ضم الجيش الأموي بالأندلس بالإضافة إلى العرب والصقالبة عناصر من البربر، حيث عملوا مرتزقة منذ الفترة الأولى لقيام الدولة الأموية هناك، إذ أن الأمير عبد الرحمن الداخل استقدم الكثير منهم إلى الأندلس بعد أن استراب بالعرب امتثالًا لنصيحة ابن عمه ومستشاره بشر بن عبد الملك بن مروان (^٢)، فأحسن معاملتهم (^٣)، فتوافدوا عليه، حتى أصبح لديه منهم أعداد كبيرة (^٤)، لكن يبدو أن من أتى بعده من الأمراء لم يسلكوا منهجه تجاه البربر، إذ أننا لا نجد ذكرًا واضحًا لهم إلا في عهد الأمير عبد الله بن محمد (^٥)، فقد كان يبعث برجاله إلى طنجة لإقناع من يمكن إقناعه من البربر للإنخراط في جيش الإمارة لديه مقابل أجر
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٢ - ٤٤٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٦ - ٣٧. د. رجب محمد عبد الحليم، العلاقات بين الأندلس الإسلامية وأسبانيا النصرانية، ص ٢٢١ - ٢٢٥.
(٢) - المغرب في حلى المغرب، ١٠/ ٦٠
(٣) - أخبار مجموعة، ص ١٠٨.
(٤) - نفح الطيب ٣/ ٣٧.
(٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٢٤، ٣١ - ٣٢. نصوص عن الأندلس، ص ١١٣.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
مادي (^١)، ورغم ذلك فإن الإمارة الأموية جوبهت بثورات متعددة قام بها البربر (^٢)، مما جعلها تحد من عملية نزوح البربر من العدوة إلى الأندلس، واستمر الخليفة عبد الرحمن الناصر في نهج الموقف الحذر تجاه البربر، فكان لا يستنجد بهم ولايستخدم إلا أراذلهم، مطلقًا عليهم اسم الطنجيين، ويكلفهم بأدنى أنواع الخدمة وأشقها مقابل أجور زهيدة (^٣).
وأما الخليفة الحكم المستنصر فقد اتخذ موقفًا متناقضًا تجاه البربر، ففي بداية حكمه كان متشددًا تجاههم، بل إن الأمر بلغ به إصدار أمر بمعاقبة أحد العبيد لأنه كان راكبًا على فرس بسرج عدوي الصنعة وتم إحراق السرج بدار الجند أمام الحضور (^٤).
ومواقف الخليفة الحكم المستنصر انتقلت بطبيعة الحال إلى أهل قرطبة إذ ما إن حصل نزاع بين بعض طوائف الجند وبين الطنجيين عند اجتماعهم بباب السدة من قصر قرطبة حتى هب سواد أهل قرطبة ووقفوا مع الجند ضد الطنجيين (^٥).
_________________
(١) - L-Provenca: OP.Cit.lll، p: ٧٦ - ٧٧.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٣٠، ٣٤٢. المقتبس تحقيق: أنطونيه ١٨، ٢٥، ٣١ - ٣٢، ٦٩، ١١٧، ١٢٧، ١٢٩. المقتبس، تحقيق: شالميتا ٢٣٩. البيان المغرب ٢/ ١١٦، ١٣٨، ٢٣٧.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٩٠.
(٤) - المصدر السابق،، ص ١٩٠ - ١٩١.
(٥) - نفسه، ص ٨٧.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وبعد أن عانى الخليفة الحكم المستنصر وقواته كثيرًا بسبب شدة صمود البربر ضد جيوشه في العدوة، بدأت نظرته لهم تتغير، فأخذ يرسل الأموال لاستمالتهم فنجح في ذلك (^١)، واستخدم كثيرًا من الوافدين إليه في جيشه (^٢). ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل إن كراهيته السابقة لهم تحولت إلى إعجاب فقد صار يستمتع بالنظر إلى فرسانهم وهم يستعرضون مهاراتهم في ركوب الخيل، ويكيل المديح لهم أمام سامعيه (^٣).
هذه الحالة استغلها المنصور بن أبي عامر، حيث أدرك أنه بهم سيحقق أهدافه الخاصة، إذ أنه متى ما فرضهم على بقية الطوائف في الجيش الأموي بالأندلس فإن ذلك سيحدث شحناء بين تلك الطوائف وبين البربر، والبربر بدورهم يرون في المنصور الملاذ الذي يحميهم من سطوة الآخرين، وبذلك ضمن المنصور الولاء الدائم من البربر، من أجل ذلك عمد إلى زيادة أعدادهم في جيشه من خلال استدعائهم من العدوة، فأرسل إلى رؤسائهم وشجعان فرسانهم، فأقبلت عليه قبائل زناتة ومغراوة وإزداجة وصنهاجة، وبنوبرزال وبنو يفرن وغيرهم، فكان ينتقي من تلك الجموع الهائلة من تثبت كفاءته لديه ويلحقه بديوان الجند عنده (^٤).
_________________
(١) - نفسه، ص ١٩١ - ١٩٢.
(٢) - نفسه، ٩٦، ١١٥، ١٢٣ - ١٢٤، ١٧١ - ١٧٣، مفاخر البربر، ص ٤٤.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١٩٣.
(٤) - أعمال الأعلام، ٢/ ٦٦. مفاخر البربر، ص ٤٤ - ٤٥.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وقد استخدم المنصور مع هؤلاء سياسة حكيمة تعزز وتقوي محبته عندهم، فقد كان الرجل منهم يأتيه على فرس أعجف بلباس خلق، فيبدل الأعجف بالجواد العتيق، والخز الطرازي عوضًا عن اللباس الخلق، ويسكنه في قصر لا يدور في خياله أن يدخل مثله لا أن يسكنه، ورفعهم على من سواهم من طوائف الجند (^١)، و"اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه" (^٢).
وبسبب إكرام المنصور للبربر أخذت أعداد هائلة تنزح من العدوة إلى الأندلس، فغدت أعدادهم كبيرة في الجيش الأندلسي ولايمكن تقدير عددهم الكلي خاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن قبائل عديدة بأكملها نزحت إلى الأندلس وانخرط الكثير من أبنائها في الجيش تحت قيادة المنصور بن أبي عامر (^٣).