على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتم أو خُتم أو أُدي أداء أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أُمضي فقد قُضي (^٣)، والحكم يأتي بمعنى العلم والفقه والقضاء العدل وهو مصدر حكم يحكم (^٤).
وأما في الاصطلاح فالقضاء يعني فصل الخصومات وفض المنازعات عن طريق إلزام الخصوم بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجتهاد بطريقة معينة (^٥) فهو "إخبار على حكم شرعي على طريقة الإلزام" (^٦).
_________________
(١) - انظر: إبراهيم نجيب محمود عوض، القضاء في الإسلام، تاريخه ونظامه، (مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥ م) ص ٤ - ٥.
(٢) - سورة الإسراء الآية رقم ٢٣.
(٣) - ابن منظور، لسان العرب، مادة "قضي".
(٤) - المصدر السابق، مادة قضى.
(٥) - ابن الخصاف، كتاب أدب القاضي، شرح: أبو بكر أحمد بن علي الرازي، (تحقيق: فرحات زياده، الجامعة الأمريكية، القاهرة، ١٩٧٩ م)، ص ٢٩.
(٦) - كتاب لباب الألباب، ص ٢٥٣.
[ ٢ / ٦١٩ ]
وقد نظر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى اختصاصات القاضي نظرة واسعة، فذكر أن "القاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطانًا أو نائبًا، أو وليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع أو نائبًا له حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وهو ظاهر (^١) "، ونظرًا لأن القضاء هو الوسيلة التي تتحقق فيها العدالة التي هي مطلب النفوس السوية، مما يكفل السعادة لأي مجتمع توجد فيه، لأجل هذا فقد اهتم الإسلام بالقضاء اهتمامًا واسعًا، فلا عجب أن يتبوأ من يشغل منصب "القاضي" أسمى المراتب في المجتمع الإسلامي.
والله جل ثناؤه قد ترك للحكام تصريف أمور الناس فحكموا في الدماء والأبضاع والأموال والحلال والحرام، لأجل هذا فخطة القضاء أشرف الخطط بعد الخلافة (^٢).
وفي الأندلس كان القاضي يحتل مكانة بارزة، حتى أن لقب "القاضي" كان يطلق على البعض تشريفًا لهم، فهذا أحمد بن محمد
_________________
(١) - ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، (دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م) ص، ١٣ - ١٤.
(٢) - النباهي، ص ٢.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
القيسي، المتوفى سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م)، كان يلقب بالقاضي لوقاره (^١)، رغم أنه لم يكن قاضيًا.
وقد كان الولاة الأوائل في الأندلس هم القضاة أيضًا، ولم يتم الفصل بين منصبي الولاية والقضاء إلا في سنة (١١٦) هـ (٧٣٤ م) أي في عهد الوالي عقبة بن الحجاج السلولي حيث تم تعيين مهدي بن مسلم قاضيًا في قرطبة (^٢).
وقد كان القضاة في الأندلس على مراتب ودرجات، فقضاة القرى الصغيرة يطلق على الواحد منهم لقب مسدَّد (^٣) أما في قرطبة فقد عرف في عهد الولاة بلقب قاضي الجند أو العسكر (^٤) وبعد أن قامت الدولة الأموية أخذ اللقب يتغير، إذ ظهر مسمى جديد هو "قاضي الجماعة" بدلًا
_________________
(١) - هو أبو عمر أحمد بن محمد بن هاشم بن خلف بن عمرو القيسي، من أهل قرطبة، يُعرف بالأعرج، أتقن علم النحو، وأدب به، كان وقورًا مهيبًا، ولأجل ذلك لقب بالقاضي. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٨.
(٢) - د. محمد عبد الوهاب خلاف: تاريخ القضاء في الأندلس من الفتح إلى نهاية القرن الخامس الهجري، ص ٢٥ - ٢٦، ومن المعلوم أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هو أول من فصل القضاء عن السلطة التنفيذية فقد أوفد قضاته إلى الأقاليم وضمن لهم الاستقلال الكامل عن الولاة. انظر: مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٧.
(٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٨.
(٤) - النباهي، ص ٢١.
[ ٢ / ٦٢١ ]
من "قاضي الجند" وأول من حمل هذا اللقب هو يحيى بن يزيد (^١) الذي كان يشغل منصب "قاضي الجند" قبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للحكم وبعد أن قامت الإمارة وتولى الأمير الداخل الحكم أقر القاضي يحيى بن يزيد على منصبه (^٢) وأما من يلي القضاء في إحدى الكور، فقد كان يعرف بلقب "قاضي" منسوبًا إلى الكورة التي هو فيها، فيقال قاضي كورة كذا (^٣).
وتسمية يحيى بن يزيد بقاضي الجماعة ربما يكون السبب فيها عائد إلى كتابته للعهد الذي أبرم بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين آخر ولاة الأندلس الوالي يوسف الفهري الذي اشترط حضور قاضيه لكتابة العهد (^٤) لمبايعة المسلمين للأمير عبد الرحمن الداخل بالإمارة لأجل ذلك أُطلق على يحيى ابن يزيد لقب "قاضي الجماعة" أي أنه أصبح هو قاضي الجماعة الجديد في الأندلس (^٥).
_________________
(١) - يحيى بن يزيد التجيبي، من عرب الشام الساكنين في إفريقية، قدم الأندلس مع أبي الخطار الكلبي، واستلم قضاء الجند بقرطبة، وكان ﵀ رجلًا صالحًا، اعتزل الحرب عند دخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأندلس. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٤ - ١٥.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ١٤.
(٣) - ابن الفرضي: رقم ١٩٩. التكملة، (طبعة كوديرا) ترجمة رقم ١٧٧٣.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ١٤.
(٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٦٢. قارن أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٦٣.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وأما ما ذهب إليه النباهي من أن لقب "قاضي الجماعة" المقصود منه جماعة القضاة (^١)، فهو رأي لايمكن التسليم به وبالذات إذا عرفنا أن قاضي الجماعة لا سلطان له على القضاة خارج قرطبة.
وقد ذكر ابن القوطية أن الفقيه عمرو بن عبد الله (^٢) هو أول من تسمى بقرطبة بقاضي الجماعة، وهذا القول يوضحه ما جاء بعده، فقد قال ابن القوطية أن عمرو بن عبد الله "لم يكن من الجند فنسب إليهم، وكان القضاة من أجناد العرب (^٣) " وبذلك يتضح أن ابن القوطية أراد أن يقول أنه أول قاضٍ للجماعة من غير العرب (^٤)، وهذا ما صرح به ابن الفرضي بقوله "وهو أول من استُقضي بقرطبة من الموالي (^٥) ".
_________________
(١) - النباهي، ص ٢١.
(٢) - أبو عبد الله عمرو بن عبد الله بن ليث، قرطبي يعرف بالقُبْعَة، مولى إحدى بنات الأمير عبد الرحمن الداخل، ولاه الأمير محمد خطتي القضاء والصلاة سنة ٢٥٠ هـ، إلا أنه سرعان ما صرفه عن خطة الصلاة بسبب معارضة العرب له. وكان عمرو بن عبد الله معروفًا بالفضل والعقل والأدب وقورًا حسن السمت مؤثرًا للعدل صاحب هيبة شديدة ومروءة ظاهرة، لقب بالقبعه لأنه كان قصيرًا دحداحًا إذا قعد يكاد يخف، ولي القضاء مرتين، الأخيرة كانت سنة ٢٦٠ هـ وعزل عنه سنة ٢٦٣ هـ وقد أصيب عمرو في عقله آخر عمره وتوفي سنة ٢٧٣ هـ انظر: قضاة قرطبة، ص ٦٧ - ٧٣، ٨٢ - ٨٣. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٩٣٨.
(٣) - ابن القوطية، ٧٣.
(٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٦٣.
(٥) - ابن الفرضي، ١/ ٣٦٣. وانظر: الخشني قضاة قرطبة، ص ٦٧.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وظهر في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لقب جديد، وهو "قاضي القضاة" وصاحب هذا اللقب لا شأن له بقرطبة، إذ أن دائرة اختصاصه محصورة في الثغور، وأول من أُطلق عليه هذا اللقب منذر بن سعيد البلوطي وذلك سنة (٣٣٠) هـ (٩٣٧ م) فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر "القضاء في جميع الثغور، وصُير قاضي القضاة في جميعها، وجعل إليه الإشراف على جميع القضاة والعمال بها، والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج إليها" (^١).
وبهذه الصورة أصبحت الدولة الأموية تضم أربعة أصناف من مراتب القضاة، فهناك "مسدد" وهو قاضي القرية الصغيرة، و"القاضي" وهو من تولى القضاء في الكورة، و"قاضي قضاة" الذي يشرف على عمال الثغور وقضاته، وأخيرًا "قاضي الجماعة" بالعاصمة قرطبة.
وقد استمر لقب "قاضي الجماعة" طيلة القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) من عمر الدولة الأموية، إلا أنه في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول، حل محله لقب "قاضي القضاة" وأول من حمل هذا اللقب أبو العباس أحمد بن عبد الله بن
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٨.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ذكوان (^١)، ثم حمله من بعده أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي (^٢).
والملاحظ أن لقب "قاضي القضاة" عرفته الأندلس من المشرق وبالتحديد من الخلافة العباسية التي اقتبسته بدورها من النظم الفارسية الساسانية (^٣)، والدولة الأموية في الأندلس لم تسمح بهذا اللقب في حاضرتها إلا بعد أن أخذت تسير سريعة نحو الانحلال.
وكما كان القاضي ابن ذكوان أول من لُقِّب بـ"قاضي القضاة" في الأندلس فكذلك هو أول من اجتمع له منصبي الوزارة والقضاء (^٤)، ولقب الوزارة هنا ليس لقبًا شرفيًا، وإنما للقيام بأعباء الوزارة كاملة إضافة إلى
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧١.
(٢) - أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي، قرطبي كان فقيهًا حافظًا ذاكرًا للمسائل بصيرًا بالأحكام، مع الورع والفضل والدين والتواضع، ولي القضاء مرتين في عهد الخليفة هشام المؤيد، فحمد الناس سيرته، وكان طيلة مدتي قضائه يؤذن في مسجده ويقيم الصلاة فيه، وصفه ابن حيان بأنه كان آخر كملاء القضاة بالأندلس، وعندما تغلب البرابر على قرطبة نالت ابن وافد منهم محنة شديدة وبلاء عظيم، وحبس بقصر قرطبة إلى أن توفي ﵀ منتصف شهر ذي الحجة سنة ٤٠٤ هـ. انظر: ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٦ - ١٨١. الصلة، ترجمة رقم ١٤٥٧. النباهي، ص ٨٨ - ٨٩.
(٣) - كان يطلق على قاضي القضاة في الدولة الساسانية "موبذان موبذ" وتعريبه: قاضي القضاة، وهو أعلى وظائف الدولة الدينية قدرًا ورتبه. انظر: كتاب التاج في أخلاق الملوك، ص ١٥.
(٤) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٠ - ١٧١.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
أعباء القضاء (^١) وفي هذه الحالة كانت رسوم الدولة الأموية تقتضي تقديم لقب الوزارة على القضاء في المكاتبات فابن (^٢) ذكوان "كان يكتب عنه من الوزير قاضي القضاة (^٣) " إلى فلان.
وقبل أن ننهي الحديث عن الألقاب التي حصل عليها قضاة الأندلس، لابد من الإشارة إلى أهمية منصب قاضي الجماعة بقرطبة، ويكفي في هذا الخصوص أن أمراء وخلفاء بني أمية كانوا إذا احتاروا في أمر من الأمور لا يقطعون فيه حتى يستشيروا ثلاثة من أصحاب المناصب العليا، أحدهم قاضي الجماعة بقرطبة (^٤).