إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: الآيتان ٧٠، ٧١).
أما بعد …
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد رسول الله ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
[ ٧ ]
والنظم جمع نظام، والنظام يطلق عادة على ما يدل على الترتيب والانسجام والارتباط، وأما الرسوم فهو جمع رسم، والرسوم في هذه الرسالة تعني احتفاء الناس بأمور السياسة والقيام بها، وفي مقابلة الملوك ورجالات الدول.
ولهذا فقد جاء البحث مقسمًا إلى تمهيد وخمسة فصول وخاتمة. فالتمهيد تعرض للتأريخ السياسي للدولة الأموية منذ نشأتها سنة ١٣٨ هـ (٧٥٦ م) وحتى سقوطها سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣١ م) وقد جاء العرض سريعًا تناولت فيه ذكر كل أمير أو خليفة مع ذكر أبرز حوادث عصره سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وقد تعمدت أن يكون التمهيد خاصًا بالحديث عن الحالة السياسية ليكون أرضية تسير عليها جميع فصول الدراسة، ومكملًا للجوانب الحضارية الخاصة بنظام الحكم ورسومه موضوع البحث، ولنقف كذلك على مدى تأثرها بالوضع السياسي العام للدولة.
ثم أتى الفصل الأول بعنوان "النظام السياسي ورسومه" وهو مقسم إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول "رئاسة الدولة" تناولت فيه بيان كيفية "اختيار الأمير أو الخليفة"، "تسلمه للمنصب"، "ممارسته للسلطان"، "رسوم الخلع من الخلافة"، اتخاذ الألقاب"، "الدعاء في الخطبة"، "المقصورة"، "الساباط"، "السرير"، "القضيب"، "المظل"، "حجر الأعزة"، "الطراز".
[ ٨ ]
وأما المبحث الثاني فقد كان خاصًا بـ"ولاية العهد" تحدثت فيه عن "اختيار ولي العهد"، "مراسم تعيينه"، "إعداده وتدريبه على شئون الحكم"، "سلطان ولي العهد وصلاحياته"، "تعريف الأمة بولي العهد"، "الاضطراب الذي تطرق لولاية العهد"، "موافقة الأسرة ومعارضتها".
وجاء المبحث الثالث خاصًا بـ"رسوم الإمارة والخلافة" وقد اشتمل هذا المبحث على عدد من الفقرات التي تظهر وبجلاء مدى ما وصلت إليه الدولة الأموية من عناية فائقة بهذا الجانب، كالحديث عن "استقبال الرسل وعقد المعاهدات"، "موكب الأمير أو الخليفة"، "المجالس الخاصة" وختمت هذا المبحث بالحديث عما يمكن تسميته بـ"رسوم عامة لبني أمية".
وكان الفصل الثاني خاصًا بالحديث عن "النظم الإدارية والمالية" وهو مقسم إلى مبحثين المبحث الأول كان عن النظام الإداري، وفي هذا المبحث بينت أن المسلمين احتفظوا بأصول التقسيم الذي وجدوه قائمًا بالأندلس، ولم يضيفوا إليه إلا بعض التعديلات التي اضطروا إليها، ثم تحدثت عن الكتابة، والبريد.
وأما المبحث الثاني فقد كان عن النظام المالي، وقد وضحت كيف أن الدولة الأموية كان لديها ثلاثة أنواع من الخزائن وبينت موارد ومصارف كل نوع منها، واختتمت هذا المبحث بالحديث عن العملة في الأندلس.
[ ٩ ]
وتحدثت في الفصل الثالث عن "الخطط السياسية" واقتصرت الحديث فيه على خطتي "الحجابة والوزارة" وجعلت كل خطةٍ في مبحث منفصل، ولعل أبرز ما في الحجابة أن متوليها كان معظم عهد الدولة الأموية أشبه بوزير التنفيذ، لكنه منذ أن سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، أصبح منصب الحاجب وزير تفويض بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
وأما خطة الوزارة فهي تدين للأمير عبد الرحمن الأوسط بتنظيمها، وإنشاء مجلس خاص للوزارة بقصر قرطبة، عُرف ببيت الوزراء، وكل من الحجابة والوزارة قد تأثرتا وبشدة في عهد الفتنة التي عم تأثيرها أنشطة الدولة كافة والمجتمع في عهد بني أمية.
وكان الفصل الرابع خاصًا بالحديث عن "النظام الحربي" شمل خطتي الجيش والأسطول، فبينت في الجيش: العناصر المكونة له، ومرتبات أفراده وتعداده، وموارده، والتنظيمات والمناصب العسكرية المتبعة فيه، وأسلحته وكيفية التعبئة وأساليب القتال، وجاءت خاتمته بذكر الصوائف والشواتي.
وأما خطة الأسطول فتعرضت فيها لذكر كيفية نشأته في الأندلس، واهتمام الأمويين به وأنواع السفن والمراكب الحربية المستخدمة وإدارة الأسطول، والأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية، والأربطة وصورها ووسائل الإنذار فيها، وحياة المرابطين داخلها.
في حين أن الفصل الأخير جاء خاصًا بذكر "الخطط الدينية" وهذا الفصل شمل الحديث عن خطط القضاء، والصلاة والرد، والمظالم،
[ ١٠ ]
بعد أن فتح المسلمون بلاد شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي عُرفت بعد ذلك بالأندلس، ضمت بين شواطئها عناصر سكانية مختلفة المشارب، وأجناسًا بشرية متباينة الثقافات، حتى إذا ما اجتمع هؤلاء كلهم تحت راية الإسلام، تكوَّنت على أيديهم حضارة إسلامية مجيدة، فكانت الأندلس بهذا، أحد المعابر التي انتقلت عن طريقها الحضارة الإسلامية إلى أوروبا.
وبالرغم من أن المسلمين قد مكثوا في تلك البلاد زهاء ثمانية قرون، إلا أنهم غادروها مرغمين، عندما لم يستطيعوا المحافظة عليها، مخلفين وراءهم شواهد حضارية ظلت إلى يومنا هذا تحكي حقيقة مجد إسلامي أُبعد عنه أهله، بعد أن تخاذلوا عن تطبيق الإسلام والتمسك به، والله ﷾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية ١١).
وفي السنوات الأخيرة نالت الأندلس اهتمام الدارسين والباحثين العرب، فظهرت في هذا الميدان دراسات وفيرة وأبحاث متنوعة، منها ما انصب اهتمامه على الأحوال السياسية، ومنها ما اختص بالحياة الحضارية، ومنها ما جمع بين النظامين السياسي والحضاري.
وقد شهدت أراضي الأندلس الإسلامية، قيام عدة دول على أراضيها، ولعل الدولة الأموية كانت أهمها على الإطلاق، فهي الدولة التي أرست قواعد الإسلام هناك، كما أنها أطول تلك الدول بقاء وأعظمها
[ ١١ ]
قوة، ولذا فقد جعلت جُل اهتمامي التعمق والتخصص بها، وذلك بدراستها من كافة الجوانب ما أمكنني ذلك.
ومن هنا كانت رسالة الماجستير التي أعددتها لتكون متخصصة في دراسة الجانبين السياسي والثقافي إبان عصر الإمارة، وذلك من خلال النظم السياسية والثقافية الواردة من المشرق إلى الأندلس، ثم واصلت دراستي عن هذه الدولة، فاخترت موضوع (نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس) ليعطي قدرًا كبيرًا من التعريف عن الدولة الأموية في الأندلس منذ قيامها وحتى سقوطها.
ولقد كانت الكتابة في نظم الدولة الأموية ورسومها قليلة حسب علمي، إلا ما كان من المستشرق الفرنسي (ليفي بروفنسال) الذي تطرق لمثل هذا الموضوع في المجلد الثالث من كتابه (تاريخ إسبانيا الإسلامية) وأما من العرب فلعل الدكتور/ هشام سليم أبو رميلة أول من كتب في هذا الموضوع، وذلك في الرسالة التي أعدها لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة (١٩٧٥ م) وقد جاءت تحت عنوان "نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة" وبالرغم مضي عقدين من الزمن على إنجازها إلا أنها لم تنشر بعد.
وبخلاف من ذكرت، لم يصل إلى علمي أن أحدًا قد كتب في هذا الموضوع، ولذا فهو جديد وجدير بالبحث والدراسة وأن ينال أهمية خاصة، فهو يكشف عن النظم التي تُسير شئون الدولة، والرسوم السائدة فيها، ذلك النظام الذي كان يقوم على السير وفق هدي الشريعة
[ ١٢ ]
الإسلامية السمحة والذي كفل للدولة الأموية عند الأخذ به الاستمرارية والصمود أمام الأزمات التي كادت أن تعصف بها وتقضي عليها في وقت مبكر من عمرها، وكيف أن الدولة عندما تخلت عنه، أخذت تخطو بسرعة عجيبة إلى السقوط.
ولعل هذه الدراسة سوف تعطي - في نظري - الدارس فرصة كبيرة لإجراء مقارنة شاملة لما كانت عليه النظم والرسوم في الدولة الأموية بالأندلس، مع ما كان لدى الدولتين العباسية ببغداد والعبيدية بالقاهرة، الأمر الذي يستوجب دراسة خاصة تكشف عن مدى استفادة الأمويين مما لدى المشارقة بوجه عام، والعباسيين بوجه خاص، وهو ما لم أتمكن من التطرق إليه في دراستي هذه، خشية أن يخرج البحث عن إطاره المحدد لي من قبل الجهات المعنية بذلك في الجامعة الإسلامية.
وديننا الإسلامي لم يقتصر اهتمامه على عقائد دينية فردية، بل هو نظام كامل يشمل الدين والدولة معًا، ومن هنا نجد أن نصوصه وتعاليمه قد انطوت على كافة النظم التي تهم الناس سواء على مستوى الفرد أو الدولة.
ونظرًا لأن النظم التي تطبقها أي أمة من الأمم، تعتبر مظهرًا لشخصية تلك الأمة، وذلك من حيث تأثيرها في الآخرين، لأجل هذا فقد حرصت على دراسة جانب من تلك النظم، سَعُدَتْ بتطبيقه على أراضيها، بلاد إسبانيا الإسلامية في وقت من أوقات التاريخ.
[ ١٣ ]
والشورى، والشرطة، والمدينة، والسوق، وقمت بتوضيح كل خطة من هذه الخطط كما حرصت على أن أبين كيف يصل الفقيه إلى أحد هذه الخطط، ثم تحدثت عن صلاحياته، ومجلسه، ومرتبه، وأشهر من تولاها سواء في قرطبة أو بقية الكور وختمت البحث بخاتمة حوت أهم النتائج التي توصلت إليها.
ولقد عملت جاهدًا على إخراج هذه الدراسة بصورة مقبولة، وربما كان لطبيعة الموضوع دور في إيراد بعض نصوص المصادر، رغم اجتهادي في التقليل منها، واللجوء إلى تحليلها، وتعليل بعض الأحداث كلما أمكن ذلك، مع الاعتناء بالدراسات الحديثة، وعدم إغفال جهد من سبقني إلى طرق هذا الموضوع.
ومما زاد من صعوبة هذا البحث أن المدة الزمنية كانت متسعة، بحيث شملت عمر الدولة الأموية في الأندلس، البالغ زهاء ثلاثة قرون، بالإضافة إلى أن الكتابة في هذا الموضوع تستوجب القراءة الدقيقة فيما يتعلق بالرسوم، والتي ربما ترد عبارة صغيرة في نص كامل تكون قادرة على إيضاح واف للتعرف على رسم من رسوم الدولة.
كما اجتهدت عند عملي في هذه الدراسة، أن أبتعد - ما أمكنني ذلك - عن الإسهاب الممل، عند تطرقي لبعض الموضوعات المساعدة لفهم الدراسة مكتفيًا بالإشارة إلى المصادر والمراجع، إلا عندما يستوجب الأمر الإسهاب، وقد حرصت على أن أعرض جزئيات البحث وفصوله بأسلوب مترابط يجعل كل فقرة تأخذ بعقب أختها مراعيًا التسلسل
[ ١٤ ]