عندما حكم القوط إسبانيا لم يضعوا لها تقسيمًا إداريًا، فقد أخذوا بالتقسيم الروماني الذي وجدوه في البلاد عند دخولهم، فهو يقسم اسبانيا إلى قسمين إداريين كبيرين، يحكم كل منهما موظف كبير يلقب بروكنسل " Proconcul" أولًا، ثم لقب برايتور " Praetor" فيما بعد، وهذان القسمان هما: اسبانيا الدنيا " Hispania Citerior" واسبانيا القصوى " Hispania Ulterior" والتي انقسمت بدورها إلى ولايتي "بيطي Betica" و"لشدانية Lusitania" وذلك سنة ٢٧ ق. م. ثم ظهرت ولاية إسبانيا الدنيا الجديدة الأنطونية " Hispania Nova Citerior Antoniana" وتضم إقليمي جليقية وأشتريش، بعد ذلك ظهرت ولايتا إسبانيا الطركونية " Hispania Tarraconensis" وإسبانيا القرطاجنية " Hispania Cartaginensis".
وهذا التقسيم يصل بنا إلى تقسيم دقلديانوس الأخير الذي ينسب إلى قسطنطين، الذي يمقتضاه أصبحت اسبانيا ديوقنية " Diocesis" - أي عملا كبيرا بالمصطلح العربي - تابعة لمديرية الغالتين " Pracfectura Galliarum" داخلة في القسم الغربي من الدولة الرومانية، وبمقتضاه أصبحت اسبانيا تضم ست ولايات " Provinciae" وهي: باطقة ولشدانية، وجليقية، والولاية الطركونية، والولاية القرطاجنية، ثم أضفيت
[ ٣١١ ]
إليها مرطانية الطنجية " Mauretania Tingitana" والجزائر الشرقية " Prpvincia Balearica" (^١) .
وقد أورد أبو عبيد البكري في جغرافيته نصًا أكثر تفصيلًا وأهمية للتقسيم الإداري أيام الرومان، بل أيام المسلمين، وهذا النص يقسم الأندلس إلى ست مناطق، جعل الجزء الأول من مدينة نربونه وهو حد مابين غاليوش وبين الأندلس، وأضاف إليها سبع مدن مما حواليها، وهي: بَطرِّش " Beziers" وطليوشة " Tolose" ومقلونة " Maguelonna" ونومشو " Nemauso" وقرقشونة " Carcassonne".
وجعل الجزء الثاني: من مدينة براقرة " Bracara" وهو حوز جليقية وشلطانية " Saldana" وهو بلد ابن غُومِس. وجعل لها اثني عشر مدينة مما حواليها، منها: مدينة برطقال "بورتو Porto" ومدينة توذى " Tude" ومدينة أورية " Auria" ومدينة لكُّه " Lugo" ومدينة برطانية " Britonia" ومدينة اشترقة " Astorga" ومدينة شانت ياقو " Santiago" ومدينة إيرية " Iria" ومدينة بطقة ومدينة شارّة " Sarria".
وجعل الجزء الثالث: من مدينة طَرَّكُونَة " Tarrgona" وأضاف إليها مدينة سرقسطة " Zaragoza" وأشقة " Huesca" ولاردة Lerida" وطرطوشة " Tortosa" وتطيلة " Tudela" وأعمال بلد ابن شانجو كلها وبلد بَلْيارش " Pallars" وبرشلونة " Barcelona" وجُرنُدة " Gerona"
_________________
(١) - انظر: د. حسين مؤنس، فجر الأندلس ص ٥٣٥ - ٥٣٨.
[ ٣١٢ ]
ومدينة أَنْبُور [يش] " Ampurlas" ومدينة بنبلونة " Pamplona" ومدينة أُوقة " Oca" ومدينة قَلَهُرَّة " Calahorra" ومدينة طرَسَوُنة " Tarazona" ومدينة أماية " Amaya". وجعل الجزء الرابع: عشرين مدينة، قاعدتها مدينة طليطلة " Toledo"، وأضاف إليها مدينة أوريط " Oreto" ومدينة شَغُوبَية " Segovia" ومدينة أَرْكَبيقة " Ercavica" ومدينة وادي [الحجارة] " Guadalajara" ومدينة شِغُونْسَة " Siguenza" ومدينة أكشُمة " Oxuma" ومدينة بلنسية " Valencia" ومدينة بلازيا ومدينة أوريولة " Orihuela" ومدينة ألش " Elche" ومدينة شاطبة " Jativa" ومدينة دانية " Denia" ومدينة بياسة " Baeza" ومدينة قسطلونة " Gazlona" ومدينة منتيشه " Mentesa" ومدينة وادي آش " Guadix" ومدينة بسطة " Baza" ومدينة أرش " Urci" وهي بجانة " Pechina".
وجعل الجزء الخامس: قاعدته مدينة ماردة " Merida"، وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة وهي: باجة " Beja"، ومدينة أكشونبة " Ocsonoba" [ومدينة صيوتلة؟] ويابرة " Evora" وشنترة " Cintra" وشنترين " Santarem" والأشبونة " Lisbona " وقلنبرية " Coimbra" وقورية " Coria" وشلمنقة " Salamanca" وصمورة " Zamora"، وهي محدثة بَرَا إلى شنت ياقوب " Santiago de Compostela. "
وجعل الجزء السادس: قاعدته مدينة إشبيلية " Seville"، وأضاف إليها لبلة " Niebla" وقرطبة " Cordoba" وقرمونة " Carmona"
[ ٣١٣ ]
ومورو " Moron" ومرشانة " Marchena" والجزيرة " Algeciras" وتاكرنا " Takurunna" وريه " Rejio" وأشونة " Osuna" وإستجة " Ecija" وقبرة " Cabra" وأعمالها إلى بجانة " Pechina" وإلبيرة " Elvira" وجيان " Jaen" ومنتيتة " Mentesa" وباركتة " Bakartah" وأبدة " Ubeda" وبياسة " Baeza" (^١) .
وبناء على ما سبق فيمكن القول بكل اطمئنان بأن المسلمين قد وجدوا عند دخولهم شبه الجزيرة الأيبرية، تقسيمًا إداريًا ثابتًا للبلاد، فساروا عليه، مع إجراء بعض التعديلات الشكلية التي اقتضتها الأحوال الجديدة، واستبدلوا ما وجدوا من التسميات والمصطلحات بما حملوه معهم من المشرق (^٢)، ومما يؤيد هذا الرأي هو ذلك الاتفاق العجيب بين المصادر الجغرافية الأندلسية عند حديثها عن التقسيم الإداري في الأندلس (^٣).
ومن الواضح أن هناك تشابهًا في الأسس التي سار عليها كل من الرومان والمسلمين في تقسيماتهم الإدارية، فقد كانت المدينة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم الإداري الروماني، وكانت المدن هي المراكز التي اعتمد عليها المسلمون في الحكم والإدارة (^٤).
_________________
(١) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ٥٩ - ٦٤.
(٢) - فجر الأندلس، ص ٥٣٦.
(٣) - المصدر السابق، ص ٥٣٥.
(٤) - نفسه ص ٥٤٦.
[ ٣١٤ ]
ولقد كان الإتجاه الإداري في الأندلس يميل نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تيسيرًا لضبط الأمن وربط المال، واكتفى المسلمون بالكور، كل كورة تتبعها مدن وكل مدينة تتبعها أقاليمها أو زماماتها، وهذا النظام أدى بدوره إلى تبسيط السلم الإداري، فالإدارة المركزية يتبعها عمال الكور، وعمال الكور يتبعهم عمال المدن، وهم المسئولون عن زمامات المدن وأقاليمها، وجرت العادة أن يعين عامل المدينة عاملًا خاصًا بالمدينة نفسها يسمى صاحب المدينة (^١).
وفي ظل المسلمين عرفت الأندلس نظام الأجناد أو الكور المجندة، وهو النظام الذي أخذه المسلمون عن البيزنطيين (^٢)، والمراد به ولايات عسكرية ينزلها جند، ويسميها العرب بند والجمع بنود، وهي تقابل الثغور ويحكمها قائد عسكري.
ولم يعرف نظام الأجناد إلا في الشام، ومنها انتقل إلى الأندلس، وذلك على أيام أبي الخطار الكلبي (^٣) سنة (١٢٥) هـ (٧٤٣ م) مع اختلاف
_________________
(١) - نفسه ص ٥٥٤ - ٥٥٥.
(٢) - عبد العزيز عبد الله السلومي، ديوان الجند، نشأته وتطوره في الدولة الإسلامية حتى عصر المأمون. (مكة المكرمة، مكتبة الطالب الجامعي، ط الأولى ١٤٠٦ هـ) ص ٣٢٨ - ٣٣٦.
(٣) - أبو الخطار الحسام بن ضرار بن سلامان الكلبي، دمشقي من خيار أهل الشام، شاعر فارس، ولي إمارة الأندلس سنة ١٢٥ هـ، وعلى يديه خمدت فتنة كانت قد اندلعت بين المسلمين هناك، وهو الذي فرق العرب الشاميين على الكور، ورغم أن أبا الخطار كان موضع رضى الشاميين والبلديين، إلا أنه في سنة ١٢٨ هـ انحرف في سياسته، فتعصب لليمانية، فآل به الأمر إلى الخلع والفرار إلى جهة باجة في غرب الأندلس، ثم حاول العودة لاستلام الإمارة، إلا أنه هُزم ومن معه في معركة عُرفت بأنها قاطعة الأرحام وقعت بشقندة، وتم القبض عليه، وقتل صبرًا أواخر سنة ١٣٠ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ١٩ - ٢١. أخبار مجموعة، ص ٤٥ - ٤٦، ٥٦ - ٦٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٤٠٢، الحلة السيراء، ١/ ٦١ - ٦٦.
[ ٣١٥ ]
واحد أن الجند في الشام كان يضم كورًا كثيرة، أما في الأندلس فكان يقابل كورة واحدة (^١).
وقد ذكر العذري أن الكورة أو المدينة في الأندلس قد قسمت إلى مدن أو نواح لكل منها حوز يسمى إقليمًا، وإلى جانب الأقاليم أقسام إدارية أخرى تسمى الأجزاء، وهو يورد هذه الأجزاء بعد الأقاليم مباشرة (^٢).
وبذلك نرى أن المسلمين حين قسموا الأندلس تقسيمًا إداريًا ساروا على ما وجدوه مع تكييفه على نحو يتفق مع ظروفهم في شبه جزيرة إيبيريا، دون أن يغيروا أساسه، فقد ظلت المدينة هي الأساس تتبعها الأرض، وحينما حولوا بعض المدن إلى كور ظلت المدينة أساس الكورة، ولم تكن الكورة هي الأساس تتبعها المدينة (^٣).
_________________
(١) - فجر الأندلس، ص ٥٥٥.
(٢) - نصوص عن الأندلس، ص ٢٠.
(٣) - فجر الأندلس ص ٥٨٧.
[ ٣١٦ ]
والمدينة في الأندلس تتبع المعنى الروماني، فهي نواة لإقليم أو أقاليم كل أهلها يعتبرون من أهل المدينة، وهي بذلك تختلف عن معناها في المشرق الذي تعتبر فيه المدينة عبارة عن مجموعة من الأبنية يحيط بها سور.
وقد اقتضى الأمر اعتبار الكثير من مدن الجنوب في الأندلس وحدات مستقلة، فجعلوها كورا، ذلك لأن مركز الثقل في الأندلس كان في الجنوب، من أجل هذا صغرت مساحات الكور في الجنوب بينما اتسعت في الشرق والغرب، وأما في الوسط ونواحي الشمال فقد ظلت مدنًا بالمعنى الروماني القديم، لها أحواز وفي أحوازها تقع مدنًا أخرى ذات أحواز (^١).
كما جرت العادة أن تسمى المدينة الرئيسة بالأم والجمع أمهات، والمدن الفرعية بالبنات، مفردها بنت، وقد تتحول الأم إلى بنت إذا زادت عليها في العمارة احدى بناتها، قال الحميري في كلامه عن طرسونه " ثم عادت طرسونة من بنات تطيلة عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم إياها لفضل بقعتها واتساع خطتها" (^٢).
ومن غير الميسور الآن تقدير حوز كل كورة ومدينة، أو رسم خريطة دقيقة للأندلس وتقسيماتها الإدارية، لأن مالدينا من معلومات في المصادر الجغرافية التي وصلت إلينا لاتعين على ذلك (^٣).
_________________
(١) - المرجع السابق ص ٥٨٨.
(٢) - الروض المعطار، ص ٣٨٩.
(٣) - فجر الأندلس، ص ٥٩٠.
[ ٣١٧ ]
وقد ذهب بروفنسال إلى أنه من الممكن رسم صورة كاملة للتقسيم الإداري للأندلس بالاستعانة بكتب التاريخ، وهذا صحيح، ولكن مابين أيدينا من أصول تاريخ الأندلس مبتور من مواضع شتى كما هو الحال في جغرافية العذري (^١)، وقد أحصى بروفنسال سبعًا وعشرون كورة غير الثغور، وهذه الكور هي قرطبة، فحص البلوط، قبرة، استجة، إشبيليه، قرمونة، لبله، اكشونبه (شلب) باجه، مورور، شذونه (قلسانه) الجزيرة الخضراء، تاكرنا، ريه، إلبيرة، جيان، بجانة، تدمير، شاطبة، بلنسية، طليطلة، طلبيرة، ماردة، بطليوس، شنترين، لشبونة، قلمرية (^٢).
وقد علق الدكتور حسين مؤنس على هذه القائمة بقوله: قد تكون هذه هي كور الأندلس في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلا أنه نظرًا لعدم وقوفنا على إحصاء كامل لما في كتب التاريخ من معلومات، فإننا لا نستطيع مناقشة ما ذكره بروفنسال (^٣).
وإذا أتينا إلى تعريف الكورة، نجد ياقوت يعرفها بقوله "الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة، كقولهم: دار بجرد، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دار بجرد، ونحو نهر الملك، فإنه نهر
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٥٩٠.
(٢) - L.Prorencal OP.Cit.V، III، P: ٤٩ - ٥١.
(٣) - فجر الأندلس، ص ٥٩١.
[ ٣١٨ ]
عظيم مخرجه من الفرات ويصب في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية، ويقال لذلك جميعه نهر الملك" (^١).
وإذا أتينا إلى الأندلس نجد أن التعريف الذي أدلى به ياقوت ينطبق على الكورة، إذ نجد أن لكل كورة عملًا واسعًا ولها قصبة أو حاضرة.
فكورة إشبيلية - مثلا - تنسب إلى حاضرتها (^٢)، بينما نجد كورًا أخرى لاتنسب إلى حواضرها، فكورة شذونة حاضرتها مدينة شريش (^٣)، وكورة ريُّه حاضرتها أرشذونة (^٤)، وكورة مورور حاضرتها مدينة شَلْب (^٥).
وكل قسم إداري سواء كان مدينة أو كورة ينقسم إلى أقاليم، والإقليم عند أهل الأندلس هو "كل قرية كبيرة جامعة فإذا قال الأندلسي: أنا من إقليم كذا، فإنما يعني بلدة، أو رستاقا بعينه" (^٦).
فكورة إشبيلية يتبعها من الأقاليم: إقليم المدينة، إقليم ألية، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة، إقليم المنستير (^٧).
_________________
(١) - معجم البلدان، ١/ ٣٦ - ٣٧.
(٢) - تعليق منتقى، ص ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) - المصدر السابق ص ٢٩٤.
(٤) - نفسه، ص ٢٩٤.
(٥) - نفسه ص ٢٩٥.
(٦) - معجم البلدان، ١/ ٢٦.
(٧) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ١١٥.
[ ٣١٩ ]
وكل إقليم يكون متبوعًا بعدد كبير من القرى، فقرطبة كان يتبعها خمسة عشر إقليميا، إقليم المدور: عدد قراه تسعون قرية، إقليم القصب: عدد قراه سبعة وثمانون قرية، إقليم لوره: عدد قراه أربعة وستون قرية، إقليم الصدف: عدد قراه ثمانية وعشرون قرية، إقليم بني مسرة، عدد قراه سبع عشرة قرية، إقليم منيانة: عدد قراه ست وعشرون قرية، إقليم كرتش: عدد قراه ستون قرية، إقليم القتل: عدد قراه ثمان وأربعون قرية، إقليم الهزهاز: عدد قراه ثلاث وسبعون قرية، إقليم وابة الملاحة: عدد قراه أربعة وثمانون قرية، إقليم وابُه الشعراء: عدد قراه أربع وتسعون قرية، إقليم أولية السهلة: القرى مائة قرية وقريتان (^١).
من هنا يتضح أن الأقاليم كانت محددة تحديدًا دقيقًا لمعرفة مايترتب على كل منها من الناحية المالية، وعلى هذا فالإقليم كانت الدولة تنظر إليه على أنه وحدة مالية، كما أن أسماء معظم الأقاليم ليس عربيًا، مما يدل على أن الإقليم بحدوده واسمه كان موجودًا قبلهم (^٢).
وهكذا يتضح مما مضى أن كل قسم إداري ينقسم إلى عدة أقاليم، وكل إقليم يكون متبوعًا بعدد من القرى، ويطلق على كل
_________________
(١) - نصوص عن الأندلس ص ١٢٤ - ١٢٧.
(٢) - فجر الأندلس، ص ٥٨٣.
[ ٣٢٠ ]
ما يدخل في حوز القسم الإداري اسم عمل (^١)، أو حوز (^٢)، أو نظر (^٣)، أو ولاية (^٤).