خطة الأسطول (^١)
إن المتأمل في جغرافية الأندلس، يدرك أن لامناص لأهلها من توجيه العناية التامة بالبحر وما يتعلق به، سواء تم ذلك بتنظيم رسمي أو شعبي. ورغم وجود كافة الدوافع الضرورية الكفيلة بقيام بحرية قوية في الأندلس إلا أن الدولة الأموية في بداية عهدها لم تلق بالًا لهذه المسألة، فلا نجد أثرًا لأسطول بحري منظم، يكون مكملًا للقوة البرية الدولية (^٢).
إلا أن ذلك لا يعني أن الأندلس كانت في عهد الولاة خالية من مراكب بحرية تجري بين العدوتين، يدل على ذلك أن بلج بن بشر القشيري عندما أراد دخول الأندلس، أنشأ قوارب واستعان ببعض مراكب البحارة وبذلك تمكن من دخول الأندلس (^٣). كما أن المركب الذي أوصل الأمير عبد الرحمن الداخل الأندلس، كانت تحت قيادة رجل يدعى أبا فريعة، كان له بصر في ركوب البحر (^٤)، وهذا مما يدل على وجود رجال ذوي خبرة في المجال البحري.
_________________
(١) - عن مصطلح كلمة "الأسطول" ومدلولاتها وأصلها. انظر: د. علي محمود فهمي: التنظيم البحري الإسلامي في شرق المتوسط، من القرن ٧ حتى القرن ١٠ م، (ترجمة: د. محمود عبده قاسم، دار الوحدة، بيروت ١٤٠٢ هـ ١٩٨١ م) ص ١٣٧ - ١٤٠.
(٢) - د. حسين مؤنس: المسلمون في حوض البحر المتوسط ص ١٢.
(٣) - ابن القوطية ص ١٦.
(٤) - المصدر السابق ص ٢٤.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ويبدو أن هناك أسبابًا حالت دون قيام أمراء قرطبة بإنشاء قوة بحرية تحمي سواحل إماراتهم، فالمتصفح لعهد الأمير عبد الرحمن الداخل، على سبيل المثال، يجد أنه مليء بالفتن الداخلية والحروب الخارجية، وهذه المشاكل استمرت طيلة عهده، ولا يخفى ما لمثل هذه المشاكل من أثر سيء على التنمية الداخلية لأي دولة كانت.
يضاف إلى ذلك أن الممالك والأمارات النصرانية الشمالية المجاورة للدولة الأموية بالأندلس، لم تكن لها سمعة في المجال البحري، حتى يحسب الأمويون حسابها، في حين أن السواحل الجنوبية كانت تطل على بلاد إسلامية، لذا أمن الأمويون من المخاطر التي تأتيهم عن طريق السواحل. هذه الأسباب تضافرت فيما بينها، لتقف حائلًا دون التبكير في قيام قوة أموية بحرية.
لكن هناك خبر أورده شكيب أرسلان ذكر فيه: أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد بث الحركة والحيوية في مراسي طركونة (^١) وطرطوشة وقرطاجنة واشبيلية والمريه وغيرها (^٢).
_________________
(١) - طركونة " Tarragona" مدينة ساحلية قديمة، على البحر المتوسط، اشتهرت بإنتاج الرخام المحكم الصبغة، ولها أحواز كثيرة وحصون منيعة تتصل بنواحي برشلونة وتبعد عنها بنحو مائة كيلو متر، وقد خرجت طركونة من أيدي المسلمين سنة ٤٧٢ هـ، انظر، وصف الأندلس للرازي، ص ٧٣. تعليق منتقى، ص ٢٨٦، ذكر بلاد الأندلس، ١، ٧٢ الروض المعطار، ص ٣٩٢، الأثار الأندلسية الباقية، ص ١١٧ - ١١٨.
(٢) - تاريخ غزوات العرب ص ١٣٩.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ومهما يكن من ملاحظات على هذا الخبر (^١)، إلا أنه يفيد أن بني أمية بقرطبة كانوا مدركين لأهمية التكامل بين القوتين البرية والبحرية، وأنهم كانوا بانتظار الفرصة المناسبة لايجاد التوازن بينهما من خلال إنشاء أسطول بحري يحمية سواحل بلادهم.
وأما ما ذهب إليه بعض المختصين بالدراسات الأندلسية، من أن التقارب بين أمراء قرطبة وأباطرة بيزنطة، واشتراكهم في معاداة العباسيين، قد طمأن بني أمية بأن سواحلهم في مأمن من أي هجوم طارئ (^٢)، فهي وجهة نظر لا يمكن الأخذ بها، إذ لم تورد المصادر التاريخية ما يدل على قيام أي من الأمويين أو البيزنطيين بعمل عسكري ضد العباسيين لصالح الطرف الآخر.
وإذا كانت دولة بني أمية بالأندلس قد تأخرت في إنشاء أسطول بحري منظم، فإن ذلك لم يحل دون قيام جماعات بحرية، كان لها حضورًا مميزًا في المجال البحري، أثبتت فيه كفاءتها القتالية، وأصبحت حامية
_________________
(١) - ذكر أرسلان في المرجع السابق ص ١٣٩، أن الأمير الداخل قام بهذه الأعمال سنة ٧٩٣ م (١٧٦ - ١٧٧ هـ) وهذا كما يتضح من التاريخ بعد عهد الأمير الداخل.
(٢) - د. السيد عبد العزيز: د. أحمد العبادي: تاريخ البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس ٢/ ١٤٨.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
للسواحل الشرقية للأندلس، بل إنها كانت تقوم بمهاجمة موانئ الإمبراطورية الفرنجية (^١).
وبقدر ما كان الساحل الشرقي للأندلس يعج بالحركة وتحميه المراكب، إلا أن الساحل الغربي كان مكشوفًا لا حماية له، بل إن وضع البحرية الأموية في الأندلس ككل انكشف عند هجوم سفن النورمانديين على الأندلس.
ففي يوم الأربعاء أول ذي الحجة سنة (٢٢٩) هـ (^٢) (٢٠ أغسطس (٨٤٤) م) ظهرت أمام سواحل اشبونة، مراكب الغزاة النورمانديين، فسارع عاملها وهب الله بن حزم بإرسال كتاب إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط ذكر فيه أنه حل بالساحل قبلة أربعة وخمسون مركبًا من مراكب المجوس (^٣)، معها أربعة وخمسون قاربًا (^٤)، فكتب إليه الأمير عبد الرحمن الأوسط وإلى كافة عمال السواحل يأمرهم بالتحفظ وأخذ الحيطة اتقاء
_________________
(١) - انظر: تاريخ العرب العام، ص ٣١١، القوى البحرية، ص ١٦٢ - ١٦٤، ٢٢٩ - ٢٣٠، تاريخ غزوات العرب، ص ١٤٠ - ١٤٢، ١٥٠. أثر ظهور الإسلام في البحر المتوسط، ص ١٢١. بحوث في تاريخ الإسلام وحضارته، ص ٦١٤. جزر الأندلس المنسية، ص ٦٤، ٦٦، ٧٠.
(٢) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٣١.
(٣) - المقصود به هم النورمانديين، فقد كان المسلمون يطلقون عليهم اسم المجوس، لأنهم كانوا يشعلون النيران في كل موضع يمرون فيه، لأجل ذلك حسبهم المسلمون مجوسًا، انظر المرجع السابق ص ٢٤.
(٤) - البيان المغرب، ٢/ ٨٧.
[ ٢ / ٥٦١ ]
شر المفاجآت، إلا أن النورمنديين هاجموا إشبونه لكنهم اضطروا لمغادرتها نتيجة المقاومة العنيفة من أهلها (^١) فسارت مراكب النورمانديين إلى الجنوب بمحاذاة الساحل، فدخل بعضها قادش وبعضها شذونه (^٢)، ولكن معظم المراكب تجمعت عند مدخل الوادي الكبير، حيث تقدمت نحو اشبيلية، فاحتلوا جزيرة قبطيل (^٣) " Cabtel" في اليوم الثامن من شهر محرم سنة (٢٣٠) هـ (سبتمبر (٨٤٤) م) ونظرًا لما تمتاز به هذه الجزيرة من وفرة الخيرات (^٤) فقد تحصن بها النورمانديين، واتخذوا منها مركزًا لانطلاق هجماتهم على اشبيلية، وبعد ثلاثة أيام دخلوا قرية قورية " Coria Del Rio" الواقعة على بعد اثنى عشر ميلًا من اشبيلية، وذلك في يوم الاثنين الثاني عشر من محرم، وفي اليوم الثالث عشر دخلوا قرية طلياطه (^٥)
_________________
(١) - نصوص عن الأندلس ص ٩٨.
(٢) - البيان المغرب ٢/ ٨٧.
(٣) - نصوص عن الأندلس ص ٩٨. قبطيل، تكتب باللاتينية Capirale وكلمة قبطيل تعني القناة، والقبطيل بالأندلس هو مفرغ وادي طرطوشة في البحر، ويعرف أيضًا بالعسكر لأنه موضع عسكر بن النورمانديون واحتفروا حوله خندقًا. انظر، الروض المعطار، ص ١٥٤ والحاشية رقم ٢ ص ٩٨.
(٤) - غارات النورمانديين ص ٣٢.
(٥) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩، الروض المعطار ص ٣٩٥. غارات النورمانديين، ص ٣٧ حاشية رقم ١ طلياطه، قرية كانت على سبع مراحل شمال اشبيلية، وتسمى اليوم Tejada وهي اليوم خرائب مهجورة Despolado على بعد ٣٠ كيلو مترًا شمال غربي اشبيلية. انظر الحلة السيراء ٢/ ١٨٣، حاشية رقم ٢. الروض المعطار، ص ٣٩٥.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
" Tliata" فارتج أهلها وأخلوها إلى جبالها وإلى قرمونة (^١)، وفي يوم الأربعاء الرابع عشر من محرم سنة (٢٣٠) هـ (^٢) (سبتمبر (٨٤٤) م) وصل النورمانديون اشبيلية في مراكبهم ذات الأشرعة السود التي "كأنما ملأت البحر طيرًا جونًا كما ملأت القلوب شجوًا وشجونًا (^٣) " فدخلوا اشبيلية وقتلوا من المسلمين أعدادًا كبيرة، وأقاموا فيها بقية يومهم ثم غادروها من الغد (^٤).
بعد هذه الأحداث وصلت القوات الأموية، قادمة من قرطبة وعلى رأسها أربعة قادة من كبار رجالات الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٥)، فنزلوا بمن معهم في موضع يقال له مشدوم، يقع شرقي اشبيلية وجرت معركة بينهم وبين النورمان قتل فيها منهم نحو سبعين رجلًا، ثم انهزموا ولجأوا إلى مراكبهم، فأحجم قادة الجيش الأموي عن مطاردتهم مكتفين بما ألحقوه بهم من هزيمة سريعة (^٦)، فغضب الأمير عبد الرحمن من تصرفهم وأمرهم بالعودة إلى قرطبة وأرسل قوة عسكرية بقيادة محمد بن سعيد بن رستم
_________________
(١) - ابن القوطية ص ٦٣.
(٢) - المغرب في حلى المغرب: ١/ ٤٩.
(٣) - البيان المغرب ٢/ ٨٧.
(٤) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩، المغرب في حلى المغرب ١/ ٤٩.
(٥) - هم: عبد الله بن المنذر وعيسى بن شهيد وعبد الواحد بن يزيد الأسكندراني وعبد الرحمن بن كليب بن ثعلبه.
(٦) - نصوص عن الأندلس، ص ٩٩.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ومعه بعض الوزراء ومن توافد على قرطبة من رجال الكور، فنزل الجميع في قرمونة (^١)، وقدم موسى بن موسى القسوي بمن معه من رجال الثغر الأعلى (^٢) بعد أن استنجد به الأمير عبد الرحمن للمساهمة في دفع أولئك النورمانيين، وقد ذكر ابن القوطية، الذي انفرد بذكر مشاركة موسى في قتال النورمانيين، أن موسى عندما وصل إلى قرمونة لم يختلط بقوات الإمارة، بل انعزل جانبًا (^٣)، رغبة منه في عدم الوقوف تحت راية نصر الفني كبير رجال قصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٤).
واجتمع موسى بالوزراء قادة الجيش الأموي وعلى ضوء المعلومات المتوفرة وضع خطة عسكرية محكمة، فتمكن المسلمون من طرد النورمانديين من اشبيلية (^٥)، وفرضوا عليهم حصارًا قويًا في طلياطه التي لجأوا إليها، وتم نصب المجانيق على جانبي الوادي الكبير، فقتل من الغزاة نحو خمسمائة (^٦)، بما فيهم قائدهم (^٧)، فلاذ باقيهم بالفرار بعد أن وصلت
_________________
(١) - ابن القوطية ص ٦٣.
(٢) - ذكر ابن سماك العاملي أن قائد الجند بسرقسطة قاعدة الثغر الأعلى كان أحد الثلاثة الذين يعمد الأمير أو الخليفة الأموي بالأندلس إلى استشارتهم في معضلات الأمور التي تهم الدولة. انظر: الزهرات المنثورة: الزهرة الثالثة والثمانون.
(٣) - تاريخ افتتاح الأندلس ص ٦٣.
(٤) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٣٦.
(٥) - المطرب، ص ١٣٠. تاريخ البحرية الإسلامية: ٢/ ١٥٧.
(٦) - نصوص عن الأندلس ص ١٠٠.
(٧) - المطرب ص ١٣٠، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٥٧.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قوات إضافية حكومية، حيث واصل من نجا من النورمانديين فرارهم نحو أشبونه، ومنها عادوا أدراجهم إلى مواطنهم الأولى (^١).
وهناك مجموعة من الغزاة لم تتمكن من الرحيل إلى بلادها، ولذا فقد تحصنوا في جزيرة قبطيل، فحاصرهم القائد ابن رستم فاستسلموا، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام فاستجابوا، واستقروا في جنوب مدينة اشبيلية، واشتغلوا بتربية الماشية، وذاعت شهرتهم بصناعة اللبان وأجود أنواع الجبن (^٢).
ولقد استوعب الأمير عبد الرحمن الأوسط الدرس الذي لقنه إياه النورمانديون، فأصدر أوامره بتسوير إشبيلية، وكان صدور هذا القرار بمشورة من الفقيه عبد الملك بن حبيب الذي كتب للأمير عبد الرحمن، وكان في ذلك الوقت مشتغلًا بزيارة جامع قرطبة .. " إن بنيان سور اشبيلية وتحصينها أوكد عليه من بنيان الزيادة في المسجد الجامع (^٣) " ثم أصدر قرارًا آخر يقضي بتحصين السواحل الغربية والجنوبية الغربية للأندلس فأنشأت الرباطات والمحارس من اشبونة إلى إلى أرقش، وتسابق
_________________
(١) - نصوص عن الأندلس ص ١٠٠.
(٢) - تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس ص ٢٣٧. L.provoncal Op.Cit v.I p: ٢٤٤.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٤٤.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
المجاهدون في سبيل الله إلى سكني تلك الأربطه والمحارس حفاظًا على أرواح المسلمين (^١).
وذكر ابن القوطية أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أصدر أوامره بإنشاء دار صناعة بإشبيلية (^٢) وبالرغم من أهمية هذا الخبر، إلا أنه يجب أن نأخذه بحذر، إذ أنه يتعارض مع خبر سابق أورده ابن القوطية نفسه، وذلك عندما ذكر أن سارة القوطية بنت المند قد أنشأت مركبًا بإشبيلية، وذهبت به إلى الشام، حيث قابلت الخليفة هشام بن عبد الملك بدمشق ورفعت إليه ظلامتها بسبب اعتداء عمها ارطباس عليها (^٣)، ومن خلال هذا الخبر يمكن القول بأن دارًا للصناعة بإشبيلية كانت قائمة قبل بني أمية إلا أنها تعطلت لسبب من الأسباب وظلت كذلك حتى أعاد الأمير عبد الرحمن الأوسط تشغيلها مرة ثانية فنسبت إليه (^٤). كما وجه الأمير عبد الرحمن الأوسط عنايته لثغر طرطوشة، واتخذ منها قاعدة من قواعد الأسطول التابع لإمارته، ومن أجل ترغيب رجال البحر الأندلسيين المتواجدين بالقرب من ذلك الثغر، فقد أمد عامله على طرطوشة عبيد الله بن يحيى بن خالد بالأموال والجند، وبتشجيع من الأمير قام العامل بإجراء القطائع على المرابطين بالساحل لديه، كما صرف لهم الرواتب والنفقات
_________________
(١) - غارات النورمانديين على الأندلس ص ٤١.
(٢) - تاريخ افتتاح الأندلس ص ٦٧.
(٣) - المصدر السابق ص ٥.
(٤) - تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٦١.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
والعلوفات مما في يده من مال إمارة قرطبة (^١)، كل هذا ترغيبًا من الأمير عبد الرحمن الأوسط لرجال البحر الأندلسيين للعمل بقواته واستعانة منه بخبرتهم البحرية لإدارة أسطوله الناشئ.
ومما يدل على وعي الأمير عبد الرحمن الأوسط في كيفية انتقاء الرجال، أنه استفاد من تجربة أسلافه بالمشرق عند إنشائهم للبحرية هناك (^٢). فكما أن الأمويين في الشام اعتمدوا على القبائل اليمنية في هذا المجال، نجد الأمير عبد الرحمن الأوسط يعمد إلى جماعة من بني سراج القضاعين نزلوا في بسيط ساحل يعرف ببجانة Pichina يقع بالقرب من مصب وادي أندرش Rio Andarax شرقي المرية فيكلفهم بالمرابطة على الساحل وحراسته ضد أي اعتداء خارجي (^٣)، وقد عُرفت المنطقة التي أصبحت تحت حماية بني سراج بـ"أرش اليمن أي أعطيتهم ونحلتهم (^٤) " فهم يستثمرون المنطقة ويتمتعون بخراجها مقابل حمايتهم للساحل.
وقد شهدت البحرية الأموية في الأندلس تطورًا كبيرًا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط مما مكنها من تحقيق حضور قوي في عدة ميادين
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٦.
(٢) - عن نشأة البحرية لدى الأمويين في الشام، انظر، تاريخ البحرية الإسلامية ١/ ١٥ - ٢٨.
(٣) - مؤنس المسلمون في حوض البحر المتوسط ص ١٢٣.
(٤) - العذري، ترصيع الأخبار ص ٩٢، الروض المعطار ص ٧٩.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ححربية لعل من أهمها ما وقع سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) عندما توجه الأسطول البحري الأموي المكون من ثلاثمائة سفينة لتأديب أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة وفي ذلك يقول ابن حيان عند حديثه عن أحداث هذه السنة "وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولًا من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقه لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين ففتح الله للمسلمين عليهم وأظفرهم بهم فأصابوا سباياهم وفتحوا أكبر جزائرهم (^١) ".
وعندما تولى الإمارة الأمير محمد بن عبد الرحمن سار على نهج والده في ضرورة الاستعداد البحري الدائم فأخذ يقوي أساطيله حتى أنه أنشأ سبعمائة غراب (^٢) فأصبحت القطع البحرية تقوم بما يمكن تسميته بوحدات دورية تقوم بمهام خفر السواحل إذ أنها تمسح السواحل المطلة على البحر المتوسط والمحيط إلى سواحل جليقية جيئة وذهابًا ترقبًا لوصول أي غزاة.
ولذا عندما قام النورمانديون بهجومهم الثاني على السواحل الأندلسية سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) وجدوا البحر محروسًا ومراكب الأمير محمد فيه جارية مابين حائط أفرنجية في الشرق إلى أقصى حائط غليسية في الغرب (^٣) وجرت صدامات عسكرية حاول فيها الغزاة تكرار فعلتهم
_________________
(١) - المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٢ - ٣.
(٢) - ابن الكردبوس ص ٥٧. المؤنس ص ٩٩.
(٣) - المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٨.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الأولى، لكنهم لم ينجحوا رغم استشهاد بعض المسلمين بسببهم (^١)، فعاد الغزاة أدراجهم من حيث قدموا بعد أن خسروا بعض مراكبهم وعدد من مقاتليهم (^٢).
وقد ورد لدى ابن حيان (^٣) والعذري (^٤) أن مراكب النورمانديين ظهرت في سنة (٢٤٧) هـ (٨٦١ م) قبالة الساحل الأندلسي وبالتحديد بالقرب من الجزيرة الخضراء لكنهم وجدوا السواحل تخضع لحراسة مشددة كما أن أمواج البحر حطمت لهم أربعة عشر مركبًا، فآيسوا من غزوتهم هذه ولذا سارعوا بالعودة من حيث أتوا.
وبصفة عامة، فقد اشتدت الرقابة على السواحل الأندلسية بحيث يتم رقع كل خبر عنها صغير أو كبير إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل لقد بلغ الأمر بعامل بجانه عمر بن أسود الغساني أن رجاله وجدوا بالقرب من الساحل خشبة فأخذوها، فكتب العامل كتابًا بخبرها وطولها وعرضها ورفعه للأمير محمد، الذي شكر لعامله مدى استقصائه في ضبط ثغره
_________________
(١) - انظر نصوص عن الأندلس ص ١١٩ ابن القوطية ص ٦٨. المقتبس تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٨ - ٣٠٩. الروض المعطار، ص ٢٢٣، تاريخ البحرية الإسلامية ٢/ ١٧٠.
(٢) - انظر التفاصيل في المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص ٣٠٩، دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ١ ص ٢٩٧. غارات النورمانديين على الأندلس ص ٧٢.
(٣) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١١.
(٤) - نصوص عن الأندلس ص ١١٩.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
والاهتمام بما يوكل إليه (^١)، وأورد الحميري في روضه (^٢) تفصيلات مهمة في هذا المجال فقد ذكر أن حكومة بني أمية بقرطبة ماكانت تسمح لأحد بمغادرة الأندلس إلا بسراح أي تصريح رسمي ولا تأذن لأحد بالدخول إلى البلاد إلا بعد أن يعرف من هو ولماذا هو قادم ومن أين أتى وإذا وجد قارب يزيد طوله على اثني عشر ذراعًا ممسوح العجز نقض ورد إلى الطول المسموح به وهو اثني عشر ذراعًا مما يدل على أن هناك شكل مميز للقارب الأندلسي.
هذه الصرامة في ضبط السواحل ضمنت للأندلس الأمان من أي طارق يأتي عن طريق البحر من أي جهة كانت ولم يركن الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي امتاز باليقظة وترك الدعه إلى هذه الإحتياطات فقد أقام دارًا للصناعة في قرطبة وعقد لواءًا لقائده عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن مغيث سنة (٢٦٦) هـ (٨٧٩ م) وذلك لغزو جليقية من ناحية المحيط الأطلسي، ورغم الأموال التي بُذلت على هذه الحملة والبروز الفخم الذي برز فيه القائد ابن مغيث والذي يصفه ابن حيان بأنه أفخم
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ١٣٣ - ١٣٤، حاشية رقم ٤.
(٢) - الروض المعطار ص ٨٠.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
خروج خرج به قائد من قرطبة (^١) إلا أن الحملة فشلت نتيجة لغرق الكثير من المراكب بمن فيها في المحيط ونجا القائد ابن مغيث مع بعض رجاله (^٢).
ومن الدلائل الأكيدة على قوة البحرية الأموية في الأندلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد يقامها بإخضاع جزر البليار لسيطرة حكومة قرطبة، إذ يبدو أن أهل تلك الجزر قد نقضوا عهدًا سبق إبرامه بينهم وبين المسلمين (^٣) ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فتح جزر البليار على عهد الأمير عبد الله جاء نتيجة دراسة دقيقة قام بها عصام الخولاني (^٤) الذي نجح بعد عودته إلى الأندلس في إقناع الأمير عبد الله بضرورة فتحها فاقتنع بكلامه "وبعث معه القطائع في البحر ونفَّر الناس معه إلى الجهاد (^٥) "فاتجه عصام سنة " (٢٩٠) هـ (٩٠٢ م) " على رأس أسطول معظم أفراده من المتطوعين
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٩٨.
(٢) - المصدر السابق ص ٣٩٨ - ٣٩٩، البيان المغرب ٢/ ١٠٣ - ١٠٤ إلا أنه جعل اسم القائد: عبد الحميد الرعيطي.
(٣) - جزر الأندلس المنسية ص ٨٨.
(٤) - يذكر ابن خلدون أن عصام الخولاني خرج في مركب يريد الحج، فعصفت الريح بمركبه، فنزل هو ومن معه في جزيرة ميورقه، فطال مقامهم فيها، واطلعوا خلال هذه المدة على أحوال الجزيرة وخيراتها، مما أطمعهم في فتحها، انظر: تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٦٤.
(٥) - تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٦٤.
[ ٢ / ٥٧١ ]
والمرابطين على السواحل الشرقية للأندلس، فحاصرتها هذه القوات عدة أيام وأتمت فتحها حصنًا حصنًا (^١).
ويجدر بنا قبل أن ننهي الحديث عن البحرية في الأندلس في عهد الإمارة أن نشير بصورة سريعة إلى النشاط البحري في بجانة فقد شهدت المدة الأخيرة من عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن قيام قوة بحرية في بجانة شرقي وادي أرش اليمن (^٢) فخططوا مدينة بجانه على مثال قرطبة وطردوا منها مشاهير العرب (^٣)، بعد أن استمالوا العناصر المحلية مستغلين في ذلك سوء التفاهم الذي جرى بين أولئك العرب والمحليين (^٤) ويذكر الحميري أن هؤلاء البحريين استأذنوا الأمير محمد بن عبد الرحمن في أن يعقد لرجل منهم يتولى رئاسة بجانة وذلك سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) (^٥) فوافق على اقتراحهم والشيء الملاحظ أن التاريخ الذي ورد جاء بعد وفاة الأمير محمد إذ أنه توفي سنة (٢٧٣) هـ لكن لعل الصواب أن الحادثة جرت سنة
_________________
(١) - نفس المصدر والصفحة.
(٢) - عن أصول هؤلاء البحريين وكيف استقروا في بجانة انظر: إحسان عباس اتحاد البحرين في بجانة بالأندلس، (مجلة الأبحاث عدد كانون الأول السنة ٢٣ ج ١ - ٢ بيروت ١٩٧٠ م) ص ٧ - ٨،.
(٣) - الروض المعطار ص ٨٠.
(٤) - اتحاد البحرين في بجانة ص ٨.
(٥) - الروض المعطار ص ٨٠.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
٢٧١ هـ (^١) وأما الموافقة على الاقتراح الذي تقدم به بحريو بجانه والذي يعني تمتعهم بحكم ذاتي يكفل لهم تقدير خضوع اسمي فقط لحكومة قرطبة، فقد جاء نتيجة وقوع حكومة قرطبة تحت ظروف طائلة لا يتيح لها فرصة الاختيار (^٢)، وقد ظلت بجانة متمتعة في ظل رجالها البحريين بحكم ذاتي وتعاقب على رئاستها عدة ولاة لا دور لحكومة قرطبة في تعيينهم سوى العقد لهم (^٣) إلى أن تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاعها لسيطرة قرطبة وإنها الحكم الذاتي وذلك عندما عين محمد بن رماحس واليًا عليها من قبله دونما اقتراح من أهل بجانة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) (^٤).
_________________
(١) - المصدر السابق والصفحة حاشية رقم ١.
(٢) - عن هذه الظروف والأحداث انظر: ابن القوطية، ص ٨٨ - ٩٣، ٩٨ - ١٠٠. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٠٧ - ٣٠٩، ٣١٩ - ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٤ - ٣٢٦، ٣٣٠، ٣٤١ - ٣٤٢، ٣٤٩ - ٣٥٥، ٣٥٨، ٣٩٣ - ٣٩٦. نصوص عن الأندلس، ص ٣٢، ٣٤ - ٣٥، ٣٦، ١١٨ - ١١٩. الكامل: ٦/ ١٩٦، ٢٧٣، ٣٤٣. البيان المغرب ٢/ ٩٩، ١٠٠ - ١٠١، ١٠٣، ١٠٥، ١٠٦. نهاية الأرب ٢٣/ ٣٨٩، ٣٩١.
(٣) - قام بحريو بجانه بدور كبير في صد الهجوم الذي شنه الكونت سنتير Sunier صاحب برشلونة سنة ٢٩٩ هـ عندما قام بمهاجمة السفن الإسلامية الراسية في خليج المرية وأحرق عددًا كبيرًا منها، ثم حاول دخول بجانه بكن تصدي المسلمين له أجبره على الانسحاب بعد أن وقع الصلح مع عبد الرحمن بن مطرف الحاج أحد القادة البحريين في بجانه. انظر المقتبس نسخة انطونيه ص ٨٩.
(٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٤٦٢، اتحاد البحريين في بجانة ص ٩.
[ ٢ / ٥٧٣ ]