إن من العسير إعطاء رقم صحيح لعدد أفراد الجيش الأموي بالأندلس بكافة فئاته وطوائفه، إذ أن المصادر تعنى بالتشكيلات العسكرية المختلفة للجيش المتجه للغزو.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك جيش خاص بالثغور وآخر خاص بالعاصمة، وقد عرف الأخير باسم "جيش الحضرة" الذي أمدنا ابن حيان ببيان تفصيلي عن تقسماته في عهد الخليفة الحكم المستنصر، فذكر منها (^٢) "طبقات الجند من القرطبيين والزهراويين" "وبياض الجند الأندلسيون والطنجيون" و"طبقات العبيد الخمسيون" و"الصيديون" و"أكابر الخمس" و"فرسان الرياضة" و"رجالة الأرباض" و"العبيد الجعفريين".
_________________
(١) - سراج الملوك، ص ٢٢٩، أعمال الأعلام، ٢/ ١٠١.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٣٠، ٤٠، ٤٨، ٥٠، ٥١، ٧٨، ٩١، ١٢٠، ١٣٦، ١٣٧، ١٥٦، ١٧٤، ١٩٠، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ١٩٩، ٢٢٣.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وقد كانت الكور المجندة تشكل ركيزة أساسية من ركائز القوة العسكرية بالأندلس، ولدينا بيان أورده ابن حيان (^١) وضح فيه العدد الذي تؤمنه كور الموسطة للصائفة المتجهة إلى الشمال النصراني، فذكر أن: -
كورة إلبيرة قدمت (٢٩٠٠) فارس، جيان (٢٢٠٠) فارس، قبرة (١٨٠٠) فارس، باغة (٩٠٠) فارس، تاكرنا (٢٦٩) فارس، الجزيرة (٢٩٠) فارس، إستجه (١٢٠٠) فارس، قرمونة (١٨٥) فارس، شذونه (٦٧٩٠) فارس، رية (٢٦٠٧) فارس، فريش (٣٤٢) فارس، فحص البلوط (٤٠٠) فارس، مورور (١٤٠٣) فارس، تدمير (٢٥٦) فارس، ربينة (١٠٦) فارس، قلعة رباح وأوريط (٣٨٧) فارس، حصن شندلة (١١٣) فارس، وأما قرطبة التي تركت لهمة أهلها فقد كانت تنفر منها أعداد هائلة (^٢).
ورغم حرص حكومة قرطبة على أن تلتزم كل كورة بما تقدمه من فرسان، إلا أن الوضع السياسي العام للدولة له أكبر الأثر في أعداد أولئك الفرسان، ففي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان عدد الجيش مائة ألف فارس منهم عشرون ألفًا بدروع الفضة (^٣)، وأما في عهد الأمير عبد الله بن محمد فقد كانت الدولة تعيش فترة مضطربة، بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي اندلعت في أرجاء الأندلس، مما قلص نفوذ الإمارة كثيرًا بحيث لم يعد يتجاوز قرطبة وما جاورها، حتى أن الأمير عبد الله عندما
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢٧٣.
(٣) - ابن الكردبوس، ص ٥٧. ابن أبي دينار، ص ٩٩.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
خرج سنة (٢٧٨) هـ (٨٩١ م) لمواجهة ابن حفصون كان تعداد القوة التي رافقته أربعة عشر ألف رجل بمن فيهم جنده والحشم والموالي والمطوعة والمرتزقة (^١). بل إن قائده الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ كان يخوض معاركة بثلاثمائة فارس انتخبهم من خيرة المدونة (^٢).
وعلى العكس من عصر الأمير عبد الله نجد أن الجيش أصبح تعداده هائلًا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، إذ أدرك منذ وصوله للحكم معنى توفر قوة عسكرية ضاربة لدى حكومته، فعمل على إصلاح الجيش وحشد الجند، حتى أنه كان ينفق ثلث خزينة الدولة على جيشه (^٣)، حتى أصبح لديه أفضل جيش في العالم (^٤) ولنا أن نتصور ضخامة الجيش الذي خاض معركة "الخندق" بعد أن حُشر له الناس حشرا (^٥)، وإذا كان عدد قتلى المسلمين في المعركة بلغ أربعين أو خمسين ألف (^٦)، فكم سيكون العدد الكلي للجيش إذن؟
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٠٤. العرب في إسبانيا، ص ٨٩.
(٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٢٩.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣١.
(٤) - مختصر تاريخ العرب، ص ٤٢٠.
(٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٣.
(٦) - العرب في إسبانيا، ص ١٠٨. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٤١٤.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
ونظرًا لاهتمام المنصور بن أبي عامر بجلب المرتزقة من كافة الطوائف، فقد ازداد عدد الجيش في عهده، حتى أن عدد الفرسان في بعض صوائفه بلغ ستة وأربعين ألف فارس (^١).
وقد كان على أهل قرطبة وأقاليمها ضريبة تعرف بـ"ضريبة الحشود والبعوث" عليهم إخراجها كل سنة للصوائف الغازية للمالك النصرانية في الشمال، ويتولى الوزير صاحب المدينة مسئولية إخراج الناس لتلك البعوث، ولا يمكن أن يتخلف أحد قادر على حمل السلاح إلا إذا كان لديه عذر شرعي أو أغلق عليه داره، بعلم الوزير صاحب المدينة، شريطة ألا يغادر منزله إلا بعد عودة الجيش من الغزو (^٢)، كما يتولى صاحب المدينة مسئولية حشد فتيان قرطبة القادرين على حمل السلاح، وذلك في المناسبات التي تقام فيها استعراضات عسكرية (^٣).
ولم تلغ ضريبة الحشود والبعوث عن أهل قرطبة إلا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ترك الأمر عائدًا لهمة أهلها، إلا في حالة تعرض البلاد لهجوم مفاجئ من أي جهة كانت، ثم أعيدت هذه الضريبة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (^٤)، وأصبح المتطوعة يشكلون قوة رئيسة في الجيش لديه، وقد كثرت أعدادهم في جيشه، حتى أن "جموعهم إذا
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٤ - ٤٥.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٧ - ٤٨.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧١.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
توافت، وأعدادهم إذا تكاملت تضيق عنهم بلاد العدو ولا تسعهم غلاتها، ولا ترويهم مياهها (^١) "، وقد توقف العمل بتلك الضريبة بعد معركة الخندق (^٢)، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) اقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٤٩.
(٢) - وذلك لأن القتلى والأسرى في تلك المعركة كان جلهم من المتطوعة انظر: المقتبس، تحيقيق: شالميتا ص ٤٣٦. اهتم الأندلسيون بأمر التطوع، ووصل الأمر ببعضهم أن وضع أقوالًا نسبها إلى النبي ﷺ كلها تحض على الجهاد في الأندلس، كما أن المرابطة في الثغر إلى نيل الشهادة كانت اولى الحلول لدى الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى بوصفها كفارة للقاتل إذا أبى أهل القتيل القصاص أو الدية. انظر: بغية الملتمس، ص ١٤. النباهي، تاريخ قضاة الندلس، ص ٦٢. ومن هنا لا نستغرب كثرة المتطوعة الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله تعالى. وقد ذكر ليفي بروفنسال L.Provencal: Op.Cit. ٣، P: ٦٨ وتابعه هشام أبو رميلة في رسالته عن "نظم الحكم في الأندلس، ص ٣٠٧" أن الحشاد الذين يتم تكليفهم من قبل حكومة قرطبة، لأجل حشد المتطوعة واستنفارهم، كانوا يلجأون إلى طرق ملتوية في الحشد، ولم يفسر بروفنسال ولا من تابعه تلك الطرق الملتوية. وأود أن أذكر هنا أنه إذا كانت كلمات الحشاد التي تعتمد على إثارة الناس من خلال تذكيرهم بعظيم الأجر والمثوبة لمن جاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا وما ادخر للشهيد من ثواب، وكذلك إلهاب حماس المخاطبين بالأشعار والأقوال المؤثرة، إذا كان هذا هو التحايل فقول بروفنسال مردود عليه. وبمقابل جهود الحشاد في استنفار الناس للجهاد، نجد أن الرهبان مع ألفونس الثاني "٢٢٧ هـ /٨٤٢ م" ملك جليقية "وليون" قد اخترعوا "سنة ١٩٧ هـ/٨١٣ م" قصة القديس يعقوب وذلك لإثارة النصارى ودفعهم للاستماتة في القتال ضد المسلمين. انظر العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية، ص ١١٩.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
على غلمانه وحشمه وجنده المدونين المدربين عند تجهيز الجيش لغزو جليقية (^١).
وفي سنة " (٣٨٨) هـ (٩٩٨ م) أصدر المنصور بن أبي عامر قرارًا عامًا بإعفاء أهل قرطبة وغيرهم من الإشتراك الإلزامي في الصوائف، بعد أن أصبح ديوان الجند لديه غاصًا بالأعداد الغفيرة منهم، فجعل "من تطوع خيرًا فهو خير، ومن خف إليه، فمبرور ومأجور، ومن تثاقل فمعذور (^٢) ".