أصبح الوزراء في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر لا يصلون إلى الخليفة المغلوب على أمره هشام المؤيد إلا نادرًا، ومع ندرة وصولهم إليه، فإن عليهم الإنصراف مباشرة بعد أن يسلموا عليه (^٣)، وهذا يدل على الضعف الذي أصبحت تعاني منه الوزارة بسبب تسلط المنصور بن أبي عامر على الخليفة ودولته، ومما يؤكد أن الوزارة في ذلك الوقت كانت ضعيفة لا بهاء لها، أن زيري بن عطية المغراوي، زعيم زناته، عندما وصل إلى قرطبة زائرًا للمنصور بن أبي عامر وقدم له هدية عظيمة، احتفل له المنصور وتوسع له بالعطاء ودفع له قيمة هديته وولاه خطة الوزارة (^٤) وذلك في شهر رجب سنة (٣٨٢) هـ (سبتمبر (٩٩٢) م) (^٥) فاستقبح زيري
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨٦.
(٢) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٦.
(٣) تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٧.
(٤) مفاخر البربر، ص ٣٣. وانظر: الإستقصاء ١/ ٢١١.
(٥) أعمال الأعلام، القسم الخاص بالمغرب ٣/ ١٥٧.
[ ٤٧٥ ]
لقب "الوزارة" واعتبرها إهانة له، وعندما خاطبه بها أحد رجاله نهاه عن ذلك ثم قال له: -
"وزير من يا لكع؟ لا والله إلا الأمير بن أمير، واعجبًا لابن أبي عامر ومخرقته! لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والله لو كان بالأندلس رجل ماتركه على حاله وأن له منا ليومًا (^١). والله لقد تاجرني فيما أهديت إليه حظًا للقيم، ثم غالطني بما بدله تبتيتا للكرم إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي (^٢) ".
ومن عرف المنصور بن أبي عامر ومنهجه السياسي القائم على الهيمنة المطلقة على الخلافة، يدرك تمامًا أنه لا يمكن أن يرتفع لأحد شأن في عهده أيًا كان منصبه، فهل يتوقع الوزير والحالة هذه أن تكون له ولوزارته مكانة لديه؟ أو يحسب لهما أي حساب؟.
وعندما تولى الحجابة عبد الملك المظفر، تغيرت أحوال الوزارة، فهذا عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع رغم علو منزلته عند المنصور إلا أنه لم يتنفس الصعداء إلا بعد موت المنصور وتولي ابنه عبد الملك الحجابة. يقول ابن بسام: -
"وتبجح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى عن الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعًا
_________________
(١) الإستقصاء، ١/ ٢١١.
(٢) مفاخر البربر، ص ٢٢.
[ ٤٧٦ ]
ودورًا، فات الناس إحصاؤها واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه (^١) "وذلك لأن عبد الملك المظفر فوض وزيره عيسى بن سعيد في أمر تدبير الدولة (^٢).
وقد استغل عيسى بن سعيد منصبه الوزاري وتفويض عبد الملك له في إدارة الدولة فأخذ يبيع المناصب الإدارية (^٣) مما عاد عليه وعلى صنائعه بالثروة الطائلة، وأصبح لايسير إلا في موكب ضخم، كما أن الوصول إليه أصبح أمرًا عسيرًا (^٤). كل ذلك لم يقنع الوزير ابن القطاع، ولذا فقد أخذ يدبر مؤامرة خطيرة للإطاحة بعبد الملك المظفر، وتسليم الدولة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكاد أمره أن يتم لولا أن كشفت خيوط المؤامرة في مراحلها الأخيرة، فذهب ابن القطاع ضحية لها (^٥).
وبعد مقتل ابن القطاع لحق الأذى كل فرد من حاشيته، إذ صودرت أملاكه وأملاكهم (^٦)، ثم صدر كتاب من عبد الملك بين فيه للناس سبب قتله لابن القطاع (^٧).
_________________
(١) الذخيرة، ق ١ م ١، ص ١٢٤.
(٢) المصدر السابق، ق ٤ م ١ ص ٥٠.
(٣) نفسه ق ١ م ١، ص ١٢٤.
(٤) البيان المغرب، ٣/ ٢٨.
(٥) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢٥ - ١٢٧.
(٦) البيان المغرب، ٣/ ٣٤.
(٧) الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٢١.
[ ٤٧٧ ]