عاشت الوزارة مرحلة مضطربة بسبب الفوضى التي كانت تمر بها الدولة في تلك الفترة، وبالرغم من أن المصادر تناولت تلك الفترة بشيء من التفصيل إلا أنها لم تكن تلقي الضوء على الوزارة والوزراء إلا لمامًا، ومن خلال اللقطات السريعة لأحوال وزراء الفتنة نجد أنه لا يمكن مقارنتهم بأي حال من الأحوال بوزراء بني أمية سواءً في عصر الإمارة أو في عصر الخلافة الذي سبق الفتنة.
فقد وُصف وزراء الخليفة المهدي بأن العين تقتحمهم هجنة وقماءة (^١)، وأما الخليفة المستعين فقد كانت دولته دولة برابرة (^٢)، وعندما تولى الخلافة القاسم بن حمود وكان رجاله من عوام البربر (^٣)، في حين أن ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود اتخذ السفلة عمادًا لدولته (^٤)، واتخذ الخليفة المستظهر رجال وزارته من أهل البطالة والترف (^٥) وأما الخليفة المستكفي الذي أجمع أهل المعرفة على أنه "لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة
_________________
(١) البيان المغرب، ٣/ ٧٤.
(٢) المصدر السابق، ٣/ ١١٤. والمقصود بدولة برابرة أي أن المناصب الإدارية في الدولة كانت بأيدي البربر.
(٣) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ٤٨٥.
(٤) انظر: الذخيرة ق ١ م ١ ص ٤٨٣. ونفح الطيب ١/ ٤٨٦.
(٥) نفح الطيب، ١/ ٤٨٩.
[ ٤٧٨ ]
أسقط منه ولا أنقص (^١) " فقد شهد عصره تهافتًا عجيبًا من الناس على خطط الوزارة، فقد كان يقول لهم "ارتعوا كيف شئتم وتسموا بما أحببتم من الخطط (^٢) " ولكن سرعان ما تبرأوا منها عندما اكتشفوا زيف ما هم فيه (^٣).
وعندما وصل إلى قرطبة الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله، اتخذ له مدبر دولته حكم القزاز وزراء ما فيهم إلا "كل نغلٍ دغلٍ أو ماجن فاسق أو سوقي رذل، سقطت به عليهم المشاكلة .. ما فيهم حازم ولا فصيح (^٤) ".
ومهما قيل عن وزراء تلك الفترة، فليس هناك أبلغ من ابن حيان عندما قدم لنا بأسلوب ساخر لاذع وصفًا لهم فقد قال: -
"ومات فلان الغني العبام، حجة الله في الرزق وغيظ الأنام، فنهض بريئًا من كل خلة جميلة تدل على فضيلة إلى عيٍ غالب عليه، وكان أخوه مثله في الأفن والجهالة، وكلاهما ممن استهينت به خطة الوزارة بحملهما اسمها الخطير الأثير من غير تعلق بفضيلة في حديث ولا قديم ولا معرفة بشيء من التعاليم (^٥) ".
_________________
(١) الذخيرة، ق ١ م ١، ص ٤٨٩.
(٢) المصدر السابق، ص ٤٣٤ - ٤٣٥.
(٣) نفسه، ص ٤٣٥.
(٤) البيان المغرب، ٣/ ١٤٨ ..
(٥) الذخيرة، ق ١ م ٢ ص ٥٩١.
[ ٤٧٩ ]
هذه هي صفات الوزارة والوزراء في تلك الفترة، مناصب بلا نفوذ، ولذا فكثير ما كانت قرطبة تعيش تحت إدارة "العبيد وسفَّال الناس (^١) " لأجل ذلك فلا عجب إذا رفض أهل المروءة والشمم العمل في هذا الوسط العجيب، فالوزير حسان بن مالك بن أبي عبد هـ، استوزره الخليفة المستظهر لكنه لم يلبث في بيت الوزارة إلا يسيرًا ثم لم يعد يحضر، ثم كتب للمستظهر رقعة بينَّ فيها سبب غيابه فقال: -
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل … فسيان مني مشهد ومغيبُ
فأصبحت تيميًا وما كنت قبلها … لتيم ولكن الشبيه نسيبُ (^٢)
من هذه الصورة العجيبة ندرك أن الوزراء لم يعد لهم مكانة حتى أنهم هجروا بيتهم، الذي كان مجلسًا لأعلام دولة بني أمية، واتخذوا من الديدبان (^٣) مكانًا لهم. وتميزت اجتماعاتهم بأن القرار الذي يتخذونه اليوم ينقضونه غدًا (^٤)، وأصبح عملهم مقتصرًا على التشاور فيمن يولونه الخلافة من بني أمية بعد كل خليفة ينتهي دوره (^٥).
_________________
(١) البيان المغرب، ٣/ ١٩٠.
(٢) انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٨٠. مطمح الأنفس، ص ٢١١ - ٢١٥. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٦٢.
(٣) الديدبان/ مجلس يشرف على الخندق الذي حفره أهل قرطبة للدفاع عنها ضد البربر والمجلس من إنشاء الفتى واضح الصقلبي. انظر: البيان المغرب، ٣/ ١٠٥.
(٤) البيان المغرب، ٣/ ١٠٥.
(٥) المعجب، ص ١٠٩.
[ ٤٨٠ ]
ولم يظهر للوزراء القدامى وأهل الرأي من اتفاق قوي على أمر إلا عندما اجتمعت كلمتهم على إزالة الخلافة الأموية وإسقاط رسمها وطرد الأمويين من قرطبة واستلام السلطة فيها عوضًا عنهم (^١).
_________________
(١) أعمال الأعلام، ٢/ ١٣٩.
[ ٤٨١ ]