رغم الرسوم الدقيقة التي كان الأمير أو الخليفة الأموي يحرص على السير وفقها أثناء المناسبات، ليبرز للناس وهو بكامل هيبته ووقاره، إلا أن المجالس الخاصة، كانت تظهره بمظهر البساطة والتواضع، إذ أنه من خلالها يتخلى عن كافة الضوابط الرسمية، التي لا تمكنه من العيش على سجيته.
وفي بداية الحديث عن المجالس الخاصة، لابد من القول بأن أمراء وخلفاء بني أمية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله كانوا لا يشربون الخمر ويتحامونها، ولا يشربون في تلك المجالس إلا شراب العسل، الذي يعد على نار الزرجون (^٣)، باستثناء عبد الرحمن الناصر، الذي كان يشرب في المنادمة، لكنه في النهاية ترك ذلك كله، وقطع المنادمة وتزهد (^٤).
وهذه المجالس لا يحضرها إلا الخواص فقط، من الوزراء ورجال القصر، والندماء والمغنين.
_________________
(١) - جذوة المقتبس، ترجمة: رقم ١٨٦، ٥٣٩، ٦١٣.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٩.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧٧. والزرجون هو حطب شجرة الكرم.
(٤) - المغرب في حُلى المغرب، ص ١/ ١٨٤.
[ ٢٨٨ ]
وهناك آداب لتلك المجالس، يجب على من حضرها الالتزام بها، فلا يغتاب أحدًا في المجلس (^١)، ولا ينظر إلى غلام أو وجارية (^٢)، ولا يطلب من القينة التي تغني في المجلس إعادة القصيدة التي غنتها (^٣)، إذ أن ذلك مدعاة للشك في أن الهيبة لم تملأ قلبه، وهذا ما وقع به الشاعر الطبني، فقد ذكر ابن حيان أن أبا مضر محمد بن الحسين التميمي الطبني (^٤)، كان في مجلس خاص مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فشرب معه، وغنت القينة بيتين من شعر أبي مضر الطبني، "فاستعادها أبو مضر، فأنكر ذلك المنصور، وعلم أن هيبته لم تملأ قلبه، فأومأ إلى بعض خصيانه، فأخرج رأس الجارية
_________________
(١) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم: ٣٩.
(٢) - الجاحظ، التاج في أخلاق الملوك، (تحقيق: أحمد زكي باشا، القاهرة، المطبعة الأميرية، ١٣٣٢ هـ /١٩١٤ م) ص ٦٦ - ٦٧.
(٣) - عن اهتمام الأمويين في الأندلس بصنعة الغناء. انظر: سالم الخلف، المرجع السابق، ص ٤٩٠ - ٥٠٣ والمصادر والمراجع الواردة.
(٤) - أبو مضر محمد بن الحسين التميمي الحماني الطبني الزابي، شاعر مكثر وأديب مفتن من بيت أدب وشعر وجلالة ورياسة، وأبو مضر هو أصل بني الطبني، أهل البيت الشهير بقرطبة، وقد ترك أولادًا بخباء مشهورون في الأدب والفضل. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٠. المغرب في حُلى المغرب ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
[ ٢٨٩ ]
في طست، ووضعه بين يدي الطبني، وقال له المنصور: مرها فلتعد، فسُقط في يده" (^١).
ورغم ما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر من شدة وتأكيد دائم على إظهار الهيبة والتمسك بمراسم الدولة، إلا أنه كان في مجالسه الخاص متساهلًا متواضعًا مع جلسائه.
فقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر، كان في مجلس خاص مع وزرائه، وكان من بين الحضور الوزير محمد بن سعيد المعروف بابن السليم، وفي هذه الجلسة أخذ الخليفة يعرّض بالوزير ابن السليم، مما أدخل الرعب في قلبه، خشية أن يبطش به الخليفة، ولذا فقد أفرط الوزير في الشراب من شدة الذعر، حتى اضطر إلى إفراغ ما في جوفه، فابتدره الوصفاء بالطست والمناديل، ولم يشعر الوزير إلا بالذي أمسك رأسه وهو يقول له: "استفرغ ما في معدتك، وتأن بنفسك" فأنكر الوزير كلامه من بين الخدم، فصرف رأسه إليه، وإذا به الخليفة، فما تمالك أن خر على قدميه يقبلهما، ويقول "يا ابن الخلائف، إلى هنا انتهيت من بري" وجعل يدعو له ويعظم شكره (^٢).
_________________
(١) - المغرب في حلى المغرب ١/ ٢٠٧، هذه هي شخصية المنصور، طغيان وتجبر، تهون عليها الدماء المحرمة في سبيل أطماعه، فهو لا يرى على وجه الأرض سواه، ثم إن مجلسًا لا يحوي إلا قينة وشرابًا، إذًا لا تستغرب النتيجة.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ٢٩٠ ]
كذلك كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كثيرًا ما يمازح وزرائه، ففي أحد مجالسه الخاصة طلب من أبي القاسم لب، أن يهجو الوزير عبد الملك بن جهور، فقال: أخافه، فقال لابن جهور أهجه: فقال أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم قال:
لبٌّ أبو القاسم ذو لحية … طويلة في طولها ميل
فقال ابن جهور:
وعرضها ميلان إن كُسِّرت … والعقلُ مأفون ومدخولُ (^١)
لو أنه احتاج إلى غسلها … لم يكفه في غسلها النيلُ (^٢)
فقال الناصر للبِّ: اهجه فقد هجاك، فقال بديهًا:
قال أمين الله في عصرنا … لي لحية أزرى بها الطول
وابن جهيرٍ قال قول الذي … مأكوله القرضيل والفولُ
لولا حيائي من إمام الهدى … نخست بالمنخس شو …
ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له: "قولو" يعني تمام البيت، فقال لب يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة (^٣). وأما الخليفة المستنصر بالله، فقد كان بعيدًا كل البعد عن عقد المجالس التي يتم فيها الاستماع للقيان،
_________________
(١) - ورد "مخبول" لدى الأزدي، بدائع البدائه، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٧٠ م) ص ١٩٥.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٧.
(٣) - انظر هذا الأبيات وشرحها في: بدائع البدائه، ص ١٩٥ - ١٩٦.
[ ٢٩١ ]
لما عُرف عنه من شدة التديّن، والاهتمام بمطالعة كتب العلم ومجالسة العلماء، لأنه فضل كل ذلك على كل لذة، ولكنه في مقابل ذلك كان يمازح رجال دولته في جلسات خاصة بهم (^١).
ومازال خلفاء بني أمية يعقدون مثل هذه المجالس إلى أن زالت دولتهم (^٢) والملاحظ أن تلك المجالس قد تكون فرصة للتخلص من بعض المناوئين، أو ممن يخشى جانبهم من رجال الدولة.
فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما عزم على الفتك بجعفر بن علي بن حمدون أقام جلسة خاصة، أعلن أنها تكريمًا لجعفر، وذلك ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة (٣٧٣) هـ (يناير ٩٨٤) وفي تلك الجلسة أمر المنصور الوصفاء والخدم أن يكثروا لجعفر من الشراب، فما زالوا به حتى ثقل من شدة السكر، فانصرف مع غلمانه، فخرج إليه معن وأصحابه، فلم يكن به امتناع فقتلوه (^٣).
وعندما أراد الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور الفتك بوزيره عيسى بن سعيد عقد مجلسًا للشراب ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (^٤) (٤ ديسمبر ١٠٠٦) واستدعى وزيره عيسى للمجلس وأمر
_________________
(١) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥ - ٢٥٧.
(٢) - الذخيرة، ق ٣ م ١ ص ٥٢٤ - ٥٢٥ البيان المغرب، ٣/ ٨٠، ٩٩، ١٤١، ١٤٩.
(٣) - المصدر السابق، ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٤) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢٥.
[ ٢٩٢ ]
السقاة أن يكثروا عليه، وبعدها عاتبه عبد الملك وسبه وأفحش عليه ثم ضربه بسيفه وأجهز عليه من حوله من رجاله (^١).
ومن آداب المجالس الخاصة لأمراء وخلفاء بني أمية أن لا أحد ينصرف من المجلس إلا عندما تظهر علامة تدل على رغبة الأمير أو الخليفة بانصراف جلسائه. فمن ذلك مثلًا أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كانت علامة رغبته في انصراف ندمائه أن يميل برأسه إلى حجره، أو ينشد: -
مازلت أشربها والليل معتكر حتى أكب الكرى رأسي على قدحي (^٢)
ورغم كل ما عُرف عن الأمويين من تباسط مع الناس وحسن معاملة، والتقاء بالندماء وجهًا لوجهٍ، إلا أن الحموديين الذي استولوا على الخلافة الأموية بقرطبة، منذ سنة ٤٠٧ - (٤١٤) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٣) م) كانوا يتعاظمون، ويقلدون بني العباس، فإذا حضرهم من يحتاج إلى كلام سواء كان شاعرًا أو غيره، خاطب الخليفة الحمودي من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب ما يقول له الخليفة (^٣).
وعلاقة الأمير أو الخليفة الأموي برجال دولته، علاقة متميزة، فالوزراء وأهل الخدمة ملزمون بالاختلاف إلى القصر كل يوم ليطالعوه بما
_________________
(١) - المصدر السابق، ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧.
(٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٨٤.
(٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٤.
[ ٢٩٣ ]
استجد من الأمور، ويستمعوا لتوجيهاته، كما أنه إذا شفي من علة ألمت به، كان أول شيء يقوم به هو الجلوس لاستقبالهم (^١).
وإذا أجرى الأمير أو الخليفة عملية فصد، تسابق الشعراء إلى إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، بين يديه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أجرى أول فصاد له في الزهراء أنشد أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس (^٢) قصيدته التي مطلعها:
اليوم تعترف القصور بأسرها … لهلالها ولشمسها ولبدرها
إلى أن قال:
فكأنما انفجر العبير بفصده … فجرى على وجه البلاد بعطرها (^٣)
كما أن زوجاته يحاولن أن يقدمن له كل طريف بهذه المناسبة، ومن أطرف ما ورد في هذا، ما ذكره المقري من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما جلس للفصد، وأخذ الطبيب يجس يده، أقبل طائر زرزور فأخذ يردد بعض الكلمات التي تم تدريبه عليها، فسر الخليفة بذلك، وعندما
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧. المصدر نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) - أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس قرطبي، كان متفننا في ضروب العلم، ثقة، شاعرًا، جامعًا للسنن، حافظًا للغريب، متواضعًا شريفًا بنفسه وسلفه، تولى أحكام الشرطة ثم الوزارة، ورغم ذلك فقد كان يؤذن في مسجده وهو وزير توفي ﵀ في انسلاخ ذي القعدة سنة ٣٥٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٧.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤ - ٤٥.
[ ٢٩٤ ]
سأل عمن أرسل إليه هذا الزرزور علم أن زوجته مرجانة أم ولده الحكم هي التي صنعت هذا، فكافأها على هذا الصنع مكافأة سنية (^١).
وهناك مناسبات خاصة يجلس فيها الأمير أو الخليفة الأموي لاستقبال كبار رجال دولته وحاشيته الخاصة، فمن أهم تلك المناسبات:
جلوسه في العيد لتلقي التهاني، ولهذا الجلوس ترتيب خاص، فقد ذكر ابن حيان أنه في عيد الفطر من سنة (٣٦٠) هـ (٢٨ يوليو (٩٧١) م) "قعد الخليفة المستنصر بالله بعد انقضاء صلاة العيد، لتسليم الجند عليه، في محراب المجلس الشرقي من قصر الزهراء، المنيف على السطح العلي، والموفي على الروض البهي، قعودًا فخمًا .. شهده طبقات الناس، فكان صدره الأخوة، وجنباته الوزراء وموسطته أهل المراتب من طبقات أهل الخدمة، وسائره لوجوه الموالي وبياض رجال قرطبة" (^٢).
وبمناسبة الحديث عن الأعياد فقد عرف الأندلسيون بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، عدة أيام اعتبروها أعيادا، وكانوا
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٢٨ - ٢٩.
[ ٢٩٥ ]
يقيمون الاحتفالات بها، كاحتفالهم برأس السنة الميلادية الذي كن يقام في ليلة يناير (^١)، ويوم العنصرة (^٢)،
_________________
(١) - ليلة يناير هي رأس السنة الميلادية، وقد اعتاد الأندلسيون الاستعداد لتلك الليلة كل على قدره، يتهادون فيها بينهم صنوف الأطعمة وأنواع التحف والطرف، وفي صبيحتها يترك الرجال والنساء أعمالهم، تعظيمًا لذلك اليوم. ورأس السنة الميلادية يوافق اليوم= =السابع من ولادة عيسى بن مريم ﵊، انظر: الونشريسي، المعيار المعرب، (بعناية: د. محمد حجي، بيروت دار الغرب الإسلامي، ١٤٠١ هـ / ١٩٨١ م) ١١/ ١٥٠. Fernado Dela Granja، Del "Kitab Al-durr Al-Munazzam Flmawlid Al-Nabi Al-muazzam" De Al- azafi، AL- Andalus، Madrid- Granda، ١٩٦٩، Vol، XXXIV، p. ١٩ - ٢٠. ومن عادتهم في هذا العيد شراء أنواع معينة من الفواكه كالأترج والجلوز وصنع تماثيل مختلفة من الحلوى، وإلى هذا تشير أمثالهم: "من ماع ترنخ، لينيرِّ يرفعها". انظر: - الزجالي، أمثال العوام في الأندلس ٢/ ٣٢٧، مثال رقم ١٤١٢. والاحتفال برأس السنة الميلادية هو المعروف بالمشرق باسم "النيروز" انظر: التاج في أخلاق الملوك، ص ١٤٦.
(٢) - هذا العيد هو مايعرف بالمشرق باسم "المهرجان" وهو بداية دخول فصل الشتاء، انظر المصدر السابق، ص ١٤٦. وعيد العنصره " ANSARA" هو عيد سان أخوان " SANJUAN" الذي تحتفل به اسبانيا يوم ٢٤ يونيو من كل عام. انظر د. أحمد مختار العبادي، الإسلام في أرض الأندلس، (المختار من عالم الفكر، العدد الأول، وزارة الأعلام، الكويت ١٩٨٤ م)، ص ١٤١. وفي هذا اليوم يقوم المحتفلون فيه بالسباق على الخيل، وأما النساء فيقمن بإخراج ثيابهن للندا بالليل، كما يقمن برش بيوتهن في ذلك اليوم، ويتركن العمل، ويغتسلن بالماء، وهذا اليوم يوافق ميلاد النبي يحيى بن زكريا على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. انظر: المعيار المعرب، ١١/ ١٥١ - ١٥٢ Fernado Dela Granja، Op Cit.p، ١٩ - ٢٠. وقد اشتهر عيد المهرجان بالنار التي يتم إشعالها في الأحياء بحيث يجتمع صبيان كل حي حول نارهم ويتبارون في القفز فوقها، وقد جاء في أمثالهم: "الكبش المصوَّف مايكفز العنصره" و"كفزها بحل عنصَرَ". انظر: الزجالي، أمثال العوام في الأندلس، ٢/ ٨٥، ٢٦٧. المثالان رقم ٣٧٣، ١١٤٨. وفي عيد المهرجان يقول الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة: أرى المهرجان قد استبشرا … غداة بكى المزن واستعبرا إلى أن قال: تهادى به الناس ألطافه … وسام المقل به المكثرا انظر: مطمح الأنفس، ص ٢١٤.
[ ٢٩٦ ]
وليلة العجوز (^١)، وخميس العهد (^٢).
_________________
(١) - ليلة العجوز، هي احدى المناسبات الاجتماعية التي اعتاد بعض مسلمي الأندلس مشاركة النصارى الاحتفال بها. انظر Fernando De ALGranja، Op، Cit، P: ٢٥:
(٢) - خميس العهد هو الخميس الذي يسبق عيد الفصح لدى النصارى بثلاثة أيام. انظر: العبادي، المرجع السابق، ص ١٤١، وقد كان لفقهاء الأندلس موقف جاد من احتفال بعض مسلمي الأندلس بتلك الأيام. انظر: المعيار المغرب، ١١/ ١٥٠ - ١٥٢. وعن تلك الأيام واحتفال الأندلسيين بها، انظر: الطرطوشي، كتاب الحوادث والبدع (تحقيق: د. محمد الطالبي، تونس، المطبعة الرسمية، ١٩٥٩) ص ١٤٠ - ١٤١، قارن نفس المصدر، (تحقيق: عبد المجيد تركي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م) ص ٣٠٠ حاشية رقم ٦. ولقد كان المحقق الأخير على صواب فيما ذهب إليه، من أن الحديث عن تلك الأيام قد أقحم في النسخة التي اعتمد عليها الطالبي، ومما يؤيد ذلك أن نص الحديث عنها في نسخة الطالبي قد وقع بين قولين للإمام مالك رحمه الله تعالى، لا علاقة لهما البتة فيما أثبته المحقق. وعلى العموم فإن احتفال المسلمين بتلك الأيام المذكورة أمر مخالف للشرع، وهو من قبيل التقليد الأعمى للأخرين، ولاشك أن تمادي المسلم في هذا الأمر يذيب شخصيته التي ميزه الله تعالى بها، وهو على خطر من موالاة من حاد الله ورسوله، والتشبه بأعداء الدين.
[ ٢٩٧ ]
وهناك أعمال خيرية يعقد الخليفة المجلس لأجلها، فالخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما أراد إعتاق بعض مماليكه وإمائه، عقد عقب شهر ربيع الآخر سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) مجلسًا لهذا الشأن، أنفذ فيه "إعتاق جمع كثير من عبيد له وإماء تنيف عدتهم على مائة رقبة، انعقد لكثير منهم عتق بتل، وبعضهم عتق مؤجل، ولبعضهم تدبير (^١)، خلص به جميعهم من الرق، عقدت الوثائق المحكمة العقد لجمعهم، فكان أول من أوقع شهادته فيها الأمير أبو الوليد هشام المرشح لولاية العهد، بخط يده، وتلاه أعمامه الأخوة، ثم الوزراء على مراتبهم، ثم قاضي الجماعة محمد ابن إسحاق (^٢)، ووليه الحكام والفقهاء وأهل الشورى ثم العدول" (^٣).
_________________
(١) - عن العتق المؤجل وعتق التدبير، انظر: إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع، معين الحكام على القضايا والأحكام، تحقيق: د. محمد قاسم بن عياد، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط ١٩٨٩ م) ج ٢ ص ٨٤٠ - ٨٤١، ٨٤٤ - ٨٤٧.
(٢) - أبو بكر محمد بن إسحاق بن منذر بن السليم، قرطبي، فقيه، عالم بالحديث، كان فصيحًا بليغًا، متواضعًا، ولي أحكام المظالم بقرطبة، وعندما توفي منذر بن سعيد البلوطي في شهر المحرم سنة ٣٥٦ هـ ولي ابن السليم قضاء الجماعة، وظل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لسبع بقين من شهر جمادى الأولى سنة ٣٦٧ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣١٩. النباهي ص ٧٥ - ٧٧.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ٢٠٦.
[ ٢٩٨ ]
وعندما أراد الخليفة تحبيس بعض الحوانيت من أجل تعليم أولاد الضعفاء، تم عقد المجلس، فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر جمادى الأولى من سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) أنفذ الخليفة الحكم المستنصر بالله "تحبيس حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين كان قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة، وأشهد القاضي محمد بن إسحاق في هذا التحبيس يوم الجمعة لسبع خلون منه، وجلت المنقبة، وورث الله به القرآن أمة لم يكن أباؤهم يعرضونهم لوراثته" (^١).
واحتفل الخليفة المستنصر بالله بإسماع ولده هشام من الفقيه يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (^٢)، فقد جرى ترتيب في هذا الشأن قال عنه ابن حيان: -
"فلما تم مجلس السماع، وحان انقلاب الشيخ يحيى بن عبد الله نفذ عهد الخليفة بأن يكون ركوبه ونزوله في الفصيل المعروف بفصيل المسجد، تشريفًا وترفيهًا عنه، فجرى أمره على ذلك مدة احتفاله، وعاود
_________________
(١) - المصدر السابق ص ٢٠٧.
(٢) - أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي، فقيه قرطبي، كان قاضيًا ببجانة وإلبيرة كما تولى أحكام الرد بقرطبة، سمع منه الكثير من طلاب العلم في الأندلس، توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر، لثمان خلت من رجب سنة ٣٦٧ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٩٧.
[ ٢٩٩ ]
الحضور يوم الأربعاء لأربع خلون من شعبان، فأسمع الأمير على رسومه بمشاهدة الوزير الكاتب جعفر بن عثمان، أثير الخليفة والده" (^١).
وكان الخليفة الأموي لا يأنف من قبول هدايا رجال دولته، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قبل هدية سنية من الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وذلك لثمان خلون من شهر جمادى الأولى سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م (^٢».
كما تلقى الخليفة الحكم المستنصر بالله هدايا كبار رجال دولته، ومن أعظم تلك الهدايا هدية الفتى الكبير دري الأصغر الخازن الصقلبي، فقد أهداه منيته الغراء بوادي الرمان المنسوبة إليه، بجميع ماكان له فيها داخلها وخارجها من البساتين المسقية والأراضين المزروعة، وما كان له فيها من عبد وأمة وثور ودابة، وذلك في النصف من شهر شهبان سنة (٣٦٢) هـ (مايو (٩٧٣) م) (^٣).
والملاحظ أن الهدايا المقدمة من رجال الدولة لولاة الأمر، لا تعود بالمنفعة إلا على صاحب الهدية وحده، إذ أن ولي الأمر ينعم عليه بمناصب جديدة في الدولة فكأن القضية هي شراء مناصب لا أكثر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر مثلًا بعد أن قدم له ابن شهيد هديته الشهيرة، أنعم عليه الخليفة بأن زاد من تقريبه واختصاصه، "وأسمى منزلته على سائر الوزراء
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١٧.
(٢) - عن تفاصيل الهدية انظر: نفح الطيب، ١/ ٣٥٦ - ٣٥٩.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٣٠٠ ]
جميعًا، وأضعف له رزق الوزارة، وبلغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه "ذو الوزارتين" لذلك أمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق لأول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جدًا" (^١).
ومن هنا نرى أن المنفعة نالها الوزير فقط، فرزقه من الدولة تضاعف وأصبحت مرتبته مقدمة على الجميع، لأجل هذا، فقبول ولي الأمر لهدية أحد رجال دولته أمر فيه نظر.