التاريخي لتلك الأحداث والمتغيرات وعند ورود التاريخ الهجري أُتبعه بالتاريخ الميلادي، وحرصت على ذكر الاسم الأسباني لكل موقع جغرافي بالأندلس، كما عملت على التعريف بأسماء الأعلام والمواقع الجغرافية، عند أول ذكر لها، كل ما أمكنني ذلك، وكل مصدر أو مرجع لم أر ضرورة لذكره في قائمة المصادر والمراجع، عرفت به تعريفًا كاملًا عند أول استخدام له.
تحليل المصادر: وغني عن البيان أن هذه الرسالة، لم تكن لتظهر بهذه الصورة، لولا اعتمادها - بعد الله تعالى - على الكثير من المصادر والمراجع التي تعدد اختصاصها.
واستعراض جميع المصادر التي استفاد منها هذا البحث، أمر فيه إطالة غير مرغوبة، لأجل ذلك سأقتصر في هذا التحليل على أهمها:
١ - "قضاة قرطبة" للحافظ أبي عبدالله محمد بن حارث الخشني، عاش سنواته الأولى من حياته في القيروان، ثم رحل إلى الأندلس وهو لم يتجاوز الثانية عشرة، ونزل قرطبة، فسمع من أعلامها، وقد نال الخشني ثناء الآخرين عليه، فقد كان شاعرًا، بليغًا، إلا أنه كان يلحن، وكان حكيمًا بعمل الأدهان، حافظًا للفقه، عالمًا بالفتيا، ولي الشورى، ثم توفي في شهر صفر سنة ٣٦١ هـ (ديسمبر ٩٧١ م) بعد أن ترك عدة مؤلفات.
وقد ألف الخشني كتاب "قضاة قرطبة" بطلب من الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي أباح له الاستفادة من مكتبة القصر التي كانت عامرة بمختلف الكتب، وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب "قضاة قرطبة" إلا
[ ١٥ ]
أنه عظيم الفائدة في موضوعه، فقد أفاد البحث بذكر حوادث انفرد بها، فقد أورد مثلًا خبر معارضة الفقيه بقي بن مخلد تحليف قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله القبعه أمام الناس، خشية أن يصل الخبر لبني العباس، فيتندرون بهذه الحادثة في مجالسهم، كما ذكر خبر تعطل منصب قاضي الجماعة لمدة ستة أشهر في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وستة أشهر أخر في عهد ابنه الأمير محمد، كما عرَّفنا الكتاب على الرسم الذي وضعه للفقهاء قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، وذلك عندما يُطلبوا لتسجيل فتاواهم، إذ أمر كلًا منهم أن يقوم بتسجيل فتواه بيده في السجل الخاص، فأصبح هذا الرسم متَّبَع من بعده في الأندلس، كما ذكر الخشني أن الوزير صاحب المدينة هو الذي يقوم باستلام ديوان القضاء عند عزل القاضي، ويظل الديوان عند الوزير صاحب المدينة حتى يتم تعيين قاضٍ آخر.
وقد قام المستشرق الإسباني "خوليان ريبيرا" بنشر هذا الكتاب وترجمته إلى الإسبانية سنة ١٩١٤ م ثم قامت الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة ١٩٦٦ م بطبعه ونشره.
٢ - ولدينا كتاب آخر للخشني هو "أخبار الفقهاء والمحدثين" وهو عبارة عن تراجم لطبقات عديدة من الفقهاء الأندلسيين، امتدت منذ فتح الأندلس حتى عصر المؤلف.
والكتاب وردت تراجمه بصورة غير منظمة، أي لم يتبع فيها المؤلف الترتيب الأبجدي، كما تضمن الكتاب معالجة لبعض المسائل الفقهية.
[ ١٦ ]
والخشني اتبع في هذا الكتاب منهجًا شائعًا لدى أصحاب التراجم، فهو يعرض للشخص المترجم ولشيوخه وتلاميذه، ثم يذكر رحلته، ومن ثم سنة وفاته، والملاحظ أنه قد اختصر في بعض التراجم حتى أن بعضها لاتزيد عن سطر واحد، مثل ترجمته لأبي العطاف يعلى بن عبد الله الأموي، بينما نجد بعض التراجم تستغرق صفحات تتجاوز العشرة، مثل الترجمة التي أوردها ليحيى بن يحيى الليثي، وعبد الملك بن حبيب، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح وغيرهم، ولعلنا ندرك من هذا التفاوت في التراجم أن المؤلف قد ركز اهتمامه على أولئك الفقهاء المشهورين، أصحاب التأثير سواء ثقافيًا أو اجتماعيًا.
ورغم ذلك، فإن هذا الكتاب يعتبر من أنفس مصادر التاريخ الأندلسي، فهو أقدم كتاب تراجم لأهل الأندلس يصل إلينا، وقد أفاد البحث منه كثيرًا فهو فضلًا عن التراجم، حوى في بعض صفحاته وثائق هامة جدًا، لم ترد فيما سواه، وذلك مثل الرسالة التي بعث بها الأمير الحكم الربضي للفقيه يحيى بن يحيى الليثي، وكذلك كتابه لعيسى بن دينار، يؤمنهما فيه بعد حادثة هيج الربض.
وقد تم نشر الكتاب أخيرًا، فقد قام بدراسته وتحقيقه، كل من: "ماريا لويسا آميلا"، ولويس مولينا، ونشره المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، معهد التعاون مع العالم العربي، مدريد، سنة ١٩٩٢ م.
٣ - "كتاب تاريخ افتتاح الأندلس" لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز، الشهير بابن القوطية، والمقصود بالقوطية "سارة" حفيدة
[ ١٧ ]
"غيطشه WITIZA" ملك أسبانيا القوطي، وبذلك فالمؤلف مولَّد من طبقة المولَّدين. أصله من إشبيلية، وسمع من أعلامها وأعلام قرطبة، كان عالمًا بالنحو، حافظًا للغة، متقدمًا فيها، حافظًا لأخبار الأندلس، طال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، قُدِّم للشورى، وتصرَّف في الخطط، وترك عدة مؤلفات. ثم توفي يوم الثلاثاء في ربيع الأول لسبع بقين منه سنة (٣٦٧) هـ (نوفمبر (٩٧٧) م).
والكتاب يتناول تاريخ الأندلس منذ أن افتتحها المسلمون، وحتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وهو عبارة عن مجموعة من الأخبار القصار منفصل بعضها عن بعض، وهو يسرد الحوادث ولا يذكر التاريخ إلا نادرًا. كما أنه ليس من تأليف ابن القوطية، بل إن أحد تلاميذه هو الذي تولى تأليفه، بدليل تكرار عبارة "قال شيخنا أبو بكر" قال ابن القوطية (^١). ولقد أفاد البحث كثيرًا من كتاب "افتتاح الأندلس" فقد انفرد بأخبار غاية في الأهمية منها: طرد الأمير الحكم الربضي للوزير أبي البسام بسبب غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار، وموقف الوزير صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد من ولد الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما حاول مغادرة سطح باب السدة، كما عرَّفنا على نوعية الثقافة التي يجب أن يتلقاها السجناء، وهي ثقافة لا تكسبهم إلا الخمول
_________________
(١) - آنخل بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي: ص ٢٠٢ - ٢٠٤.
[ ١٨ ]
والاشتغال بالملذات، كأن يسمعهم المؤدب خمريات الحسن بن هانئ، وما شابهها من الأهزال.
٤ - "كتاب الوثائق والسجلات" للفقيه الموثق أبي عبد الله محمد بن أحمد الأموي الشهير بابن العطار، وصفه ابن حيان بأنه متفنن في علوم الإسلام، فقيه لا نظير له، حاذق بالشروط، وبسبب إعجابه بنفسه، وشكاسة أخلاقه، تعرض لوقوف نظرائه ضده، تولى الشورى في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، ثم أسقط عنها وعن الشهادة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في داره، وبعد أن أدى فريضة الحج، أعاده المنصور إلى ما كان يليه، توفي في ذي الحجة سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م).
وكتاب "الوثائق والسجلات" عبارة عن نماذج لوثائق فقهية متنوعة، والكتاب في بابه نادر لاغنى عنه لمن يدرس القضاء أو يشتغل فيه، وقد رافقني الكتاب كثيرًا في المبحث الخاص بالقضاء، ونقلت عنه نموذجين بين فيهما ابن العطار كيفية تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به تبين له الخطأ فيه.
وقد قام بتحقيق الكتاب كل من: "بدروشالميتا"، "وفيدريكو كوينطي". ونشره مجمع الموثقين المجرطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة في مدريد سنة ١٩٨٣ م.
٥ - "نقط العروس" لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ولد سنة ٣٨٤ هـ (٩٩٤ م)، اهتم والده بتربيته وتثقيفه اهتمامًا شديدًا، فخرج عالمًا يشار إليه بالبنان، بل إنه أبرز علماء عصره،
[ ١٩ ]
تولى بعض المناصب، ثم ترك السياسة وهجرها، وانقطع للعلم، فألف في مختلف فروع الثقافة، توفي في بادية لبله سنة (٤٥٦) هـ (١٠٦٤ م).
وكتابه (نقط العروس) الذي ألفه في حدود سنة (٤٢٠) هـ (١٠٢٩ م) عبارة عن أخبار قصيرة جدًا عن الخلفاء، وهذه الأخبار على قصرها ضمت الخطوط العامة للخلافة الإسلامية والخلفاء حتى عصر ابن حزم. ولذا فهو كتاب حافل بمعلومات قيمة يحتاجها من أراد يدرس نظام الخلافة الإسلامية (^١).
ومن أهم المعلومات التي اعتمد فيها البحث على "نقط العروس" هي محاولة الحاجب المنصور بن أبي عامر التسمي بالخلافة، وأنه استشار الفقهاء في ذلك، ن إلا أنهم وقفوا ضد رغبته وكان أشدهم في ذلك الفقيه محمد بن يبقى بن زرب.
وفي مجال الحديث عن ولاية العهد انفرد ابن حزم في نقط العروس بذكر تسمي سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر بولاية العهد في بداية استيلاء المهدي محمد بن عبدالجبار على الخلافة، دون أن يسميه بذلك أحد.
بالإضافة إلى أن الكتاب قد استقصى ذكر ألقاب أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وهو يعتبر في معلوماته الدقيقة حجة، لأن المؤلف ووالده من قبله كانا من رجالات الدولة.
_________________
(١) - نقطة العروس: مقدمة المحقق ص ٤٤، ٤٥.
[ ٢٠ ]
وقد قام الدكتور شوقي ضيف بنشر "نقط العروس في تواريخ الخلفاء" بمجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، العدد (١٣) المجلد الثاني، وذلك في شهر ديسمبر سنة (١٩٥١ م).
٦ - "المقتبس" لأبي مروان حيان بن خلف، شيخ مؤرخي الإسلام في الأندلس بلا نزاع، جده الأعلى وهب بن حيان كان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل. تولى والده خلف بن حسين منصب الوزارة في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وقد كان عالمًا راسخًا في العلم، مما كان له أعظم الأثر في تربيته لولده أبي مروان حيان بن خلف الذي عايش أحرج فترة في عمر الدولة الأموية وهي فترة الفتنة، ولم يغادر قرطبة، ولذا فقد نقل لنا أدق تفاصيلها، كما أنه تولى منصب صاحب الشرطة لابن جهور وبعد حياة مليئة بالأحداث توفي ابن حيان سنة (٤٦٩) هـ (١٠٧٦ م) (^١).
ولقد كان كتاب "المقتبس" مرافقًا للبحث في أكثر مراحله، ولذا فهو من المصادر المهمة التي لابد من الحديث عنها، وقد أفدت من القطع الأربع المنشورة من المقتس، لكن أهمها:
قطعة تبدأ من سنة (٢٣٢) هـ - (٢٦٧) هـ (٨٤٦ - (٨٨٠) م) وهي بذلك تشمل ست سنوات من عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ومعظم عهد ابنه الأمير محمد، وهذه القطعة قام بنشرها الدكتور محمود علي مكي، فقد ذكر ابن حيان في هذه القطعة إنشاء الأمير عبد الرحمن الأوسط
_________________
(١) - انظر، ابن حيان، المقتبس من أنباء أهل الأندلس، تحقيق وتقديم وتعليق: د. محمود علي مكي، ص ١٦ - ١٤٦ من مقدمة المحقق.
[ ٢١ ]
لبيت الوزراء وتنظيمه لأعمالهم، كما أورد خبر تقديم الوزراء الشاميين على نظرائهم البلديين، وعرَّفنا على الرسم الذي استُحدث لدى الأمويين فيما يتعلق بالجنائز. وانفرد بخبر اهتمام الأمير محمد بن عبد الرحمن بآلات اللهو والغناء وبالذات آلات الزمر وسؤاله الدائم عن أشهر أهل هذه الصنعة وجمعهم عنده، وأنه كان له مزمار خاص به.
وهناك قطعة خاصة بعهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، وهي تبدأ من سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م) إلى سنة ٣٣٠ هـ (٩٤١ م) وقد قام بنشرها كل من "بدروشالميتا"، "وفيدريكو كورينطي"، "ومحمود صبح"، وهذه القطعة مفيدة جدًا في معرفة الأسلوب الإداري الذي اتبعه عبد الرحمن الناصر والذي اعتمد فيه على السياسة المركزية المطلقة، وتبرز فيه التغييرات الوزارية الكثيرة في عهده، بحيث من النادر أن يبقى صاحب الخطة في خطته أكثر من سنة أو سنتين. كما انفرد بذكر "حجر الأعزة" وهو مكان في القصر مخصص لركوب الأمير أو الخليفة، ولا يمكن لأحد الركوب من هذا المكان إلا من أُنعم عليه بهذه المزية، كما ذكر خبر الاحتفال الذي أقامه الخليفة عبد الرحمن الناصر في معسكر الجيش بمناسبة وفادة الملكة "طوطه" عليه، عندما كان في إحدى غزواته لبلاد نصارى الشمال.
وهناك قطعة أخرى نشرها الدكتور عبد الرحمن الحجي، وهي خاصة بأحداث خمس سنوات غير كاملة من سني الخليفة الحكم المستنصر بالله، وتبدأ من سنة ٣٦٠ هـ (٩٧٠ م) إلى سنة ٣٦٤ هـ (٩٧٤ م)، وهذه
[ ٢٢ ]
القطعة اتكأ البحث عليها كثيرًا خاصة في ذكر الرسوم المتبعة في الاحتفالات التي تجري في الدولة، سواء بمناسبة جلوس الخليفة لتهنئته بالعيدين أو عند استقباله للسفارات والوفود، أو عند إجراء عرض عسكري بين يدي الخليفة، بالإضافة إلى انفراده بذكر رسوم عقد اللواء وكيفية تسليمه للقائد الذي سيخرج على رأس الجيش الغازي.
٧ - "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لأبي الحسن علي بن بسام الشنتريني، والمؤلف ينتسب إلى إحدى الأسر العريقة في شنترين " SANTAREM" وفيها نشأ وعاش صباه، ثم رحل إلى أشبونه سنة (٤٧٧) هـ (١٠٨٤ م) بعد أن ألَّف كتابه "الذخيرة" في إشبيلية سنة (٥٠٢) هـ (١١٠٩ م) (^١).
وكتاب "الذخيرة" يكاد يكون خاصًا بمجريات القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) اعتمد فيه على ابن حيان كما صرح هو بذلك، والكتاب مقسم إلى أربعة أقسام طبقًا للأقاليم الأندلسية، وقد أفدت منه كثيرًا لانفراده بذكر نصوص لابن حيان من كتابه "المتين" الذي لم يعثر عليه بعد، وهو بذلك يعتبر من أهم المصادر بالنسبة للبحث، فقد ذكر لنا الهيئة التي برز فيها الخليفة هشام المؤيد للناس في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وما كان يقوم به الوزير عيسى بن سعيد
_________________
(١) - آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة: د. حسين مؤنس، ص ٢٨٩.
[ ٢٣ ]
من بيع للمناصب الإدارية في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما انفرد في تقديم وصف للوزراء ولمن كان يلي خطة المظالم في عهد الفتنة.
وقد قام الدكتور إحسان عباس بتحقيق الكتاب وأخرجه في ثمانية مجلدات، وقامت الدار العربية للكتاب في: ليبيا-تونس، بنشره سنة ١٩٨١ م.
٨ - "البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" لأبي العباس أحمد بن عذاري المراكشي، والمؤلف يرجع إلى أصل مغربي، عاش في عصر الموحدين، وقد كان حيًا سنة ٧١٢ هـ (١٣١٢ م). وكتاب "البيان المغرب" يعد من أهم مصادر تاريخ المغرب والأندلس، إذ إنه يغطي فترة زمنية تمتد من الفتح الإسلامي للمغرب حتى سنة ٦٦٧ هـ (١٢٦٨ م) معتمدًا فيما يورده من أخبار على مصادر متعددة، الكثير منها لم يصل إلينا، مثل كتابي الرقيق القيرواني والوراق وغيرهما. والكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام نشرت في أربعة مجلدات بعناية: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال.
وقد اعتمد البحث كثيرًا على "البيان المغرب" خاصة المجلدين الثاني والثالث، لما تضمناه من معلومات هامة ذات صلة بكافة فصول البحث، وأهميته تتأكد بصورة أكبر متى ما عرفنا أنه قد أكمل النقص الذي سببه فقد بعض قطع المقتبس.
فمن خلال كتاب (البيان المغرب) أمكن معرفة الرسم المتبع عند خروج الأمير أو الخليفة للصيد أو النزهة، كما انفرد بخبر اشتراك أكثر من
[ ٢٤ ]
مسئول في منصب الحجابة وهو ما حدث في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله.
وقد أورد ابن عذاري في "البيان المغرب" خبرًا ربما لم يرد عند غيره، وهو الخبر الذي يدور حول احتفاظ أمراء وخلفاء بني أمية بذخائرهم ونفيس جواهرهم بطريقة سرية، وكيف تمكن المهدي الثائر من الوصول إليها والاستيلاء عليها جميعًا.
٩ - "أعمال الأعلام" للوزير لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد الشهير بابن الخطيب، من أصل قرطبي، ولد في "لوشة LOJA" سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م) وتلقى العلم في غرناطة، فبرز في كافة ميادينه، ثم التحق ببني الأحمر، فتولى الوزارة في دولتهم، ثم ذهب إلى المغرب وتنقل بين مدائنه، حتى لقي حتفه، فقد خنُق ثم أحرقت جثته، وذلك سنة ٧٧٦ هـ (١٣٧٤ م).
وكتاب "أعمال الأعلام" مقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول خاص بالمشرق وهو لا يزال مخطوطًا، والقسم الثاني خاص بالأندلس، والثالث خاص بالمغرب.
والقسم الثاني من الكتاب رافق البحث كثيرًا، فقد انفرد بذكر أسماء الشهود الذين سجلوا شهاداتهم في السجل الخاص، وذلك في الحفل الذي أقيم بمناسبة تعيين هشام بن الحكم وليًا للعهد، وأخذت البيعة من أولئك الشهود.
[ ٢٥ ]
كما أورد لنا ما فعله المنصور بن أبي عامر ببني أمية وكيف أخمل ذكرهم ومنع الناس من الاختلاط بهم، وكيف عمل على إرهاقهم بحملهم معه في غزواته حتى أشغلهم بأنفسهم.
والقسم الخاص بالأندلس نشره المستشرق الفرنسي "ليفي بروفنسال" تحت مسمى "تاريخ أسبانيا الإسلامية" وذلك في الرباط سنة ١٩٣٤ م، ثم أعيد نشره في بيروت سنة ١٩٥٦ م.
١٠ - "ذكر بلاد الأندلس" لمؤلف مجهول، يُرجَّح أنه كان حيًا في أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). والكتاب جاء في فصلين، الفصل الأول خاص بالحديث عن وصف مدن الأندلس وأقاليمها وذكر ما يمتاز به كل منها.
والفصل الثاني خاص بذكر من نزل الأندلس من الأمم والملوك، ابتدأ به من زمن الطوفان وانتهى به عند بداية عهد ملوك الطوائف.
واعتمد المؤلف على مصادر متعددة ذكرها في ثنايا الكتاب، وبعض هذه المصادر لم يصل إلينا مثل تواريخ كل من: ابن أبي الفياض والدولابي والرقيق والمزني وغيرها، ومن هنا ندرك أهمية المعلومات التي أوردها هذا المؤلف، رغم أن معلوماته جاءت حولية متميزة بالخطو السريع.
وقد أفاد البحث كثيرًا من هذا الكتاب، وبالذات فيما يتعلق بذكر نقوش خواتم أمراء وخلفاء بني أمية، إذ يكاد أن يكون هو الوحيد الذي اهتم بذكرها، كما أورد خبر إلغاء الحاجب المنصور بن أبي عامر لخاتم الخليفة هشام المؤيد بالله، واقتصاره على خاتمه الخاص.
[ ٢٦ ]
وقد قام "لويس مولينا" بنشر الجزء الأول من الكتاب مختصرًا لعنوانه الذي جاء في أكثر من سبعين كلمة، مكتفيًا بأول عبارة وردت في العنوان "ذكر بلاد الأندلس" وذلك في مدريد، سنة ١٩٨٣ م.
١١ - "نفح الطيب" لأبي العباس أحمد بن أحمد بن يحيى المقري، التلمساني، يعود أصله إلى بلدة "مَقَّره" بشرق الجزائر، ولد في تلمسان سنة ٩٨٦ هـ (١٥٧٨ م) وتلقى فيها وفي فاس علومه، وتنقل في بلاد المغرب والمشرق، حتى أدركته الوفاة سنة ١٠٤١ هـ (١٦٣٢ م) بمصر حيث دفن في مقبرة المجاورين. ولعل إعجاب المقري بالوزير لسان الدين بن الخطيب الدافع الأساسي له في تصنيف كتاب عنه، ثم رأى أن يمهد له بتاريخ عام للأندلس، فأتى كتابه الموسوعي "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب" على قسمين، الأول: خاص بالأندلس، والثاني خاص في التعريف بابن الخطيب.
وقد أفاد البحث كثيرًا من "نفح الطيب" فقد أورد معلومات لم ترد فيما سواه، من ذلك: الخبر المتعلق بكيفية تأديب الأمير عبد الرحمن الأوسط لولده المنذر الذي كان كثير الشك بمن حوله، معاقبًا لمن قدر عليه منهم، مكثرًا التشكي لوالده ممن ليس له قدرة عليهم.
كما أنه أفاد البحث في وصفه المسهب لبعض الاحتفالات الرسمية التي كانت تجريها الدولة الأموية، بالذات وصف الحفل الذي أقيم عند مبايعة الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالخلافة، كما أنه انفرد بخبر تشبه بني
[ ٢٧ ]
حمود بالعباسيين في مخاطبتهم للداخلين عليهم، فقد كان الخليفة الحمودي يتكلم من وراء الستر والحاجب يقوم بنقل كلامه لمن في المجلس.
ورغم أن كتاب "نفح الطيب" يفتقر إلى التنظيم في سرد المعلومات، فإن ذلك لم يمنع من أن يكون مصدرًا أساسيًا لجميع الباحثين في تاريخ الأندلس والمغرب، لأجل ذلك فقد نال عناية الكثير من المهتمين بالدراسات الأندلسية من المستشرقين، فقد قام دوزي (Dozy) ودوجا (Dogat) وغيرهما بنشر الجزأين الأولين من هذا الكتاب في مدينة ليدن فيما بين عامي ١٨٥٨ و١٨٦١ م.
كما نشر الكتاب في القاهرة سنة ١٢٧٩ هـ (١٨٦٢ م) بمطبعة بولاق في أربعة أجزاء. ثم أعاد نشره الشيخ محيي الدين عبد الحميد في عشرة أجزاء، بالقاهرة سنة ١٣٦٤ هـ (١٩٤٥ م)، وأخيرًا قام الدكتور إحسان عباس بإعادة تحقيق الكتاب ونشره في ثمانية أجزاء وطبع في بيروت سنة ١٣٨٨ هـ (١٩٦٨ م).
وإذا كانت الدراسة قد نهلت مادتها بالدرجة الأولى من المصادر، فإن ذلك لا يعني مطلقًا أنها كانت بمنأى عن الاستفادة من الدراسات الحديثة، فهي من نهاية جهود المؤرخين المحدثين ابتدأت، وعلى طائفة من تحقيقاتهم توكأت، وبمنهاج بعضهم اهتدت، فتم الاستعانة بما وقع تحت اليد من كتب ورسائل وأبحاث لها صلة بالموضوع، فقد كانت الفائدة عظيمة جدًا مما كتبه باللغة العربية على سبيل المثال لا الحصر. الأستاذ محمد عبد الله عنان، والدكاترة: حسين مؤنس ومحمود علي مكي ومحمد
[ ٢٨ ]
عبد الوهاب خلاف. ومن الدراسات الأجنبية ما كتبه المستشرق الفرنسي ليفي برفنسال.
ولا أنسى هنا أن أثني على جهد الدكتور هشام أبو رميلة في رسالته "نظم الحكم في الأندلس" إذ يكفي أنه أول من طرق هذا الموضوع من الباحثين العرب، وفتح لي مجالًا واسعًا للحديث عن نظم ورسوم الأمويين في الأندلس فجزاه الله تعالى خير الجزاء على جهده.
وليس هناك كلمات في ختام هذا التقديم ألذّ في النفس من الاعتراف بفضل الآخرين عليّ، "فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله".
ويتقدم من اعترف بفضلهم بعد الله تعالى جامعتنا الإسلامية الموقرة، ثم أستاذي الفاضل الدكتور عبد الله بن علي المسند، الذي تولى الإشراف على هذا البحث بعد أستاذيَّ الفاضلين: مصطفى محمد رمضان، ومحمد ضيف الله بطاينه، اللذان رافقا البحث في مراحله الأولى، فجزاهم الله عني خير الجزاء.
ولا يسعني إلا أن أعرب عن عظيم امتناني لأخي الدكتور/ شمس الله محمد صديق الذي كثيرًا ما ساعدني في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، كما أشكر أخي الدكتور طلال بن سعود الدعجاني على مساعدته لي بالحصول على بعض المصادر.
[ ٢٩ ]
وأسأله برحمته وفضله جل وعلا أن يجزي بالإحسان كل من وقف إلى جانبي حتى تم إنجاز هذه الرسالة.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الصافات (١٨٢).
سالم بن عبد الله الخلف
المدينة النبوية في ٠١/ ٠١/١٤١٦ هـ
[ ٣٠ ]