يأتي الأمير أو الخليفة الأموي في الدولة الأموية بالأندلس على رأس جهاز الحكم، ونظرًا لأخذ الأسرة الأموية بالأندلس بنظام الحكم الوراثي، فإن الأمير أو الخليفة يوصي بالحكم من بعده لأحد أبنائه، وليس بالضرورة أن يكون للابن الأكبر حق ملزم في تولي الحكم بعد أبيه، إذ أن منصب ولاية العهد يتم الاختيار له بعناية فائقة (^١)، وبناءً على وصية يتركها الأمير أو الخليفة يبايع ولي العهد حاكمًا جديدًا للبلاد.
وكان إذا توفي الأمير أو الخليفة الأموي يبادر ولي العهد إلى أخذ البيعة من كبار فتيان القصر الصقالبة المعروفين بالخلفاء الأكابر، وهم بدورهم يأخذونها على من تحت أيديهم (^٢)، ثم يأمر بإحضار الكتَّاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فيبايعونه (^٣)، بعد ذلك يتم إحضار الأخوة والأعمام وأولادهم بواسطة بعض الوزراء ومعهم الجند، بدون قبول عذر أي منهم (^٤)، فإذا وصلوا جلسوا في مجالس خاصة مع رجالات الدولة وكبار أصحاب البيوتات الأندلسية، فإذا تمت الاستعدادات لتلقي البيعة، جلس الحاكم الجديد للبلاد على سرير الملك بمجلسه الضخم، فيكون
_________________
(١) - سوف نتطرق لهذا الأمر عند الحديث عن ولاية العهد.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠. نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.
(٣) - نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠، نفح الطيب: ١/ ٣٨٧.
[ ١٣٣ ]
إخوته وعمومته وأولادهم أول الداخلين عليه، ولباسهم الأردية والظهائر البيض إعلانًا لحزنهم على الحاكم الراحل (^١)، فيبايعونه بأن يصفقوا بأيديهم على يده على هيئة المصافحة (^٢)، وبعد أن ينصتوا لسماع قراءة صحيفة البيعة بصوت أحد الوزراء (^٣)، ويعلنون التزامهم لأيمان انعقادها، يقوم أحد أولئك الأمراء ويرتجل كلمة نيابة عن أبناء الأسرة الأموية يعزي فيها الحاكم بوفاة والده الفقيد ويهنئه بالمنصب الجديد (^٤)، بعد ذلك يتقدم الوزراء وأولادهم وإخوانهم ويتلوهم أصحاب الشرطة وطبقات أهل
_________________
(١) - مؤلف مجهول، تاريخ عبد الرحمن الناصر، (تقديم د. عدنان محمد آل طعمه، دمشق دار سعد الدين، ١٩٩٢ م) ص ١٨. في الأندلس لبس البياض شعار للحداد والحزن، قال ابن دحية: "ولبس البياض عادة أهل الأندلس في الحزن على موتاهم استنوا ذلك من عهد بني أمية قصدًا لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد". انظر: ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، (تحقيق: مصطفى عوض، الخرطوم، ١٩٥٤ م) ص ٨٥.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٢٠. البيان المغرب ٣/ ٦٠. البيعة شبيهة بالبيع الحقيقي كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، والأصل في ذلك أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه. وهي في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم لا ينازعونه في شيء من ذلك ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر على المنشط والمكره، شبهت حالتهم في مصافحتهم بأيديهم تأكيدًا لعهدهم بفعل البائع والمشتري وسميت بيعة. انظر: عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية، المسمى التراتيب الإدارية، (بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت). ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) - الحلة السيراء، ١/ ١٣٨.
(٤) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.
[ ١٣٤ ]
الخدمة، فإذا بايعوا قعدوا جميعًا عن يمين الأمير أو الخليفة وشماله، ثم يتولى أحد كبار رجالات الدولة أخذ البيعة على بقية الحضور (^١).
ويصف لنا المقري الحفل الذي أقيم في الزهراء عند مبايعة الحكم المستنصر بالخلافة في الثالث من رمضان سنة (٣٥٠) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٦١) م) فيقول: "وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد، فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه، وأنصتوا لصحيفة البيعة، والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها، ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم، ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة، وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس (^٢) فإنه كان قائمًا يأخذ البيعة على الناس، وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة، فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يمينًا وشمالًا إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة، عليهم الظهائر البيض شعار الحزن، قد تقلدوا فوقها السيوف، ثم تلاهم الفتيان الوصفاء، عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية، صفين منتظين في
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٤. نفح الطيب، ١/ ٣٨٧.
(٢) - عن ابن فطيس: انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، قسم التعليقات، تعليق: رقم ١٨٧.
[ ١٣٥ ]
السطح، وفي الفصلان (^١) المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض، بأيديهم السيوف، يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة، ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجبابهم، ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة، وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجَّالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض، وعلى رؤوسهم البيضات الصَّقيلة، بأيديهم التراس الملوَّنة والأسلحة المزينة، انتظما صفين إلى آخر الفُصُل، وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم، ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء، واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة موكبًا إثر موكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء" (^٢).
وبعد أن تتم مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة التي تنتهي عادة في نفس اليوم (^٣)، وبعد أن يسمع الأمير أو الخليفة لإنشاد الشعراء الذين يعزونه لفقد والده ويهنؤنه بالإمارة أو الخلافة (^٤)، يتم توزيع الكساوي
_________________
(١) - الفصلان جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت. وتكون الفصلان، فيما يبدو، على شكل رحاب وصحون متوالية تحددها هيئة الأعمدة. انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٨٧ حاشية رقم ١.
(٢) - المصدر السابق، ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.
(٤) - انظر مثلًا قصيدة ابن دراج التي رثى فيها عبد الملك المظفر وعزَّى أخاه عبد الرحمن وهنأه فيها بالحجابة وولاية العهد. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود مكي. منشورات المكتب الإسلامي، دمشق ١٩٦١ م). ص ٤٥٦.
[ ١٣٦ ]
والأموال على الحضور حسب مراتبهم وأقدارهم (^١)، ثم يؤذن للجميع بالانصراف باستثناء الإخوة والأعمام والوزراء وأهل الخدمة، وذلك لحضور مراسم مواراة الأمير أو الخليفة الراحل في المقبرة الخاصة بأمراء وخلفاء بني أمية والمعروفة باسم روضة الخلفاء الموجودة داخل القصر بقرطبة (^٢) وعادة ما يتولى الحاكم الجديد الصلاة على جثمان سلفه (^٣).
وجرت العادة في البيعة الخاصة المعروفة بالمشرق باسم "بيعة أهل الحل والعقد (^٤) " أن تسجَّل شهادات الشهود في سجل خاص، وقد أورد لنا ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان أسماء الشهود الذين حضروا البيعة الخاصة التي جرت للخليفة هشام المؤيد بن الخليفة الحكم المستنصر والتي تمت في يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة (٣٦٦) هـ (أكتوبر ٩٧٧) وقد بلغ عدد أولئك الشهود مائة وتسعة وثلاثين شاهدًا (^٥).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ١٢١ - ١٢٨، أعمال الأعلام: ٢/ ١٨.
(٢) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص ١٧. المقتبس، تحقيق أنطونية، ص ٣، البيان المغرب ٢/ ٤٨، ٧٧، ٩٠، ١٥١. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٢٤، ١٣٣، ١٤٩، ١٥٢، ١٥٦، ١٦٨، ١٧٣، ٢٠٤. نفح الطيب، ١/ ٣٨٨.
(٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨، البيان المغرب ٢/ ٦٥، ٧٧، ١٠٦، ١٢١، ١٥١، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٢٤، ١٣٣، ١٥٢، ١٥٦، ١٦٨.
(٤) - الماوردي، الأحكام السلطانية (بعناية: محمد بدر الدين الحلبي القاهرة، مكتبة الخانجي، ١٣٢٧ هـ/١٩٠٩ م) ص ٥.
(٥) - أعمال الأعلام: ٢/ ٤٨ - ٥٧. إلا أنه عند التحقق من أسماء أولئك الشهود نجد أن سبعة عشر شاهدًا لا يمكن أن يكونوا ضمن الحاضرين للبيعة، إذ أن معظمهم ولد بعد البيعة بكثير، وهناك من كان عمره عند البيعة سنة واحدة وآخر ست سنين وثالث تسع سنين، بل إن هناك من توفي قبل البيعة بسبع سنين وهم على الترتيب: =
[ ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =- القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى، يعرف بابن الحشا، توفي سنة ٤٧٣ هـ "الصلة. ترجمة رقم ٧٢٨". - الفقيه أبو عبد الله بن عتاب بن محسن، ولد سنة ٣٨٣ هـ، "ترتيب المدارك ٨/ ١٣١ - ١٣٤". - القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، ولد سنة ٤٠٣ هـ. "الصلة. ترجمة رقم ٤٥٣". - أبو الحسن مختار بن عبد الرحمن الرعيني القرطبي، ولد سنة ٣٩٣ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ٩٨. الصلة ترجمة رقم ١٣٧٤". - أبو عمر عبد الرحمن بن القرداحي، توفي وأبوه حي سنة ٤٢٥ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ٩٣". - أبو المطرف عبد الرحمن بن سعيد بن جرج، ولد سنة ٣٦٨ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ١٣". - أبو بكر بن أبي العباس بن ذكوان، ولد سنة ٣٩٥ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ٨٧ - ٨٨". - أبو محمد عبد المهيمن بن عبد الملك بن أحمد القرشي، ولد سنة ٤٠٠ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ٢٠ - ٢١". - سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، ولد سنة ٣٧٠ هـ. "الصلة ترجمة رقم ٥١٧". - أبو بكر عبيد الله القرشي التيمي القرطبي، ولد سنة ٣٦٥ هـ. "الصلة، ترجمة رقم ٦٦٧". - أبو العباس أحمد بن أيوب الألبيري. ولد سنة ٣٦٠ هـ. "الصلة ترجمة رقم ١٠٠". - همام بن أحمد بن عبد الله الأطروش، ولد سنة ٣٥٧ هـ. "الصلة ترجمة رقم ٣٥٠". - عبد الملك بن هذيل بن عبد الملك التميمي، توفي سنة ٣٥٩ هـ. "ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٢٢". ويمكن أن نضيف إلى تلك الأسماء أسماء أخرى هناك شك كبير يحيط بحضورها لبيعة المؤيد ربما لأن أصحابها كانوا وقتها دون الحلم، وهم: - أبو محمد عبد الله بن سعيد بن لباج الأموي، توفي سنة ٤٣٦ "الصلة ترجمة رقم ٥٩٧". = - أبو مروان عبد الملك بن أحمد الأصبغ القرشي، ولد سنة ٣٥٨ هـ، "الصلة ترجمة رقم ٧٧٠". - عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، توفي سنة ٤٣٢ هـ، "ترتيب المدارك ٨/ ٢٦ - ٢٧. الصلة، ترجمة رقم ٥٩٢". - أبو محمد مكي بن أبي طالب ولد سنة ٣٥٥ هـ. "ترتيب المدارك ٨/ ١٣ الصلة ترجمة رقم ١٣٩٠". ولعل الكاتب الذي نقل عنه ابن حيان أراد بزيادة أسماء الشهود إثبات حجية بيعة الخليفة هشام المؤيد بكثرة عدد الشهود الموقعين على الوثيقة.
[ ١٣٨ ]
ونظرًا للاضطراب الذي كانت الخلافة الأموية بالأندلس قد مرت به في الربع الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) والمسمى بعصر الفتنة من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فإن مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة للخليفة قد اختفت تمامًا، حيث أصبح الأمر يقتصر على أن يقوم المبايعون بالصفق على يد الخليفة، إما في المسجد الجامع بقرطبة (^١)، أو في داخل قصر الخلافة (^٢)، وهناك من جرت بيعته على سطح القصر (^٣)، وآخر بويع بباب السدة من قصر قرطبة (^٤)، بل
_________________
(١) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ٥٤، الحلة السيراء، ٢/ ٧. البيان المغرب، ٣/ ٦٠، ٧٧، ١٢٢، ١٣٦. أعمال الأعلام ٢/ ١١٠ - ١١١، ١٣٦، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠١، ٢٠٤، ٢٠٨، ٢٠٩.
(٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٥.
(٤) - البيان المغرب، ٣/ ١٢٢.
[ ١٣٩ ]
إن هناك من كانت بيعته أولًا في الثغر ثم جددت بيعته عند دخوله قرطبة (^١).
وبعد أن تتم مراسم البيعة الخاصة يتولى قاضي الجماعة (^٢) وصاحب المدينة وصاحب الشرطة العليا، وصاحب الشرطة الصغرى، وصاحب أحكام السوق (^٣) أخذ البيعة العامة من الناس في المسجد الجامع بقرطبة لعدة أيام، كما يتم إرسال نسخ من كتاب البيعة للعمال في الكور، والقادة في الثغور لأخذ البيعة على من قبلهم، حيث ترد بعد أيام كتب من كافة أقطار الأندلس تخبر بإنجازها (^٤)، كما أن وفودًا تحضر إلى القصر من تلك الكور والثغور يستقبلها الأمير أو الخليفة بمحضر من الوزراء وقاضي الجماعة ورجالات الدولة، حيث يتلقى مبايعة أعضاء هذه الوفود، وتسجل شهاداتهم بسجل خاص (^٥)، كما يتم إرسال وفد من قبل الأمير أو الخليفة لأخذ البيعة في بعض الكور (^٦).
_________________
(١) - انظر: جذوة المقتبس، ص ٢٨، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ١١٠. البيان المغرب، ٣/ ٩١، ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٨. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠٣، ٢١٢.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ١٢٠.
(٣) - تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص ١٨.
(٤) - تاريخ عبد الرحمن الناصر ص ١٨ - ١٩. البيان المغرب، ٢/ ١٥٨.
(٥) - المقري. أزهار الرياض، ٢/ ٢٨٨.
(٦) - المقتبس، تحقيق: أنطونية، ص ٥٠. تاريخ عبد الرحمن الناصر ص ١٩. البيان المغرب ٢/ ١٢١.
[ ١٤٠ ]