بناء على ما يثبت لدى القاضي من ظهور الحق في القضية المطروحة عنده، فإنه يصدر حكمه فيها، ومتى ما صدر الحكم أصبح من المتعذر إعادة النظر فيه (^١) إلا ما كان منها ظاهر الجور أو مخالف للشرع أو تبين للقاضي الخطأ في قضائه والوهم في حكمه (^٢).
وقد جاء في رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄: "ولا يمنعك قضاء قضيته فراجعت فيه نفسك أو هديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطل ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (^٣) ".
كما ورد في العهد الذي أصدره والي الأندلس عقبة بن الحجاج للقاضي مهدي بن مسلم أن "لا يعجل بإمضاء الحكم حتى يستقصي حجج الخصوم وبيناتهم ومزكيهم، ويضرب لهم الآجال ويوسع فيها عليهم، حتى تنجلي له حقائق أمورهم وتتكشف له أغطيتها (^٤) ".
ولذا فقد عُرف قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد بلين الجانب والتطويل في الأحكام لأنه كان لا ينفذ منها إلا الظاهر البين، أما ما كان
_________________
(١) - من ذلك أن قاضي الجماعة محمد بن بشير رفض إعادة النظر في قضية الفتى المملوك الذي ادعى أن سيده أعتقه وأنكحه ابنته. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٣ - ٣٤.
(٢) - الوثائق والسجلات، ص ٦٣٥ - ٦٣٦. معين الحكام، ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
(٣) - أدب القاضي، ص ٤٥.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ١١.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ملتبسًا عليه منها، أو لديه شك فيها فإنه كان يستعمل الأناة والتؤدة حتى تنجلي له الحقيقة أو يتصالح الخصمان، وعندما بلغه من يعيب عليه اللين والتطويل، قال: "أعوذ بالله من لين يؤدي إلى ضعف، ومن شدة تبلغ إلى عنف … واحتج بفساد أحوال بعض الناس وما يسببه هذا الفساد من التباس الأمور حتى لا يكاد يستبين الحق منها، كما احتج بفعل عمر بن الخطاب ﵁ عندما اشتبه عليه الحكم في قضية، فأطال فيها، وكره أن يحكم على الاشتباه وأمر بابتداء الخصومة من أولها (^١) ".