بعد أن صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بعزل جعفر المصحفي عن الحجابة، وتنصيب ابن أبي عامر مكانه (^٢)، أمر الخليفة بإلقاء القبض على المصحفي وعلى ولده وأنسابه وابن أخيه هشام وسائر طبقته وأوكل أمر محاسبتهم إلى ابن أبي عامر، فصادرهم ونكل بهم وأول ما بدأ بهشام ابن أخي جعفر فقتله بالمطبق بالزهراء (^٣)، ثم اخذ يحاسب جعفرًا وصادره حتى اضطره إلى بيع داره التي بالرصافة، وهي من أعظم قصور قرطبة وقد تفنن ابن أبي عامر وصهره غالب في تعذيب جعفر وإعناته وإلحاق الإهانة به، حتى خبت نار حقدهما عليه، فأودعاه في المطبق بالزهراء إلى أن مات وأسلمت جثته لأهله سنة (٣٧٢) هـ (^٤) (٩٨٢ م).
_________________
(١) البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧.
(٢) ورد في ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٩ أن المنصور تولى الحجابة في أواخر ربيع الآخر سنة ٣٦٧ هـ.
(٣) - كان المنصور يحمل ضغينة على هشام هذا بوجه خاص، والسبب في ذلك يعود إلى ان المنصور عندما عاد من غزوته الثالثة احضر معه رؤوس القتلى، فما كان من هشام إلا أن أمر بسرقة تلك الرؤوس وألقاها بالنهر. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٦.
(٤) الذخيرة ق ٤ م ١، ص ٦٦ - ٦٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ٤٢٩ ]
وبعد هلاك المصحفي رسم المنصور بن أبي عامر لنفسه سياسة توصله إلى الاستبداد التام بالخلافة، فأسقط رجال دولة الخليفة الحكم المستنصر بالله من سائر الطبقات، ومزقهم، واتخذ عوضا عنهم رجالًا اطمأن إلى مدى إخلاصهم له، فسدوا مكان أسلافهم، ومحوا ذكرهم وأعانوا المنصور على مراده (^١).
ولم ينس المنصور موقف الصقالبة بعد وفاة الحكم المستنصر وعملهم على تنصيب المغيرة (^٢) بن عبدالرحمن الناصر بدلًا من هشام المؤيد (^٣)، ولذا
_________________
(١) الذخيرة ق ٤ م ١ ص ٦٦.
(٢) كان المغيرة بن عبدالرحمن الناصر فتى القوم كرمًا ورجلة، وكانت الأنظار معلقة به بعد أخيه الحكم المستنصر بالله، وبأمر جعفر المصحفي وتنفيذ ابن عامر، تم قتل المغيرة خنقًا في مجلسه ثم علقت جثته على هيئة المنتحر، ثم دفن في مجلسه، وذلك ليلة الاثنين لأربع خلون من شهر صفر سنة ٣٦٦ هـ، وكان عمره آنذاك سبعة وعشرون عامًا، كل هذا تم أمام أهله، رغم أنه كان قد بادر إلى إعلان بيعته لابن أخيه هشام المؤيد عندما أخبره ابن أبي عامر بوفاة أخيه الحكم المستنصر بالله. انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٥٨ - ٥٩. البيان المغرب، ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٣.
(٣) عندما توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله، لم يعلم أحد بموته إلا الفتى فائق المعروف بالنظامي صاحب البرد والطراز، وزميله جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، فعقدا العزم على أن يمكنا المغيرة بن عبدالرحمن الناصر من تولى الخلافة، على أن يجعل هشامًا ابن أخيه الحكم وليًا لعهده، وبذلك يضمن الصقالبة استمرارية مكانتهم في القصر، وفي الوقت نفسه يفون لمولاهم الخليفة الحكم بما أوصى به. واما مجلس الوصاية المكون من المصحفي وابن أبي عامر وصبح والدة هشام فهم حريصون على تولية هشام الخلافة، = =وكلا الطرفين الصقالبة وأعضاء مجلس الوصاية انطلق في موقفه من حساب دقيق للمصالح الخاصة، ولكن كما قال ابن عذاري عن موقف الصقالبة "وكان رأيا حسنا لو أراد الله به". انظر: البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ٤٣٠ ]
فقد كان على حذر منهم، فما أن ثبت قدمه بالسلطة حتى ابتدأ بهم فصادر أموالهم وحاسب كتابهم ومن يسير في ركابهم، وشتت شملهم نفيًا وقتلًا حتى هلكوا عن آخرهم (^١).
وبعد أن استفحل أمر المنصور وعظم شأنه وكثر حساده، قرر أن يتخذ لنفسه قصرًا ينزل فيه اتقاء لشر مكيدة يدبرها حساده، من جراء كثرة تردده على قصر الخليفة (^٢)، إضافة إلى حرصه على استكمال مظاهر الملوك (^٣)، ولذا فقد بدأ في سنة (٣٦٨) هـ (^٤) (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة حيث أقام فيها قصره، وبعد سنتين من ابتداء البناء "انتقل إليها واتخذ فيها الدواوين للأعمال، والحجر للغلمان، والسقائف للحراس، والقصور للولد والخاصة والاصطبلات للظهر والكراع، وعمل داخلها الأهراء الواسعة والخزائن الوثيقة، وانتقل إليها، ورتب فيها مقاعد الوزراء وسقائف العمال، وكتب بأن تجلب إليها الوظائف والجبايات والأموال" (^٥).
_________________
(١) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٦١.
(٢) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٥.
(٣) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.
(٤) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٥.
(٥) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.
[ ٤٣١ ]
وبعد أن انتقل المنصور إلى الزاهرة وانتقلت بانتقاله الدولة بأسرها، أصبح قصر الخلافة معطلًا، إذ سد المنصور بابه، وأحكم قبضته عليه، وأقام حوله خندقًا وسورًا منيعًا، ورتب الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمونه ليلًا ونهارًا ويراقبون حركات من فيه سرًا وجهارًا، وجعل في القصر أحد ثقاته لضبطه وبسط الأمر والنهي فيه وبذلك حجر المنصور على الخليفة الذي لم يبق له من وظائف الخلافة إلا نقش اسمه في السكة، والطرز والدعوة له في الخطبة (^١).
وكان المنصور يصدر أوامره باسم الخليفة، فكان يدخل إلى القصر ويخرج ويقول: "أمرني أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا (^٢) " ثم أراد
_________________
(١) انظر: ذكر الأندلس، ١/ ١٨٠. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٦.
(٢) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٩. وفي هذه الأثناء ساءت العلاقة بين الصهرين المنصور وغالب إذ أن الأخير غضب بسبب استبداد المنصور بأمور الدولة وحجره على الخليفة، والمنصور بدوره لايحتمل أن يرى له معارضًا، ولذا أخذ كل منهما يستعد للقضاء على الآخر، ولكن نظرًا لأن غالب كان يتفوق بالفروسية والشجاعة على المنصور، لذا فقد استنجد المنصور بجعفر بن علي بن حمدون المعروف بالأندلسي فقدم إليه من العدوة واستورزه المنصور، وجرت صدامات قوية بين غالب والمنصور انتهت بوفاة غالب في أوائل شهر المحرم سنة ٣٧١ هـ، ثم تخلص المنصور من جعفر بأن سلط عليه أبا الأحوص معن بن عبدالعزيز التجيبي فارس العرب فقتله، ثم قتل المنصور أبا الأحوص وبذلك انفرد بملك الأندلس وأصبح الشخصية التي لاتقاوم. انظر: نقط العروس، ص ٨١ - ٨٢. أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢ - ٦٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩. مفاخر البربر، ص ١٥.
[ ٤٣٢ ]
أن يستريح من كثرة الدخول على الخليفة ويستبد بالأمر فأشاع بين الناس بأن الخليفة، قد فوضه في تولي شئون الحكم لأنه يريد التفرغ للعبادة (^١).
ولقد كان المنصور يدرك بأن تصرفاته هذه لاترضى بني أمية، ولذا فقد أخذ حذره منهم فأصدر أوامره إليهم بلزومهم منازلهم ولم يسمح لهم بالركوب والخروج إلا لضرورة، وبث العيون من حولهم، وفرق الناس عنهم وأجبرهم على ملازمة أناس من ثقاته، ومنع أحدًا من الدخول عليهم، إلا أن يكون غلامًا أو وكيلًا أو معلمًا او طبيبًا، ولم يكتفي بذلك بل أخذ يصحبهم معه في غزاوته حتى أرهقهم وأهمتهم أنفسهم (^٢).
ولكي يسيطر على الدواوين ومايجري فيها، عين من عنده كاتبًا يدور في الدواوين وينقل إليه مايقع فيها (^٣)، وبالجملة فلم "يبق يدًا يحذر بطشها إلا شلها، ولاعينا بريبة نظرها إلا فقأها (^٤) ".
وبعد مضي سنة على سكنى ابن أبي عامر مدينة الزاهرة، قرر اتخاذ ألقاب الخلفاء "استيفاءً لرسوم الملوك (^٥) " ففي سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) اتخذ لقب "المنصور" وأصبحت الكتب تنفذ عنه على الصورة التالية: "من
_________________
(١) أعمال الأعلام، ٢/ ٦٢.
(٢) المصدر السابق، ص ٢/ ٧٧.
(٣) نفسه ٢/ ٧٧.
(٤) نفسه ٢/ ٦٥.
(٥) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.
[ ٤٣٣ ]
الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلى فلان (^١) " وأصدر أمره بأن يدعى له بهذا اللقب على كافة المنابر بالأندلس بعد ذكر الخليفة المؤيد والدعاء له (^٢) ومنذ ذلك الوقت أصبح الرسم يقضي بضرورة تقبيل يده، فأخذ الوزراء وكذا وجوه بني أمية ومن دونهم يمتثلون هذا الرسم (^٣)، بل فرض على الكل بأن تكون مخاطبته بلفظ "مولاي (^٤) "، ويصور لنا ابن عذاري شدة وطأة المنصور على رجال دولته وغيرهم بأنهم "إذا بدا لأبصارهم طفل من ولده قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلًا وعموا طرفه لثما (^٥) ".
بهذه الرسوم أصبح الحاجب المنصور مساويًا للخليفة بكل شيء ولافرق بينهما إلا في الاسم عند تصدير الكتب أو نقشه على السكة والطراز، بل إنه فيما بعد أمر بنقش اسمه على السكة وطرزه على القباب (^٦).
ويبدو أن المنصور كان إحساسه بالعظمة يزداد يومًا بعد يوم، فأصبح ينظر إلى الحجابة نظرة ازدراء، وشعر بأنها لاتليق بمكانته وهو
_________________
(١) نفس المصدر والصفحة.
(٢) ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٨١.
(٣) البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.
(٤) المصدر السابق، ٢/ ٢٧٩.
(٥) نفس المصدر والصفحة.
(٦) تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٨.
[ ٤٣٤ ]
الحاكم المطلق بالأندلس، ولذا فقد قرر التنازل عن هذا المنصب تمهيدًا للاستيلاء على منصب الخلافة، فأصدر أمره سنة (٣٨١) هـ (٩٩١) بترك اسم الحاجب واقتصر على لقب "المنصور" فأصحبت الكتب تنفذ منه بهذه الصورة: "من المنصور أبي عامر وفقه الله إلى فلان (^١) " بحذف اسم الحجابة، ورشح ولده عبدالملك لتولي الحجابة بالإضافة إلى القيادة العليا وكافة الخطط التي كان يشغلها (^٢)، كما قدم ولده الآخر عبدالرحمن للوزارة (^٣).
حقق المنصور كل مايصبو إليه، وبسط نفوذه على سائر السلطات السياسية والعسكرية بالأندلس، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة ليكمل مراده، وذلك عندما يعلن نفسه خليفة بدلًا من هشام المؤيد، ويدفعه إلى فعل ذلك نجاحه في تجاوز العقبات التي اعترضته، ويؤيده في ذلك جيش هو عماد دولته، وفي الوقت نفسه يدين له بتكوينه وتنظيمه، إذ أنه أسس جيشًا كما يريد، وفي هذا الخصوص يقول ابن عذاري: "استبدل المنصور جند الأندلس بالبربر فأقام لنفسه جندًا اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه (^٤) " إلا أن العقبة الحقيقية التي كان المنصور يخشاها تتمثل بالرعية، فهو يخشى ثورتها في وجهه عندما يعلن نفسه خليفة بدلًا من خليفتهم
_________________
(١) البيان المغرب، ٢/ ٢٩٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٩٣.
(٣) نفس المصدر والصفحة.
(٤) البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.
[ ٤٣٥ ]
المؤيد لتعلقهم به من جهة، وللطرق الملتوية التي أوصلت ابن أبي عامر إلى ماوصل إليه من جهة أخرى، ولذا عمد المنصور إلى استشارة خواصه في هذا الموضوع.
وقد ذكر ابن حزم أن المنصور عقد اجتماعًا مع كبار أهل قرطبة ليري موقفهم مما عزم عليه، وكان من بين المدعوين لحضور هذا الاجتماع ابن عياش وابن فطيس بالإضافة إلى والد ابن حزم ومن الفقهاء محمد بن يبقى بن زرب وأبو عمر بن المكوي (^١) والأصيلي (^٢)، يقول ابن حزم: "فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له، وأما أبي ﵀ فقال له: إني أخاف من هذا تحريك ساكن، والأمور كلها بيدك، ومثلك لاينافس في هذا المعنى، وأما محمد بن يبقى بن زرب فإنه قال له: وصاحب الأمر
_________________
(١) أبو عمر أحمد بن عبدالملك بن هاشم الإشبيلي، المعروف بابن المكوي، مولى بني أمية، انتهت إليه رياسة العلم بقرطبة، كان فقيهًا معظمًا، ومفتيا مقدمًا، رفض مرتين أن يلي قضاء الجماعة، لكنه تولى الشورى، ولم يزل معظمًا عند الناس، رفيع الذكر بينهم، حتى توفي فجأة ليلة السبت، ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ٤٠١ هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٣١. ترتيب المدارك، ٧/ ١٢٣ - ١٣٥. الصلة، ترجمة رقم ٣٨.
(٢) أبو محمد عبدالله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي، من أهل أصيلة، من كبار أصحاب الحديث والفقه، تولى الشورى في آخر أيام الحكم المستنصر بالله، وكان الأصيلي حرج الصدر، ضيق الخلق، عالمًا بالكلام والنظر، توفي ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ٣٩٢ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٦٠. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٥٤٢. ترتيب المدارك، ٧/ ١٣٥ - ١٤٥.
[ ٤٣٦ ]
ماشأنه؟ فقال له: لايصلح لهذا، فقال له: يرى ويجرب، فقال له: أفي مسائل الفقه؟ يريد أن يسأله، قال: لا، ولكن في مسائل السياسة وتدبير المملكة، قال: فإن لم يقم، قال: ينظر في قريش، فأعرض عنه مغضبًا ونظر إلى الأصيلي وإلى ابن المكوى، فقال له الأصيلي: يامولاي عربي ضابط خير من قرشي مضيع، قال: فنظر إلى ابن المكوى: فجعل يضحك له ويقول: يامولاي ومثلك يفكر في هذا وأنت الكل وكل شيء بيدك، وإنما يرغب في الأسماء من لايحقق، والمدار على الحقيقة، وهي بيدك، فسكت ابن أبي عامر، وقاموا واحدًا واحدًا (^١) " وبهذه المشورة وقف المنصور على حقيقة الأمر فعدل عن رأيه، لأنه خشي من هيجان شعبي يودي به وبدولته.
وتمهيدًا للوصول إلى الخلافة أصدر المنصور أوامره سنة (٣٨٢) هـ (٩٢٢ م) تقريبًا بإلغاء خاتم الخليفة هشام المؤيد من الكتب واقتصاره على خاتمه الخاص (^٢)، لطمس أي ذكر للخليفة.
بعد هذه الخطوات اتخذ المنصور خطوة هامة، فقد أصدر أوامره سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) بأن يخص وحده بلفظ "السيد" دون سائر الناس بالأندلس، فتليت الكتب بهذا الخصوص على منابر الأندلس، واستمر هذا
_________________
(١) نقط العروس ص ٧٧، ومن المؤكد أن هذه القصة وقعت أحداثها في سنة ٣٨١ هـ إذ أن القاضي محمد بن يبقى بن زرب توفي في شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ. انظر: ابن الفرضي: ترجمة رقم ١٣٦٣.
(٢) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤.
[ ٤٣٧ ]
الرسم بقية حياته، وطيلة تلك الفترة كان يخاطب: بـ"الملك الكريم" وبولغ في تعظيمه وتكريمه (^١).
وبعد هذه الأحداث، ساءت العلاقة بين الخليفة المؤيد والمنصور، وشاع بين الناس أنه يريد أن يسطو على منصب الخلافة (^٢)، وكان لصبح والدة الخليفة دورها في نشر تلك الشائعات بواسطة دعاتها وأعوانها (^٣)، واشتدت العداوة بين أهل قصر الخليفة ومن في قصر المنصور، وحاول المنصور أن يقضي على تلك العداوة، فطرد العديد من الخدم المتواجدين في قصر الخليفة، ولم يترك إلا ثقاته، ومع ذلك فقد شدد عليهم في الحراسة وبث العيون التي عملت على إحصاء أنفاسهم (^٤).
ولمواجهة المنصور استنجدت صبح والدة الخليفة بزيري بن عطية (^٥)، وبعثت إليه بثمانين ألف دينار سرًا (^٦)، وعندما علم المنصور بذلك، جمع
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.
(٢) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٠ - ٧١.
(٣) دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٥٥٥.
(٤) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٧١.
(٥) زيري بن عطية، زعيم زناته، وفد على المنصور قادما من العدوة حوالي عام ٣٨٠ هـ، فاحتفل المنصور بقدومه، ثم غادر زيري إلى العدوة، وساءت علاقته بالمنصور بسبب تسلط الأخير على الخليفة المؤيد، وجرت حروب شديدة في العدوة المغربية بين زيري وقادة المنصور، كان آخرها المعركة التي جرت يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ٣٩١ هـ والتي على أثرها مات زيري بن عطية متأثرًا بجراحه التي أصيب بها في تلك المعركة. انظر: مفاخر البربر، ص ٢٢ - ٣٢.
(٦) مفاخر البربر، ص ٢٧. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٥٥٥.
[ ٤٣٨ ]
كل رجاله فاتفقت كلمتهم على ضرورة بقاء كل الأموال عند المنصور لأنه على حفظها أقدر، إلا أن علة ألمت به اضطرته إلى تأخير نقل بيت المال إلى الزاهرة واستغل أعداء المنصور هذا الوضع الطارئ، "فراسلوا حاشية الخليفة سرًا، وجهزوا للقيام عليه، فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم (^١) " وبالنهاية تمكن المنصور بواسطة قوة عسكرية جهزها بقيادة ولده عبدالملك من نقل بيت المال إلى الزاهرة وذلك في جمادى الأولى سنة (٣٨٦) هـ (يونيو (٩٩٦) م) في حين تعذر عليهم الوصول لبيت مال الخاصة لوقوف السيدة صبح أم هشام دونه (^٢).
وبعد أن عوفي المنصور من علته، ركب إلى الخليفة هشام المؤيد، ووصل إلى مجلسه وبصحبته كبار رجال دولته، ولأنه أدرك مافي نفوس الناس وحبهم لرؤية هشام (^٣)، عمل على استغلال هذه النقطة لصالحه، فأبرزه للناس في أحد أيام الجمع من سنة (٣٨٧) هـ (٩٩٧ م) فصلى بجامع قرطبة ولم يكن لهشام عهد بشهود صلاة الجمعة -بسبب الحجر المفروض عليه من المنصور- وبعد الصلاة توجه الجميع إلى الزاهرة وهناك جددت
_________________
(١) الذخيرة، ق ١ م ٤ ص ٧٢.
(٢) المصدر السابق، ق ٤ م ١ ص ٧٢. وانظر: ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤.
(٣) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٣.
[ ٤٣٩ ]
البيعة للخليفة هشام المؤيد (^١)، وبالمقابل تبرأ الخليفة من الملك لبني عامر وولى المنصور الإشراف التام على شئون الدولة (^٢).
وأظهر المنصور الإشفاق على الخليفة من بني أمية، ولذا عمد إلى الفتك بهم "حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، ثم فرق باقيهم في البلاد، وأدخلهم زوايا الخمول عارين من الطراف والتلاد (^٣) ".
وأخيرًا فرغم مابلغه المنصور بن أبي عامر من رفعة وسؤدد، حتى أضحى الرجل الأول بالأندلس قاطبة، إلا أنه في الواقع كان يحتمي باسم الخليفة هشام المؤيد ليضمن عدم المعارضة وتسيير أموره كما يريد، ولولا هذا لما وصل إلى ما وصل إليه. فمن ذلك أنه هو القائل مادحًا ذاته: -
تلاد أمير المؤمنين وعبده … وناصحه المشهور يوم المفاخر (^٤)
وقد تناول قضية احتماء المنصور باسم المؤيد الخليفة، الأمير عبدالله في مذكراته، فقال: "كان المنصور بن أبي عامر على دقة شأنه، ولأنه لم يكن من أهل بيت المملكة فيستحقها عن الآباء ولاكانت به قدرة على الدنيا، فقد حصل على عظائم الأمور بدهائه، ومخرقته على العامة، مع ماهيأت السعادة له، وكانت أقوى الأسباب في سلطانه، ولولا قيامه بدعوة الخليفة، وإظهاره الإنخضاع له في جميع مايأتي ويذر إلى طاعته
_________________
(١) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) انظر: الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٧٣. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٨٥.
(٣) نفح الطيب، ١/ ٥٩١.
(٤) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٧٨.
[ ٤٤٠ ]
وإقامة أوده، وتوليته الحجابة والوزارة وإخماله لأهل الدولة الحكمية، وتقصيهم بالقتل، متأولًا في ذلك أن دولته تصفو به ويقوى سلطانه، وأن بقاءهم في كثرة الخلاف، وإيثار الفتن وهلاك المسلمين، حتى اتسق له ماأمل، وبلغ من ذلك الغاية القصوى، ولو أن أحدًا اشتهر ببعض ماأتى هو به دون تعلق بسبب، أو إظهار طاعة لكان قتل من ساعته، ولو كان من أهل بيت الخلافة (^١) ".
والحق أن المنصور لم يكن يحتمي باسم الخليفة فقط، بل كان يخشى أن يظهر من الخليفة مايقضي على مالديه من الآمال والتطلعات، وينزع سلطانه منه، ولقد كانت هذه القضية تسبب له أرقًا يفقده لذيذ النوم، ولذا فقد كان يفرط في السهر، وعندما عاتبه فتاه شعله على ذلك محذرًا إياه من مغبته، أفصح المنصور عما في نفسه حيث قال: "ياشعلة، حارس الدنيا لاينام إذا نامت الرعية، لو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد عين نائمة، ولو كنت من صاحب القصر [وأشار ناحية الخليفة] على مثل مسافة بسطة لأحرمت النوم، فكيف وإنما بيننا مدى صيحة (^٢) ".
وبعد وفاة المنصور بن أبي عامر قام بأمر الدولة من بعده ابنه عبدالملك، حيث زار الخليفة المؤيد، ونعى إليه والده المنصور، فلاطفه
_________________
(١) عبدالله بن بُلقين، كتاب التبيان "مذكرات الأمير عبدالله" (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة، دار المعارف، ١٩٥٥) ص ١٥.
(٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٧٦.
[ ٤٤١ ]
الخليفة ثم أصدر أوامره بأن يتولى عبدالملك الحجابة مكان أبيه (^١)، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (^٢) (أغسطس (١٠٠٢) م) وخلع عليه (^٣)، وأخرجت الكتب بهذا الخصوص وتليت على منابر الأندلس والمغرب (^٤) وبعد أن أحكم عبدالملك قبضته على البلاد سار على نهج والده تجاه الخليفة المؤيد، فقد حجر عليه طوال أيامه حتى أنه لم يشهد صلاة قط (^٥)، إلا أنه كان يكثر من إخراجه للنزهة ولكن وفق ماكان المنصور يفعل معه من قبل (^٦).
وقد سلك عبدالملك بن المنصور سبيل التدرج في طلب الألقاب الملوكية، والرتب السلطانية، وهو النهج الذي سار عليه والده من قبل (^٧)، فبعد أن مضى على توليه الحجابة خمس سنين وثلاثة أشهر، أثبت خلالها جدارته في هذا المنصب، ووقرت محبته في قلوب الناس، بدأ يطلب منحه ماكان يخطط له، ففي شهر ذي الحجة من سنة (٣٩٧) هـ (أغسطس
_________________
(١) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٨.
(٢) البيان المغرب، ٣/ ٣.
(٣) نفح الطيب، ٣/ ٩٤.
(٤) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٤.
(٥) الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٨٢.
(٦) المصدر السابق، ص ٨٢ - ٨٣.
(٧) البيان المغرب، ٣/ ١٥.
[ ٤٤٢ ]
١٠٠٧ م) وصل إلى قرطبة بعد أن قاد المسلمين في غزوة قلونية (^١)، وبعد أن استشار خاصته فيما سوف يلتمسه من الخليفة من الألقاب، وجه الحاجب إلى الخليفة دعوة للنزهة في الزاهرة، وذلك في أوائل الشهر المحرم من سنة (٣٩٨) هـ (^٢) (سبتمبر (١٠٠٧) م) فوصل الخليفة إلى الزاهرة على السبيل المعهود منذ أيام المنصور (^٣)، ثم انفرد به عبدالملك، وطلب منه أن يصدر مرسومًا ينعم به عليه بلقب "المظفر" وأن يكنى في جميع مايجري به ذكره بأبي مروان … وأن يثني وزارة ابنه محمد فيصيره بها ذا الوزارتين ويعلي بذلك مرتبته على سائر الوزراء (^٤)، فما كان من الخليفة إلا الموافقة على طلب الحاجب، بل زاد على مراده بأن كنى ابنه محمدا بأبي عامر كنية جده، حرصًا من الخليفة على إدخال المسرة على حاجبه (^٥).
وفي النصف من شهر المحرم سنة (٣٩٨) هـ (أغسطس (١٠٠٧) م) ركب الخليفة -وفق الطريقة المعهودة- متجهًا نحو قصر ناصح بالزاهرة (^٦)، وبعد أن قر به المقام بالقصر، استدعى حاجبه عبدالملك
_________________
(١) المصدر السابق، ٣/ ١٤.
(٢) نفسه ٣/ ١٦.
(٣) اعمال الأعلام، ٢/ ٨٨ أي أنه كان مستخفيًا عن عيون الناس لابسًا للبرنس والحاجب قد طرد الناس من أمامه.
(٤) البيان المغرب، ٣/ ١٦.
(٥) المصدر السابق ٣/ ١٦.
(٦) نفس المصدر والصفحة.
[ ٤٤٣ ]
وناقشه في بعض الأمور، وبعد أن غادر عبدالملك المجلس صدر من الخليفة المرسوم التالي، يقال أنه كان بخط يده: -
"بسم الله الرحمن الرحيم، من هشام المؤيد، أتم الله عليك نعمته وهنأك قسمه وألبسك عفوه وعنايته، لما رأيناك - سلمك الله - من صنع الله الجسيم، وفضله العظيم، لنا عليك ما شفى الصدور، وأقر العيون، استخرنا الله في أن سميناك المظفر .. كذلك أبحناك التكني في مجالسنا ومحافلنا، وفي الكتب الجارية منك وإليك في أعمال سلطاننا، وسائر ما يجري فيه اسمك معنا ودوننا، .. كذلك شرفنا فتاك أبا عامر محمد بن المظفر تلادنا أسعده الله بالإنهاض إلى خطة الوزارتين، وجمعناه بها في التكني على المشيخة، والترتيب إثرك في الدولة لأنك تربيتنا، وسيف دولتنا … (^١) ".
_________________
(١) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٨ وانظر: البيان المغرب، ٣/ ١٦، هذا هو أسلوب العامريين مع الخليفة المؤيد، فأي واحد منهم، عندما يريد من الخليفة استصدار أمر فيه رفعة له، فإنه يجتمع به على انفراد، ويملي رغبته عليه، وبعد عدة أيام يستدعي الخليفة حاجبة صاحب الطلب، ومن ثم ينعم عليه بمراده، مظهرًا للناس أن هذا تم بإنعام منه، وأنه هو الذي يدبر الدولة، والحاجب لا شك حريص على هذا الأسلوب لأن في صدور مرسوم من الخليفة بالإنعام عليه في شيء ما، مهم بالنسبة لوضعه بين الناس فضلًا عن إضفائه الصفة الشرعية على ما حظي به الحاجب.
[ ٤٤٤ ]
وبهذه المناسبة أظهر الحاجب المظفر السرور بما أصدره الخليفة، فاحتفل لذلك احتفالًا خاصًا وزعت فيه الصلات على جميع الأجناد (^١).
وبعد هذا المرسوم أصبحت الكتب التي تصدر من عبد الملك بن المنصور وفق الصورة التالية: "من الحاجب المظفر سيف الدولة أبي مروان عبد الملك بن المنصور (^٢) " وبذلك يكون عبد الملك أول من اجتمع له لقبان من حجاب الأندلس وسار على إثره في اتخاذ لقبين من جاء بعده من ملوك الفتنة (^٣).
وهكذا ظل الحاجب المظفر يمارس سلطاته بالأندلس حتى وافته المنية يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر صفر سنة (٣٩٩) هـ (^٤) (أكتوبر ١٠٠٩) وقيل بأنه قد دُسَّ له السم من قبل أخيه عبد الرحمن (^٥).
وبعد وفاة المظفر قام بالأمر أخوه عبد الرحمن، حيث ضبط المدينة الزاهرة، وجلس مجلس أخيه المظفر، واستقبل المهنئين، ثم توجه إلى الخليفة ونعى إليه أخاه، فعزاه الخليفة وقلده الحجابة بعد أن خلع عليه (^٦)، وعندما وصل إلى الزاهرة جلس لاستقبال المهنئين، وبعد عشرة أيام من استلامه
_________________
(١) البيان المغرب، ٣/ ١٧.
(٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٩.
(٣) المصدر السابق، ٣/ ١٧.
(٤) أعمال الأعلام، ٢/ ٨٩.
(٥) البيان المغرب، ٣/ ٣٧.
(٦) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٠.
[ ٤٤٥ ]
الحجابة منحه الخليفة لقب المأمون مضافًا إلى اسمه الأول ناصر الدولة كما شرفه بالتكنية، وأصدر الخليفة في ذلك مرسومًا بخط يده، جاء في العنوان "الحاجب المأمون ناصر الدولة أبو المطرف، حفظه الله، بسم الله الرحمن الرحيم أدام الله حفظك، وأحسن على الصلاح عونك، … تسميتك في كتبنا إليك وتحليتك بالمأمون في مخاطبتك زائدًا على أول أسمائك … فاعتمل فيما ينفذ من الكتب عنك وإليك على عنوان كتابنا هذا إليك (^١) " وأمر الخليفة بإنقاذ هذه الرقعة إلى الوزير الكاتب جهور بن محمد، ليثبت هذه التسمية في الأزمة، وتكون معتمدة رسميًا في المخاطبة، وتنفذ في ذلك الكتب لتتلى على منابر الأندلس كافة (^٢).
وفي يوم الثلاثاء (١٤) من ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (١٧ نوفمبر (١٠٠٨) م) توصل عبد الرحمن بن المنصور إلى استصدرا مرسوم من الخليفة يقضي بتعيينه وليًا للعهد، بعد أن أقنع الخليفة بضرورة ترقيته إلى هذا المنصب، محتجًا بالقرابة التي تربطهما من جهة الأم (^٣). وفي الوقت نفسه
_________________
(١) البيان المغرب، ٣/ ٤١.
(٢) المصدر السابق، ٣/ ٤١.
(٣) نفسه ص ٣/ ٤٢، وأما عن القرابة التي بين المؤيد وعبد الرحمن فهي كما يلي: - شاع في الأندلس زواج المسلمين من نصرانيات، وكانت هناك مصاهرات بين حكام الأندلس والشمال الأندلسي ومن ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر تزوج بامرأة بشكنسية تدعى "صبح" Aurora فولدت هشام المؤيد، كما أن المنصور بن أبي عامر قد تزوج من ابنة شانجة بن غرسيه " Sancho Gures II" ملك بلاد النافار التي عاصمتها بمبلونه Pamplona وتعرف بالمصادر الأندلسية باسم "عبد هـ" أثنت عليها المصادر وهي أم عبد الرحمن وهي التي أطلقت عليه اسم "شنجول" تصغيرًا لاسم أبيها وتدليلًا لابنها. انظر: اعمال الأعلام، ٢/ ٤٢، ٦٦، ٧٣. البيان المغرب، ٢/ ٢٥٣، ٣/ ٨٣، الحلة السيراء، ١/ ٢٧٢ حاشية رقم ١. محمد عنان، تراجم إسلامية شرقية وأندلسية. (القاهرة، مكتبة الخانجي، ط الأولى، ١٣٩٠ هـ /١٩٧٠ م) ص ١٩٩ - ٢١١.
[ ٤٤٦ ]
دس إليه من خوفه بأنه ينوي الفتك به إن لم يجعله وليًا للعهد (^١). فأصبح عبد الرحمن بن المنصور يدعى له بولاية العهد على المنابر في الخطبة بعد الدعاء للخليفة مع بقية الألقاب التي منحه (^٢). وبذلك تخلى عبد الرحمن عن الحجابة إذ قلدها ولده عبد العزيز مجموعة له بسيف الدولة لقب عمه المظفر، حيث ظل في هذا المنصب طيلة حياة والده (^٣).
ولم تقف طموحات عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول السريعة الخطى عند الوصول إلى منصب ولاية العهد، بل كان يريد الوثوب على الخلافة بأقصر وقت، وبأي وسيلة ففي شتاء سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) خرج على رأس جيشه متجهًا إلى الشمال الأسباني (^٤)، وكان على شرطته أحد سفال قرطبة يقال له: ابن الرسان (^٥)، فإذا سكر شنجول أمر صاحب شرطته بأن ينادي في الجيش: يأمركم أمير المؤمنين بكذا
_________________
(١) البيان المغرب، ٣/ ٣٩.
(٢) أعمال الأعلام، ٢/ ٩٣.
(٣) المصدر السابق، ٢/ ٩٤.
(٤) نفسه، ٢/ ٩٦.
(٥) البيان المغرب، ٣/ ٤٩.
[ ٤٤٧ ]
وكذا، فإذا عاد سأله عن رد فعل الناس فيخبره أنهم غير مبالين، فيأمره عندها بتكرار النداء مرات ومرات (^١) متلذذًا بسماع ذلك، إلا أن هذه اللذة لم يكتب لها الاستمرار، إذ هبت نيران الفتنة بقرطبة بقيادة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الملقب بالمهدي، فعاد شنجول نحو قرطبة، وعندما بلغ قلعة رباح تبرأ من ولاية العهد وأعلن اقتصاره على الحجابة وأرسل كتابًا بذلك لكن أحدًا لم يأبه به (^٢)، فعزم على دخول قرطبة، وأصر على ذلك، رغم نصيحة البعض له بالفرار (^٣)، فكان في إصراره حتفه، إذ قتل بمنزل هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب صلاة المغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (٤ مارس سنة (١٠٠٩) م) (^٤).