الوكالة لها أوجه عدة (^٢)، يهمنا في هذا المقام ما يتعلق بالخصومات أي التقاضي والمشهور في المذهب المالكي أن التوكيل حق مشروع للطالب والمطلوب، إلا أن سحنون ﵀ لا يقبل التوكيل من المدعي عليه إلا في حالات خاصة، مثل المرأة الشابة التي تخشى فتنتها (^٣)، أو مريض أو مريد سفر، أو صاحب عذر بيِّن، أو من كان في شغل الأمير، أو كونه يشغل خطة لا يستطيع مفارقتها، كالحاجب مثلًا، وبالمقابل كان يقبل التوكيل من كل مدعي (^٤).
وحول هذا المعنى جاء رأي الفقيه الموثق ابن العطار، لكنه أضاف أن من دواعي التوكيل الرغبة في التنزه عن التبذل في الخصومة، والجلوس في مجالس الحكام خشية سماع قول خشن أو اعتراض بما لا يصلح (^٥).
_________________
(١) - الوكالة جمعها الوكالات، والوكالة اسم مصدر بمعنى التوكيل من وكل إليه الأمر وكلًا ووكولًا، سلمه وفوضه إليه واكتفى به. انظر: لسان العرب، مادة وكل. وأما اصطلاحًا فقد عرفها الشيخ ابن عرفه بقوله "هي نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره في غير مشروطة بموته" الحدود الكبرى، ص ٤٥٧.
(٢) - انظر: الحدود الكبرى، ص ٤٦١. معين الحكام، ٢/ ٦٦٩ وما بعدها.
(٣) - ابن عبدون يرى ألا يكون هناك وكيل للمرأة، وذلك لأن بعض ضعاف النفوس ربما اتخذ هذه الوكالة سبيلًا للمساس بشرف موكلته. انظر: رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٢ - ١٣.
(٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٤.
(٥) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٧.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
ومن أراد أن يوكل وكيلًا فلابد أن يحضر جلسة لدى القاضي، ينعقد من خلالها ما يكون من الخصمين من الدعوى والإقرار والإنكار، ثم له الحق في أن يوكل من شاء (^١)، ولكن إذا جلس الخصمان لدى القاضي ثلاث جلسات فأزيد عندها لا يجوز لأحدهما إقامة وكيل عنه، إلا أن يكون خصمه قد شاتمه فحلف أن لا يخاصمه بنفسه أو اضطر للسفر (^٢).
وعن اشتراط الإقرار أو الإنكار من قبل المدعي عليه قبل أن يوكل يذكر الخشني أن امرأة من جيران موسى بن حدير - تولى فيما بعد خطة الخزانة الكبرى للأمير عبد الرحمن الأوسط - رفعت عليه دعوى عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي، فأرسل إليه القاضي فأحضره وأخبره بما تدعيه عليه المرأة، فطلب موسى من القاضي أن يأذن له في إقامة وكيلًا عنه، لكن القاضي رفض وأصر على موسى أن يقر أو ينكر ثم بعد ذلك يوكل، فلما رأى موسى إصرار القاضي قال له: "جميع ماتدعيه -المرأة - حق وهي المصدقة (^٣) ".
ولا يجوز لأحد الخصمين إقامة أكثر من وكيل في قضية واحدة (^٤)، ولا يصح للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن موكله (^٥)، وللموكل عزل الموكل
_________________
(١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٧.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٥٣.
(٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٥.
(٥) - أدب القاضي، ص ٥١٣.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ما لم تبدأ جلسات القاضي، فإذا كان الوكيل قد حضر ثلاث جلسات أو أكثر فليس للموكل عزله (^١)، إلا إذا ظهر منه غش أو أصيب بمرض (^٢).
والوكالة لابد أن تكون مكتوبة، ولها صيغة محددة، وقد زودنا الفقيه ابن العطار بنص الوكالة، فذكر تحت عنوان: وثيقة توكيل على الخصام، ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم وكل فلان بن فلان بن فلان عند القاضي فلان قاضي الجماعة بقرطبة، أو عند صاحب أحكام كذا، أو المدينة أو السوق بقرطبة، على المخاصمة عنه، وله الإقرار عليه والإنكار عنه، بوكالة التفويض التامة التي أقامه فيها مقام نفسه، وقبل فلان من توكيله. شهد".
وإن كانت وكالة جامعة، قلت بعد قولك: والإنكار عنه "وطلب حقوقه واستخراجها، وتقاضي الأيمان إن وجبت له، وقبض حقوقه، والبيع عليه والابتياع له، والمصالحة عنه" وله أن يزيد هذه الزيادة إذا كان توكيلًا جامعًا لغير خصم، إن شاء الله، ثم يقول: شهد على إشهاد الموكل فلان والموكل فلان نفسهما بما ذكر عنهما في هذا الكتاب من عرفهما وسمعه منهما وهما بحال الصحة وجواز الأمر، وذلك شهر كذا من سنة كذا، وإن شئت عقدت الإشهاد على التوكيل خاصة، وقلت قبل التاريخ:
_________________
(١) - معين الحكام، ٢/ ٦٨٥.
(٢) - المصدر السابق، ٢/ ٦٨٦.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
ممن أشهده الخصم فلان على قبول التوكيل المذكور وذلك في شهر كذا من سنة كذا (^١) ".
وهناك نموذج آخر وضعه ابن العطار وهو عبارة عن توكيل يجعل للوكيل الحق في توكيل من يراه، جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، وكّل فلان فلانًا على المخاصمة عنه وله الإقرار عليه والإنكار عنه بوكالة التفويض التامة، أقامه بها مقام نفسه … وجعل إليه توكيل من رأى توكيله بمثل توكيل المذكور وقبل فلان ذلك من توكيله "ثم يذكر الشهود والتاريخ (^٢).
هذا، وقد ذم ابن عبد ون الوكلاء، وكان يرى أن منعهم أفضل، إذ أن عملهم يتيح لهم أكل أموال الناس بالباطل، ويتوصلون إلى ذلك بالقدرة على الجدال، وتزيين الكلام والملق والكذب، والتلبيس على من يخاصمون عنده، إذ أن خصال الخير غير موجودة فيهم، وإن كان لابد من وجودهم فقد اشترط ابن عبد ون أن يكون عددهم قليلًا، ومع قلتهم فيجب أن يكون الوكيل ممن اشتهر أمره بالورع والعلم والعفاف والخير،
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٨.
(٢) - المصدر السابق، ص ٥٠٠.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ولا يكون شابًا ولا شريبًا، ولا ممن يفجر أو يفسق (^١). وقال فيهم البعض: "هم أناس عليهم الفضول فباعوه لغيرهم" (^٢).
ثم أنه بالرغم من عدم تمتع الوكلاء بنظرة احترام في مجال الخصومات إلا أن القاضي ربما نصح أحد الخصمين بإقامة وكيل يخاصم عنه، خاصة إذا توسم القاضي في أحد الخصمين الخير والصلاح مع عدم القدرة على الإدلاء بحجته، وذلك كما عرفنا من قبل قصة قاضي الجماعة، أحمد بن بقي بن مخلد عندما عمد إلى ذلك في إحدى القضايا (^٣).
والوكيل يقبل الوكالة لقاء أجر مادي يتفق عليه مع موكله، ويبدو أن أمر الموكلين كان مشهورًا بقرطبة، إلى درجة أصبح معها عملهم شبه رسمي، أو بالأصح صار من يعمل التوكيل محترفًا له، يدل على ذلك ما فعله قاضي الجماعة سعيد بن سليمان القاضي عندما أدب وكلاء أساءوا الأدب عنده ثم منعهم من الحضور عنده لمدة سنة فكاد أن يورثهم الفقر (^٤).
_________________
(١) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٢. قارن: أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٧٤.
(٢) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٣.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ١١٦.
(٤) - المصدر السابق، ص ٦٣.
[ ٢ / ٦٩٩ ]