خطة الوزارة
إن نظام الوزارة (^١) في دولة بني أمية بالأندلس يدين في وجوده وتنظيمه للأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م)، أما قبل ذلك فلم يكن هناك تنظيم حقيقي لهذا الجهاز، فالأمير عبد الرحمن الداخل أنف من اتخاذ الوزراء (^٢)، ولكنه اتخذ مجموعة من المعاونين والمستشارين الذين توسم فيهم الإخلاص والوفاء والكفاءة، واختصهم بمجالتسه وبذل المشورة له عندما يطلب منهم ذلك (^٣)، واختار أحدهم
_________________
(١) أُختلف كثيرًا في اشتقاق لفظ الوزارة، فقيل أنه مأخوذ من "الوزر" بكسر الواو وسكون الزاي، وهو الثقل، لأن الوزير يحمل عن الملك أثقاله، انظر: الأحكام السلطانية ص ٢٠. فالوزير هو الذي يتولى أعباء إدارة الدولة. وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته، ص ٦٦٣ "إن السلطان نفسه ضعيف يحمل أمرًا ثقيلًا، فلابد له من الاستعانة بأبناء جنسه، وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده" وقيل إنه مأخوز من "الوَزَر" وهو الملجأ والمعتصم. الأحكام السلطانية ص ٢٠. قال تعالى: ﴿كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ سورة القيامة الآيتان رقم ١١ - ١٢. وقيل أنه مأخوذ من "الأَزْر" وهو الظهر لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر. الأحكام السلطانية ص ٢٠. قال تعالى على لسان نبيه موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ سورة طه الآيات من ٢٩ - ٣٢. ولعل الرأي الثالث هو أقرب الآراء لمفهوم الوزارة في الأندلس، فهي المؤازرة والمعاونة.
(٢) مقدمة ابن خلدون. ص ٦٧٠. ربما لأنه كان متأثرًا بأسلافه بالمشرق.
(٣) نفح الطيب، ٣/ ٤٥.
[ ٤٥٥ ]
وجعله رئيسًا عليهم، ويتردد بينه وبينهم وقد عُرف متولي هذا المنصب ب "الحاجب" (^١).
ورغم أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يسم أولئك المعاونين والمستشارين بالوزراء، إلا أن معنى الوزارة كان واضحًا في ذهنه، يدل على ذلك مقولته لعبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، بعد إحدى المعارك التي حسم أمرها شجاعة عبد الملك وصرامته (^٢)، فقد قال له: "يا ابن عم، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشامًا ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، ولأولادك كذا، أقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة" (^٣).
وذكر ابن الأبار أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام (^٤)، بالإضافة إلى كل من عبد الله وإبراهيم وحكم أبناء
_________________
(١) المصدر السابق، ١/ ٢١٦.
(٢) هذه المعركة جرت سنة ١٥٦ هـ عندما ثار أهل الأندلس بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي وعبد الغفار اليحصبي بن طالوت. انظر: اخبار مجموعة، ص ١٠٧. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٢٣. نفح الطيب، ٣/ ٤٨، ٥٩.
(٣) نفح الطيب، ٣/ ٥٩.
(٤) الحلة السيراء، ١/ ٤٢.
[ ٤٥٦ ]
عبد الملك بن عمر بن مروان (^١)، كما أن بعض المؤرخين قد أطلق على معاوني الأمير الداخل ومستشاريه لقب "وزراء" (^٢).
ومن كل ما مضى نستطيع القول بأن الأمير عبد الرحمن الداخل كان متأثرًا بشدة بنظام الحكم الذي كان قائمًا في دولة أسلافه الأمويين بالشام، إذ أن الخلفاء الأمويين اتخذوا كتَّابًا أسندوا إليهم بعض المهام، فقربوهم واتخذوهم مستشارين خاصين يساعدونهم في إدارة دولتهم الشاسعة، وعلى ذلك فقد كانوا يقومون بعمل الوزراء دون أن يتلقبوا بهذا اللقب (^٣).
وذكر ابن عذاري أن عدد وزراء الأمير هشام الرضا كانوا ثمانية (^٤)، بينما كان عددهم لدى ابنه الحكم خمسة وزراء (^٥).
وقد تولى إدارة دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط عدد من الشخصيات القوية أمثال: عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث، وعيسى بن شُهيد وغيرهما، وفيهم قال ابن حيان نقلًا عن ابن مفرج: -
_________________
(١) المصدر السابق، ١/ ٥٦.
(٢) أخبار مجموعة، ص ١٠٦. البيان المغرب، ٢/ ٤٨.
(٣) أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، كتاب الوزراء والكتّاب، (تحقيق: مصطفى السقا وغيره، القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، ١٤٠١ هـ /١٩٨٠ م) ص ٢٤، ٢٧.
(٤) البيان المغرب، ٢/ ٦١.
(٥) المصدر السابق، ٢/ ٦٨.
[ ٤٥٧ ]
"وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولي الحلوم والنهى والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم (^١) " فوجود مثل هؤلاء في وقت واحد جعل من الضروري اختصاص كل واحد منهم بأعمال محددة وألقاب معينة. وبذلك برزت المناصب بقوة منذ ذلك الوقت، وبالتالي أصبح التنظيم الإداري لأجهزة الدولة أمرًا ضروريًا.
وبعد أن تمت عملية التنظيم برزت الوزارة، فوزعت الاختصاصات، وأصبح لكل وزير عملًا معينًا يقوم به وفي ذلك يقول ابن خلدون: -
"وأما دولة بني أمية بالأندلس، فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافًا، وأفردوا لكل صنف وزيرًا، فجعلوا لحسبان المال وزيرًا، وللترسيل وزيرًا، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرًا، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرًا" (^٢).
ولم يكن لأولئك الوزراء في البداية مجلس خاص بهم يجتمعون فيه فقد كان الأمير يستدعيهم متى شاء، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط نظم تواجدهم، وأصبح تنظيمه هذا معمولًا به إلى نهاية الدولة، فقد "ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي،
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩.
(٢) مقدمة ابن خلدون، ص ٦٧٠. والوزارة بهذا التصنيف تكون شديدة الشبه بالتقسيمات الوزارية الحاصلة في الوقت الراهن.
[ ٤٥٨ ]
والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم، يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك، قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتًا، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه، وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه، فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه، جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم" (^١).
وعلى هذا، فالوزراء أصبح لديهم عمل رسمي يزاولونه بشكل يومي، ومجلس خاص بهم، يمارسون فيه أعمالهم كل حسب اختصاصه، وفي بيت الوزارة يجلسون بشكل دائري على فرش الكتان (^٢) والحاجب في صدر المجلس على فراش الديباج أرفع من فرشهم، وحسب التوجيهات العامة التي تصدر إليهم من الأمير تدور المناقشات بينهم في أمور الدولة،
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩. وأما النص الذي ورد لدى ابن القوطية في "افتتاح الأندلس" ص ٦١ فقد جاء فيه: "وعبد الرحمن أول من رتب اختلاف الوزراء إلى القصر والتكلم في الرأي على ما هو جار إلى اليوم".
(٢) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٩. الوزراء كانوا يجلسون على فرش لم تكن ترتفع عن الأرض كثيرًا، يدل على ذلك ما ورد لدى الخشني عند ذكره لاجتماع عمرو بن عبد الله وسليمان بن أسود عند الوزراء في بيتهم، وبعد أن انتهت المناقشة وأراد عمرو بن عبد الله أن ينهض وضع يديه جميعًا في الأرض ليقوم. [انظر: قضاة قرطبة ص ٨٦] ولا يمكن أن يضع يديه جميعًا في الأرض إلا إذا كان الفراش المعد للجلوس لا يرتفع عن الأرض إلا يسيرًا.
[ ٤٥٩ ]
وما يصدر عنهم من قرارات يتولى الحاجب حملها إلى الأمير فيعرضها عليه، فالذي يوافق عليه الأمير يحول إلى ديوانه الخاص، لكي يصاغ صياغة ديوانية ملائمة، ثم يتولى الوزير صاحب العرض حملها إلى الأمير ليختمها بالختم الرسمي للدولة، ومن ثم يصدر المرسوم.
وقد شهدت الوزارة في الأندلس تقسيمات متعددة، فقد كانت تضم عدة خطط تعتبر من أخطر مناصب الدولة على الإطلاق (^١).
وهناك خطط يتقلدها أكثر من واحد في نفس الوقت، من ذلك أن خزانة بيت المال في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تحت إشراف أربعة يعرفون بالخزَّان (^٢)، كما أن خطة العرض كان يتولاها أربعة من كبار رجالات الدولة،
وذلك في بداية عهد عبد الرحمن الناصر (^٣). ومن الملاحظ هنا أنه عندما تسند عملية الإشراف على خطة من الخطط لأكثر من شخص واحد، فإن اختصاص كل منهم لابد أن يكون واضحًا لديه لكي لا تكون هناك ازدواجية في الأداء.
وكما يتم اشتراك أكثر من واحد في خطة واحدة، فمن الممكن أن يتولى رجل واحد، ممن لا يحملون لقب وزير، مسئولية عدة خطط، فمثلًا
_________________
(١) دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٦٨٥.
(٢) هم: ابن بسيل الملقب بالغماز، وطاهر بن هارون، وسفيان بن عبد ربه، وشيخهم موسى بن حدير. انظر: ابن القوطية، ص ٦٢.
(٣) المقتبس، تحقيق: شالميتا ص ٩٧.
[ ٤٦٠ ]
محمد بن أبي عامر "المنصور" كان في عهد الحكم المستنصر يتولى خطة المواريث وقضاء إشبيلية ولبله (^١) وأعمالها وكذا الأمانات بالعدوة وخطة الشرطة الوسطى بالإضافة إلى وكالة هشام بن الحكم المستنصر (^٢).
وفي الوقت نفسه، من الممكن أن يتولى من يحمل لقب "وزير" الإشراف -بالإضافة إلى وزارته -على عدة خطط، فهذا: الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد كان يتولى بالإضافة إلى الوزارة خطتي الشرطة العليا والمظالم والإشراف على دار السكة (^٣).
وعلى هذا يمكن القول بأن من يترقى أو يُنقل من خطة إلى أخرى ليس بالضرورة أن يتخلى عن خطته أو خططه السابقة، بل بإمكانه الجمع بين أكثر من خطة، لكن إذا رقي إلى رتبة وزير فلا شك أنه سيتخلى عن خططه السابقة، ويقتصر على حمل لقب وزير مضافًا إليه ذكر الخطة الجديدة التي أسندت إليه، فعبد الحميد بن بسيل كان على خزانة المال، ثم
_________________
(١) لبلة " Niebla" كورة في غربي الأندلس، سهلية جبلية برية بحرية، تكثر بها المزارع والمياه، وهذا الإقليم معد لتربية الحيوانات، وأحواز لبلة مختلطة بأحواز كورة أكشونبة على نهر آنة وبأحواز كورة باجه، ومدينة لبله هي المعروفة بالحمراء من أعمال ولبه، وهي تقع على الطريق بين اشبيلية وولبه. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٢. جغرافية الأندلس وأوروبا، ص ٦٤، ١٢٧. ابن الشباط، صلة السمط وسمة المرط، (تحقيق: د. أحمد العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ١٩٧١ م) ص ١٤٥.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٢.
(٣) المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٦.
[ ٤٦١ ]
استوزره عبد الرحمن الناصر وجعله مع منصب الوزارة قائدًا للجيش، فأصبح يعرف ب"الوزير القائد" (^١).