من الملاحظ أن قاضي الجماعة بقرطبة كان في بعض الأحيان يقوم بأداء مهام وظيفية أخرى، وذلك إلى جانب منصبه، فهناك من كان
_________________
(١) - النباهي، ص ٧٧.
(٢) - الصلة، ترجمة رقم ١٠٨٨. تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٩٥.
(٣) - النباهي، ص ٨٨.
[ ٢ / ٧١٢ ]
يشترك في الغزوات التي كان يقوم بها جيش الدولة (^١)، بل إن منهم من كان يتولى أحيانًا قيادة الجيش (^٢).
واشتراك القاضي في الغزو قد يكون رغبة منه في الجهاد والمرابطة، وأما إن كان الأمر نتيجة تكليف من ولي الأمر فالهدف من وجوده هو إمامة الجند في الصلاة وبث الحماس في نفوسهم من خلال الخطب التي يلقيها عليهم.
ومن المهام التي أسندت لقاضي الجماعة الإشراف على الثغور وإصلاح ما وهى من حصونها، وقد كان قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى كثيرًا ما يخرج لأجل هذه المهمة، وفي آخر خرجاته إلى هناك، اعتل في قرية نحارس ومات هناك، فنقل جثمانه إلى طليطلة حيث دفن فيها في يوم السبت مستهل ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) (^٣).
وأما لدينا العمالة على الكور، فقد ذكر الخشني أن الأمير الحكم الربضي استقدم الفرج بن كنانة من شذونة فولاه القضاء بقرطبة، وبعد أن أعفى الأمير ابنه عبد الرحمن من ولاية سرقسطة، وولاها عبد الرحمن بن أبي عبد هـ، حدثت بعض الفتن هناك، فأرسل الأمير إليهم قاضي الجماعة
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ١٧ - ١٨، ٨٣.
(٢) - المصدر السابق، ص ٤١.
(٣) - نفسه، ص ١٢٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٥٣.
[ ٢ / ٧١٣ ]
الفرج ابن كنانة واليًا على سرقسطة، فتمكن بحسن معالجته للأمور من إخماد الفتنة (^١).
وقبل أن يصل محمد بن عبد الله بن أبي عيسى إلى منصب قاضي الجماعة في ذي الحجة سنة (٣٢٦) هـ (أكتوبر (٩٣٨) م) كان قد تقلد القضاء في عدة كور، فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر القضاء ببجانة وطليطلة وجيان، وصرَّفه في عدة أمانات، فاضطلع بها، وكان آخر ما تولاه قضاء إلبيرة، وقلده مع القضاء أمانة الكور والنظر على عمالها، فكانوا لا يصدرون إلا عن أمره، ولا يظلم أحد في أي كورة تحت تصرفه إلا نصره (^٢).
وبعد أن تولى ابن أبي عيسى قضاء الجماعة كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر في منتصف شهر رجب سنة (٣٢٨) هـ (إبريل (٩٤٠) م) بالخروج إلى الثغور الشرقية للنظر في مصالح أهلها، فخرج إليها وحسن أثره فيها (^٣)، وازداد رفعة وقربًا من الخليفة حتى أنه أصبح المؤتمن على أسراره، كما خوله حضور جلسة مجلس الوزراء دون أن يطلق عليه لقب وزير (^٤).
ومن المهام التي كان يتولاها قاضي الجماعة عرضًا الكتابة، فقد ذكر الخشني أن الأمير عبد الله ابن محمد كان في أحد أيام الجمعة في الساباط،
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٤١ - ٤٣.
(٢) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٧.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٣.
(٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٦.
[ ٢ / ٧١٤ ]
فورد عليه كتاب لابد من الإجابة عليه فورًا، فطلب كاتبه عبد الله بن محمد الزجالي فلم يجده، فأراد أن يرسل في استدعائه، لكن القاضي النضر بن سلمة عرض نفسه على الأمير للرد على هذا الكتاب، فأذن له، فجاوب فأحسن وكتب فأبلغ، فأعجب الأمير به وشكر له فضله (^١).
ومن المهام الجسيمة التي كان يضطلع بها قاضي الجماعة أحيانًا، الاستخلاف في سطح قصر الإمارة، وهذا لم يحدث إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر قبل أن يكبر ولي عهده الحكم، فقد كان كثيرًا ما يستخلف قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز على سطح القصر عند خروجه لمغازيه (^٢).
والحق إن استخلاف القاضي على سطح القصر لهو أبلغ دلالة على مدى عظم منصب قاضي الجماعة، بالإضافة إلى الثقة القوية التي كانت متبادلة بين أمراء وخلفاء بني أمية وبين قضاتهم.
كذلك كانت تناط بقاضي الجماعة مهمة الإشراف على البنيان، وفي هذا يذكر الخشني أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان كثيرًا ما يكلف القاضي ابن أبي عيسى بالإشراف على الثغور وتفقد مصالحها وبنيان
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٩٢.
(٢) - المصدر السابق، ص ١٠٩.
[ ٢ / ٧١٥ ]
حصونها، كما أنه هو الذي تولى للخليفة عبد الرحمن الناصر بناء مدينة سالم مع القائد غالب بن عبد الرحمن (^١).
والقاضي يتولى الإشراف على أموال الوقف في المسجد الجامع (^٢) كما كان يقوم بمهمام النظر في شئون الأيتام (^٣)، وهو الذي يعيِّن الأوصياء عليهم لاستصلاح أموالهم (^٤). ولا يتم بيع شيء من ممتلكات الأيتام إلا بإذن القاضي (^٥) حتى وإن كان ذلك ضد رغبة الخليفة (^٦).
كذلك كانت تسند للقاضي مهمة القيام بالسفارة لأجل الإصلاح، ففي شهر رمضان سنة (٣٢٨) هـ (يونيو (٩٤٠) م) انتدب الخليفة عبد الرحمن الناصر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي للسفر إلى العدوة المغربية للتوسط بين الزعيمين الخير بن محمد بن خزر وبين مدين بن موسى بن أبي
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٩.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٨٣.
(٣) - المصدر السابق، ص ٦٦.
(٤) - يحدث أحيانًا أن القاضي يعين للأيتام أوصياء سوء ومن أولئك الأوصياء الذين عينهم قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي وعندما عاتبه الخليفة عبد الرحمن الناصر على تعيين تلك المجموعة السيئة رد عليه القاضي بأنه لا يجد سواهم فالذي يرجى منهم الصلاح لا يقبلوا الوصاية على الأيتام، ثم طلب من الخليفة أن يحيله على أهل الصلاح وله أن يجبرهم بكل وسيلة وهو يضمن له ألا يسمع بعد ذلك إلا كل خير. انظر: مطمح الأنفس، ص ٢٥٧.
(٥) - نفح الطيب، ٢/ ١٦.
(٦) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٢ - ٢٥٤. نفح الطيب، ٢/ ١٦ - ١٧.
[ ٢ / ٧١٦ ]
العافية المكناسي لإيقاف الحرب بينهما ومنع سفك الدماء، فنفذ منذر لما ندب له، وعالج الأمر برؤية فوفق في مهمته (^١).
وفي عهد الفتنة أرسل الخليفة المهدي قاضي الجماعة أبا العباس بن ذكوان لإقناع هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ومن معه من العبيد العامريين بالعدول عن إثارة الفتنة وترك الخروج ضد المهدي (^٢).
وقاضي الجماعة يؤخذ العهد أمامه بالطاعة، فقد ذكر ابن ذكوان أنه في غزوة ربيع الأخر سنة (٣٢٨) هـ (ديسمبر (٩٣٩) م) قدم إلى قرطبة موسى بن محمد صاحب مدينة وشقه وحكم بن منذر صاحب قلعة أيوب مستأمنين للخليفة عبد الرحمن الناصر، فأخرج إليهما كتب الأمان، وعقد لهما على أعمالهما، وذلك بعد أن أحلف كل واحد منهما في المسجد الجامع بقرطبة خمسين يمينًا على الالتزام بالطاعة والوفاء بشروطها والنصح للخليفة في السر والعلن، كل هذا تم بمحضر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ومن معه من الحكام والفقهاء والعدول (^٣).
وأخيرًا، إن القارئ ليقف موقف المتسائل من القدرة التي كان عليها قضاة الجماعة والتي أهلتهم للتصدي بكفاءة لكل ما وكل إليهم من المهام، وربما تسرب إلى الخاطر أن معظم تلك المهام لم تكن إلا تشريفية
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٦٠.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ٧٩ - ٨٠.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٣.
[ ٢ / ٧١٧ ]
لا أكثر (^١)، لكن الصواب هو ما ذهب إليه أحد المختصين بدراسة القضاء في الأندلس حيث يقول "إن مجال التشريف بألقاب القاضي لم يكن معمولًا به في الأندلس، وأن الخطط التي جمعت إلى قضاة الأندلس كان القاضي يمارسها بنفسه، فإذا لم يستطع فبالاستخلاف أو التفويض أو بمعونة مساعديه وتحت مراقبته ومسئوليته" (^٢).
ويكفي لتأييد هذا الرأي وأن الألقاب لم تكن تشريفية ما ورد على لسان الحاجب المنصور بن أبي عامر عند وصفه لأحد رجال دولته، المدعو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي الشهير بابن الشرفي، المتوفى في شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو سنة (١٠٠٦) م) فقد قال "في أصحابي رجل بصير بدنياه، يصلح لكل خطة، من مكاني في الحجابة، إلى مكان بوابي فلان، فمن بينهما من ذي منزله، ويستقل بكل أمر، ويصلح لكل خطة فإذا استفسر عنه، قال هو الشرفي (^٣) ".
ولتأكيد مقولة المنصور أورد القاضي عياض وصف ابن حيان لابن الشرفي، فذكر أنه قال "كان من أحد رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة، مع جودة المعرفة وغزارة العلم ومتانة الخطابة، والسداد
_________________
(١) - انظر: الدكتور محمود مكي في مقدمة تحقيقه لكتاب المقتبس، ص ٤٤.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٣٠٢.
(٣) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٩٣.
[ ٢ / ٧١٨ ]
في الحكومة مع الصلابة والنزاهة، ولي الشرطة والأحكام بقرطبة والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث (^١) ".