من بين الأعوان الذي يستعين بهم القاضي في مجلسه، الكاتب أو كاتب الجلسة، والعلة في اتخاذ القاضي للكاتب هو تسجيل الأحكام في ديوان القضاء، حفظًا للحقوق وقطعًا للإنكار من قبل البعض، بالإضافة إلى أنه لا يمكن للقاضي أن يتولى تسجيل الأحكام بيده، إذ أن ذلك يشق عليه كثيرًا، ولذا فلابد له من اتخاذ كاتب يتولى هذه المهمة عنه.
وقد كان كاتب القاضي محل اهتمام حكام بني أمية، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله كشف عن مدى اهتمامه بكاتب القاضي ونص على ذلك في الظهير الذي أصدره لمحمد بن إسحاق ابن السليم عندما ولاه قضاء الجماعة، فقد جاء فيه أنه "أمره أن يختبر كاتبه وحاجبه وخدمته، ويتفقد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره" (^١).
ونظرًا إلى أهمية العمل الذي يؤديه كاتب القاضي، فلابد أن يكون على دراية واسعة بمدلولات الألفاظ العرفية واللغوية (^٢)، "ويكون فقيهًا عدلًا يقظًا (^٣) " فهو بالفقه يتمكن من الحذف والاختصار من الكلام الزائد الذي يدلي به الخصمان، وهذا أمر لا يتقنه إلا من كان لديه إلمام طيب بالفقه، وفي هذا يقول الوليد الباجي: "وينبغي لكاتب القاضي أن
_________________
(١) - النباهي، ص ٧٦.
(٢) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٠.
(٣) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
يتولى عقد المقالات المتصرفة بين يدي القاضي، ويترك التطويل والإكثار ويقصد الإيجاز والاختصار في تقييد المقالات" (^١)، كما أن العدالة تجعله من أهل المروءة والأمانة فلا يعبث بنصوص الأحكام، فضلًا عن أن عدالته تمكن القاضي من الاستعانة بشهادته إذا احتاج إليها، واليقظة تجعل التغرير به أمرًا عسيرًا.
وعندما نقلب صفحات تراجم كُتَّاب قضاة الجماعة بالأندلس في عهد الدولة الأموية، نجد أنهم قد توافرت فيهم الشروط التي نص عليها الفقيه ابن العطار وهي: الفقه والعدالة واليقظة، بل إن بعضم وصل إلى منصب قاضي الجماعة، من هؤلاء محمد بن بشير فقد كان يكتب لقاضي الجماعة المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق فلقي الإمام مالك بن أنس، وجالسه وسمع منه، وطلب العلم بمصر، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم ضيعته بباجه، وبعد أن توفي المصعب بن عمران، تولى ابن بشير قضاء الجماعة (^٢).
وكذلك الفقيه عمرو بن عبد الله بن ليث القبعه، تولى الكتابة لقاضي الجماعة أحمد بن زياد، وبعد استعفاء ابن زياد أصدر الأمير محمد بن
_________________
(١) - فصول الأحكام، ص ١٩٥.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٨.
[ ٢ / ٧٠١ ]
عبد الرحمن أمره بتولية عمرو بن عبد الله قضاء الجماعة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤ م) (^١).
ومن هؤلاء الكُتَّاب من أصبح فيما بعد قاضيًا في إحدى الكور، منهم الفقيه أحمد بن إسحاق ابن مروان الغافقي، قرطبي كتب لقاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم ثم تولى القضاء بطليطلة وتوفي سنة (٣٧٢) هـ (٩٨٢ م (^٢».
وهذا الفقيه عبد الملك بن الحسن المعروف بزونان، تولى الكتابة لقاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي وذلك بإشارة من الفقيه يحيى بن يحيى الليثي (^٣)، ويذكر ابن حيان أن الفقيه القرطبي أبو بكر عبد الله بن محمد بن معدان كان كاتبًا لقاضي الجماعة أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث ومن قبله، وكان أمينهم على تنفيذ الوصايا، وقد توفي الفقيه ابن معدان يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة (٤٢٦) هـ (٢١ أكتوبر سنة (١٠٣٥) م) وصلى عليه القاضي يونس بن عبد الله (^٤).
ومما استعرضنا ذكره ظهر لنا أن أغلب كتَّاب قضاة الجماعة بقرطبة كانوا من الفقهاء الذين عينوا فيما بعد قضاة في قرطبة أو غيرها من مدن الأندلس، وذلك نتيجة إلمامهم في الفقه، وملازمتهم للقضاة.
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٦٧ - ٦٨.
(٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٧٠.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٥١.
(٤) - الصلة، ترجمة رقم ٥٨٨.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وننهي الحديث عن كاتب القاضي بأن تسجيل الأحكام القضائية قد شهد تطورًا تدريجيًا، ورغم وقوفنا على ما يوضح ذلك التطور بصورة تفصيلية، إلا أن نصًا أورده القاضي عياض يؤكد لنا حدوث عملية التطور تلك، فقد ذكر أن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز يقول إن الفقيه بقي بن مخلد قال: إن سجلات القضاء لدى قاضي الجماعة محمد بن بشير كانت دقيقة ولطيفة، والسجل لا يذكر فيه إلا لب القضية فقط في أسطر قليلة، بخلاف ما أصبحت عليه فيما بعد، إذ أخذت تمتاز بكثرة التفاصيل (^١).
وعملية التطور هذا حدثت في فترة لا تتجاوز ثلاثة أرباع القرن وهي الفترة الفاصلة بين وفاة قاضي الجماعة بن بشير سنة (١٩٨) هـ (٨١٤ هـ) ووفاة الفقيه بقي بن مخلد سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) ولاشك أنها شهدت فيما بعد مزيدًا من الإطالة والتفصيل، وكما يقول أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس عن تسجيلات الأحكام أنها "قد أصبحت في القرن الخامس مزيدة ومفصلة لكل جوانب القضية وأحكامها، ولعل نوازل ابن سهل خير مصداق لمنهج تحرير الأحكام وتسبيبها في تلك الفترة (^٢) ".
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٨٤.
[ ٢ / ٧٠٣ ]