بالرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه الأمويون في الأندلس للقضاء إلا أن المصادر أوردت ذكر تعطل منصب "قاضي الجماعة" ثلاث مرات طيلة تاريخ الدولة الأموية هناك.
ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبعد أن توفي قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني سنة (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) بقي الناس بغير قاضي مدة ستة أشهر (^١).
وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تعطل القضاء، فقد خرج قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله للغزو مع وليد بن هاشم سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) وعند عودته لم يؤمر بالنظر في القضايا، وعدم صدور الأمر للقاضي بالنظر بعد عودته من الغزو علامة على أنه قد عُزل عن منصبه، وبذلك ظل منصب قاضي الجماعة معطلًا طيلة ستة أشهر حتى أعيد إلى القضاء سليمان بن أسود للمرة الثانية (^٢).
وأما الخليفة المستعين بالله سليمان بن الحكم، فقد عطل خطة القضاء ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر بحجة أنه لم يجد الكفء لهذه الخطة، بعد أن اعتذر عنها وليه أحمد بن ذكوان (^٣).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ٥١.
(٢) - المصدر السابق، ص ٨٣.
(٣) - النباهي، ص ٨٩.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وتعطيل منصب القضاء في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد أمر مثير للتساؤل، خاصة في وسط يعج بالفقهاء الأكفاء، كما هو حال المجتمع الأندلسي آنذاك، وقد كان بمقدور أي منهما تكليف أحد الفقهاء للقيام بهذه المهمة أو أن يدل على من هو أهل لها (^١)، وبما أن بقاء الناس بدون قاضي مفسد لأحوالهم. إذًا ما هو العذر في تعطيل ذلك المنصب الهام؟
لعل حجة الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه في تعطيل منصب القضاء راجع إلى حرصهما على أن يكون القاضي الجديد لا يقل كفاءة عن سلفه (^٢). وأما تعطله في عهد المستعين، فالناس كانوا في فتنة عظيمة لا ينال فيها صاحب الحق حقه حتى وإن كان القاضي في مجلسه، بالإضافة إلى هرب معظم الفقهاء من قرطبة بسبب الفتنة.
وبالرغم من المكانة السامية التي يتمتع بها قاضي الجماعة بقرطبة، إلا أن سلطته تبدو محدودة مقارنة بمكانته، فسلطته لا تتجاوز قرطبة، وقضاؤه يتوقف عند حدودها، وليس له على قضاة كور الأندلس أي سلطة.
والسبب في ذلك يوضحه لنا ابن حيان، فقد ذكر أن بني أمية في الأندلس "لم يفوضوا أمر القضاة إلى قاضي في وقت من الأوقات (^٣) " سواء
_________________
(١) - من ذلك فعل الأمير عبد الرحمن الأوسط مع الفقيه يحيى بن يحيى الليثي. انظر: قضاة قرطبة، ص ٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٨ - ٥٩. النباهي، ص ١٤ - ١٥.
(٢) - انظر: قضاة قرطبة، ص ٥. قارن: النباهي، ص ١٤ - ١٥.
(٣) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٥.
[ ٢ / ٦٤١ ]
في الأحكام أو التعيين والعزل، لكننا نجد لدى الخشني نص يفيد بأن هذه القاعدة يمكن تجاوزها، شريطة أن يصدر تفويض من الأمير بذلك، يتمكن من خلاله قاضي الجماعة من بسط نفوذه حيث يصبح بإمكانه إصدار أوامره لأحد قضاة الكور وتفقد أحواله أو حتى عزله وتعيين سواه، من ذلك أن أهل كورة استجه رفعوا للأمير الحكم الربضي كتابًا يسألونه فيه تعيين قاضٍ يقضي بينهم، فأحال الأمير كتابهم إلى قاضي الجماعة سعيد بن محمد ابن بشير المعافري ليختار لهم من يراه (^١).