عُرفت هذه الخزانة باسم "خزانة المال (^١) " أو "الخزانة (^٢) " أو "الخزانة الكبرى (^٣) " وكان موقعها داخل قصر الإمارة بقرطبة، ثم انتقلت إلى قصر الخلافة بالزهراء، ومن ثم إلى الزاهرة، وأخيرًا عادت إلى قصر قرطبة ابتداءًا من مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ووجود الخزانة داخل القصر، يعني أنها في مكان حصين، وتحت حراسة مشددة، إذ لم نسمع أنه قد تم السطو عليها، كما حصل لبيت مال المسلمين الموجود في المسجد الجامع (^٤).
ويبدو أن خزانة الدولة، لم تكن ضخمة في بداية أمرها، مما جعل أمر إدارتها يسيرًا، لذا فقد تأخر إنشاء خطة خاصة بهذا الجهاز الذي يعد أهم وأضخم أجهزة الدولة الأموية، فالأمير الحكم الربضي هو الذي أنشأ خطة الخزانة، وجعلها جهازًا قائمًا بذاته، وسفيان بن عبد ربه (^٥) "هو أول
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ١٦٤.
(٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٥٨.
(٣) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ٢٥.
(٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٣٦.
(٥) - سفيان بن عبد ربه المصمودي، لم يكن من أسرة عريقة في خطط الدولة الأموية تولى خدمة الخزانة الكبرى، وتنقل في عدة مناصب، حتى نال منصب الحجابة للأمير عبد الرحمن بن الحكم، ولم يزل في منصبه هذا حتى توفى سنة ٢١١ هـ، وقد كان سفيان موصوفًا بالغناء والكفاية والعفة والأمانة، وعندما ذكره ابن حزم في جمهرته أشار إلى أن سلالة سفيان قد بادت ولا يعلم لهم خبرا. انظر: ابن القوطية، ص ٦٢، إلا أنه ذكره باسم "مهران". جمهرة أنساب العرب، ص ٥٠٠، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥ - ٢٦.
[ ٣٧٤ ]
من استُخزن بالأندلس (^١) " وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
وطبيعي أن ابن عبد ربه لم يكن يقوم بأداء مهام خطته لوحده فقد كان لديه مجموعة من الموظفين ذوي المهارة في الأعمال الحسابية، كما أن هناك العديد من المكاتب المالية المتناثرة في كور وثغور الدولة الأموية، كلها تتبع خطة الخزانة، فقد كانت تلك المكاتب تقوم بإرسال ماتنجزه من مهام مالية إلى الخزانة العامة للدولة ويرأس كل مكتب من تلك المكاتب موظف يعرف باسم الأمين أو الخازن (^٢)، يقوم بجباية الضرائب بأنواعها، وبعد أن يصرف منها رواتب الموظفين والجند وبعض النفقات يرسل الفائض إلى الإدارة المالية بالعاصمة.
ولا تسند هذه الخطة إلا لمن كان ثقة أمينًا، ذا دراية واسعة بالحسبان، ويسمى صاحب هذه الخطة "الخازن" ويطلق على معاونيه اسم "الخُزاَّن" وكان عددهم يصل أحيانًا إلى ثلاثة (^٣)، يرأسهم الخازن الذي يعرف بـ"شيخ الخُزَّان (^٤) " وعندما تعرض ابن خلدون لذكر هذه الخطة
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٢٥.
(٢) - الحلة السيراء ١/ ٢٤١.
(٣) - ابن القوطية، ص ٦٢.
(٤) - المصدر السابق، ص ٦٢.
[ ٣٧٥ ]
عند أموي الأندلس، ذكر أن متوليها له جزء من رئاسة الدولة (^١). لأجل هذا فقد كانت الدولة الأموية لا تسندها إلا لمن كان من ثقاتها، ويخرج بمناسبة التعيين ظهير للخازن الجديد تحدد له فيه الصلاحيات، ويرشد إلى بعض الأمور، بعد أخذ العهد عليه، ويدعى له بالتوفيق.
ولقد كانت شخصيات رجال الدولة الأموية، شخصيات فذة، سمتها الإخلاص، وظهر هذا جليًا في موقف شيخ الخزَّان موسى بن حدير الذي رفض تنفيذ أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بصرف مبلغ ثلاثين ألف دينار للمغني زرياب، فقد قال موسى بن حدير لصاحب الرسائل الذي حمل الأمر "نحن وأن كنَّا خُزَّان الأمير أبقاه الله، فنحن خُزَّان المسلمين، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم، ولا والله ما ينفذ هذا، ولامنا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا، أن نأخذ ثلاثين ألفا من أموال المسلمين وندفعها إلى مغن في صوت غناه، يدفع إليه الأمير أبقاه الله ذلك مما عنده" (^٢).
والبيانات الحسابية التي يقدمها الخُزَّان وشيخهم لا يصادق عليها مباشرة، وإنما تتم عملية مراجعتها من قبل الأمير أو الخليفة، ومناقشتهم فيها، ويتم التغاضي عن الخطأ إن كان يسيرا (^٣)، لكنه ربما أدى ذلك إلى عزل الخزّان وشيخهم، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٧٨.
(٢) - ابن القوطية، ص ٦٨ - ٦٩. إن من توفيق الله لولي الأمر أن تكون بطانته صالحة.
(٣) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ١٣٦.
[ ٣٧٦ ]
٣١٦ هـ (٩٢٨ م) عندما أمر بعزل جميع خُزَّان المال، وكانوا خمسة، وولى مكانهم أربعة خُزَّان (^١).
وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله لا يكتفي بالعزل، بل يصحب ذلك الإهانة والإذلال، وهذا ما تعرض له الفتى دري الكبير الصقلبي، المعروف بالخازن، فقد غضب عليه الخليفة الحكم لتقصيره في عمله، فأقصاه وأهانه وولى إذلاله صاحب المدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وذلك في شهر رجب سنة (٣٦٢) هـ (^٢) (إبريل (٩٧٣) م).
وكانت الخزانة العامة تتلقى مواردها من عدة طرق، منها الجزية والخراج والصدقات والعشور والغنائم والمصادرات وغيرها.
فالجزية هي "الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام" (^٣) وبذلك فهي ضريبة على الرؤوس، فالذمي يلتزم بأداء مقدار من المال للدولة الإسلامية في موعد محدد، متى ما توافرت شروطها، وذلك مقابل حمايته وحماية أملاكه، وفي هذا يقول الماوردي إن الجزية "موضوعة على الرؤوس، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا" (^٤) والأصل
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ١٩٧. لكن العزل الذي أجراه الناصر هنا ربما كان جريًا على عادته في التغيير المستمر لرجال دولته، ونقلهم من خطة لأخرى.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٠٣.
(٣) - ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني (القاهرة ١٣٦٧ هـ) ج ٥ ص ٤٩٥.
(٤) - الأحكام السلطانية، ص ١٢٧.
[ ٣٧٧ ]
فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^١) وهي بذلك تسقط عند الدخول في الإسلام.
ورغم أننا نفتقر لنصوص تبين لنا الكيفية التي كانت تُجبى عليها الجزية في الأندلس، إلا أننا لا نشك في أن التعامل مع أهل الذمة هناك في هذه المسألة، كان يسير وفق هدي الشريعة السمحة، فكل ذمي يدفع الجزية وفق طاقته، ويعفى منها المسكين (^٢)، والأعمى (^٣)، والمقعد (^٤)، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه (^٥)، كما أعفي منها المملوك، والمجنون، والصبيان، والنساء، والقسس والرهبان (^٦).
وكانت الجزية تؤخذ من فئات ثلاث من فئات أهل الذمة، فمن الموسر يؤخذ ثمانية وأربعون درهمًا، ومن الوسط أربعة وعشرون درهمًا،
_________________
(١) - سورة التوبة آية رقم ٢٩.
(٢) - أبو يوسف، كتاب الخراج، (القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، ط الثانية ١٣٥٢ هـ) ص ١٢٢.
(٣) - المصدر السابق، ص ١٢٢.
(٤) - نفسه، ص ١٢٢.
(٥) - نفسه، ص ١٢٣. الأحكام السلطانية ص ١٣٠.
(٦) - كتاب الخراج، ص ١٢٢. الأحكام السلطانية، ص ١٢٨.
[ ٣٧٨ ]
ومن الذي يعمل بيده كالخياط والصباغ والاسكافي والخراز ومن أشبههم، اثنا عشر درهمًا (^١).
لكن في الأندلس كان الدينار بسبعة عشر درهما (^٢)، وعليه فإن الموسر يدفع واحد وخمسين درهما، والوسط أربعة وثلاثين درهما، والعامل بيده سبعة عشر درهمًا، تؤخذ منهم كل سنة (^٣).
ويتولى قبض الجزية من أهل الذمة في كل كورة ومدينة، موظف من موظفي الدولة ممن يوثق بدينه وأمانته، ويكون معه أعوان لمساعدته، فيقومون بجمعها بدون ظلم وتعسف (^٤)، فإذا اجتمعت لديه الأموال حملها إلى بيت المال (^٥).
وأما الخراج فهو "ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها" (^٦) وهي الأرض التي صولح عليها المشركون من أرضهم، وهي على نوعين: أحدهما ما هرب عنه أصحابه، فخلص للمسلمين بغير قتال، فتصبح وقفًا على مصالح المسلمين، ويضرب عليها الخراج ويكون أجرة تقر على الأبد وإن لم يقدر بمدة، والأخر ما أقام فيه أهله وصولحوا على
_________________
(١) - كتاب الخراج، ص ١٢٢، ١٢٣ - ١٢٤. الأحكام السلطانية، ص ١٢٨.
(٢) - صورة الأرض، ص ١٠٨.
(٣) - أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢١٩.
(٤) - كتاب الخراج، ص ١٢٤.
(٥) - المصدر السابق، ص ١٢٤.
(٦) - الأحكام السلطانية، ص ١٣١.
[ ٣٧٩ ]
إقراره في أيديهم بخراج يضرب عليهم، وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن ينزلوا عن ملك الأرض فتصبح وقفًا على المسلمين، ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط إلا بإسلامهم، والأخر: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها ويصالحوا عليها بخراج (^١).
والحديث عن الخراج في الأندلس يتطلب تتبع عملية الفتح، والإجراء الذي قام به موسى بن نصير ومن أتى بعده من الولاة، وعندما تعرض الدكتور حسين مؤنس للحديث عن الخراج في الأندلس، ذكر بأن عقدة العقد في تاريخ عصر الولاة هي ناحية الخراج (^٢). ثم ناقش هذه القضية باستفاضة، وخلص إلى أن موسى بن نصير قد قام بتخميس الأراضي الواقعة جنوب الوادي الكبير، فجعل أربعة أخماس تلك الأراضي بأيدي القبائل المشتركة في عملية الفتح، والخمس ملكًا للدولة، وانسحب هذا الحكم على الأراضي الواقعة بين الوادي الكبير ووادي آنه، ومابين هذا النهر والمحيط الأطلسي، فيما عدا ثلاثة مدن، وهي التي استسلم أهلها للمسلمين، وبذلك لم يجر عليها حكم العنوة.
وبذلك أصبحت أراضي الجنوب والغرب، التي تقاسمها العرب إقطاعات، ملكًا لأصحابها، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وهو ماأيده الخليفة الوليد بن عبد الملك، حيث منح زعماء تلك القبائل سجلات بذلك،
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ١٣١ - ١٣٢.
(٢) - فجر الأندلس، ص ٦١٤.
[ ٣٨٠ ]
وعندما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز أيد فعل الخليفة الوليد، واعتبر ما فتحه المسلمون من الأرضين إقطاعات (^١).
وعلى ضوء الدراسة الوافية التي قام بها الدكتور حسين مؤنس للناحية المالية ومسائل أراضي الخراج في الأندلس، يمكن القول بأن نصيب خزانة الدولة كانت ثلث خراج أراضي الخمس (^٢)، وطيلة عهد الدولة الأموية كان ذلك الثلث معلوم المقدار، ولم يختل إلا بعد أن اندلعت الفتن، وانتزى كل زعيم بجزء من أراضي الدولة الأموية، مشكلًا دولة من دول الطوائف (^٣). في حين أن العرب والبربر الذين دخلوا الأندلس في أوائل الفتح واستقروا في إقطاعاتهم، كانوا يدفعون العشر فقط (^٤)، إضافة إلى قيامهم بتلبية نداء حكومة قرطبة عند الغزو، واستمر الوضع بهذه الصورة إلى أن أعفاهم الحاجب المنصور بن أبي عامر من الغزو، شريطة دفعهم لمبالغ إضافية زيادة على العشر (^٥).
_________________
(١) - انظر: الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية "منشورة في آخر كتاب: افتتاح الأندلس لابن القوطية" ص ١٩٨ - ٢٠٧. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص ١١٢ - ١١٦. فجر الأندلس ص ٦١٥ - ٦٢٩.
(٢) - انظر: الرسالة الشريفية، ص ١١٢ - ١١٦. الإحاطة ١/ ١٠٦. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص ١١٢.
(٣) - الرسالة الشريفية، ص ٢٠٣، رحلة الوزير في افتكاك الأسير ص ١١٤.
(٤) - الإحاطة، ١/ ١١٠.
(٥) - مذكرات الأمير عبد الله ص ١٧. أعمال الأعلام ٢/ ٦٨.
[ ٣٨١ ]
وأما أراضي الصلح، فإن أهلها كانوا يقومون بدفع جزية عن رؤوسهم وخراجًا عن أراضيهم، وهذا الخراج جُعلت قيمته تبعًا لطيب الأرض وغلتها (^١).
ويتولى جباية خراج أراضي الصلح، أحد موظفي الدولة، يساعده في ذلك رؤساء أهل الذمة، وهم "أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم (^٢) " ولعل أرطباس القومس زعيم أهل الذمة في الأندلس، كان أشهر مستخرجي خراج الذميين للمسلمين (^٣). بينما نجد القبائل العربية صاحبة الإقطاعات، يتولى زعيم كل قبيلة جمع خراج قبيلته، فإن كانت القبيلة شامية اكتفى زعيمها بإرسال ما تمت المقاطعة به على أموال أهل الذمة التي في أيديهم لحكومة قرطبة، وذلك دون العشر، لأنهم معفيين منه، إذ أن قبائلهم معدة للغزو (^٤)، إضافة إلى تقديم الدولة الأموية في الأندلس لهم على من سواهم، وأما إن كانت القبيلة بلدية، أدت ضربية العشر إضافة إلى ما تمت المقاطعة عليه (^٥).
_________________
(١) - رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ١١٦، فجر الأندلس ص ٦٢٦.
(٢) - الإحاطة، ١/ ١٠٧.
(٣) - المصدر السابق، ١/ ١٠٣.
(٤) - نفسه، ١/ ١٠٤.
(٥) - نفسه، ١/ ١٠٤ - ١٠٥.
[ ٣٨٢ ]
ومن الموارد التي كانت تستفيد منها الخزانة العامة، الأموال التي كان يبعث بها القادة المرابطين في بعض الكور والثغور، وهذه الأموال أو الضرائب برزت بصورة قوية في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) وذلك بسبب اندلاع الفتن في أرجاء الدولة الأموية، وحصول قادة تلك الفتن على ما يشبه الحكم الذاتي مقابل دفعهم لمبالغ مادية سنوية لحكومة قرطبة. ويبدو أن الأموال التي كانت تحصل عليها الدولة من هذا الجانب، ضخمة جدًا، يدل على ذلك أنه قد أنشئ ديوان خاص بها، يتولى استقبال تلك الأموال، وكان ذلك الديوان ضخمًا، بحيث أطلق عليه مصطلح "خطة القُطُع" (^١) ويرأس هذه الخطة أحد كبار رجال الدولة وكان موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير من بين الذين تولوا هذه الخطة للأمير عبد الله بن محمد (^٢).
وهناك مورد آخر للخزانة، فقد كانت حكومة قرطبة تتحفظ على أموال المتوفين أو الغائبين أو من تطالبهم الدولة بأموال حتى يتم الفصل في أمرها، وقد أنشأت خطة خاصة بهذه الأموال تسمى "خطة العقل" (^٣).
وتعد الضرائب من الموارد الهامة لخزانة الدولة، منها: ضريبة القطيع، ويبدو أنها فرضت عند آخر عهد الدولة الأموية، عندما أصبح خلفاء الفتنة لا يجدون موردًا ماليًا يغطي نفقات أطماعهم، وعن ضريبة القطيع
_________________
(١) - الحلة السيراء ١/ ٢٣٠.
(٢) - المصدر السابق، ١/ ٢٣٣.
(٣) - نفسه، ١/ ٢٤٣، الحاشية رقم ٣.
[ ٣٨٣ ]
يقول ابن حزم "وأما في زماننا هذا وبلدنا هذه فإنما هي جزية على رؤوس الناس يسمونها القطيع ويؤدونها مشاهرة (^١) " ومن هنا يتضح أنها لا تفرق بين ذمي أو مسلم (^٢).
وهناك ضريبة تجنيها الدولة تسمى "القبالة" وهي "أن يدفع السلطان أو نائبه صقعًا أو بلدة أو قرية إلى رجل مدة سنة مقاطعة بمال معلوم يؤديه إليه عن خراج أرضها وجزية رؤوس أهلها إن كانوا أهل ذمة فيقبل ذلك ويكتب عليه بذلك كتاب (^٣) ".
والقبالة مفيدة لولي الأمر إذ أنه يحصل على الأموال مباشرة، كما أنها مفيدة للمتقبل إذ أنه سيجني أكثر مما دفعه، والضحية في ذلك الرعية، فهم يتعرضون لظلم ذلك المتقبل وعسفه الذي لايعنيه من الأمر سوى الربح، ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله يحذر المتقبلين لديه من التعرض في شيء لعابري السبيل (^٤). ولكن يبدو أن أمر القبالة والمتقبلين
_________________
(١) - د. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص ٨٤ - ٨٥.
(٢) - هذه الحالة ربما تكون هي أخر مرحلة تعيشها الدولة عند السقوط، إذ يصبح هم صاحب الدولة منحصرًا في كيفية الحصول على الأموال دونما أي اعتبار لمصدرها أو تأثيرها على الآخرين.
(٣) - عبد العزيز بن محمد الرحبي الحنفي، فقه الملوك ومفتاح الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج، (تحقيق: د. أحمد عبيد الكبيسي، نشر رئاسة ديوان الأوقاف الجمهورية العراقية ١٩٧٥ م) ٢/ ٣.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ١١٣ - ١١٤.
[ ٣٨٤ ]
أصبح شرًا على الأندلسيين، من جراء الظلم الذي كانوا يتعرضون له، ولذا نجد ابن عبد ون يحمل على المتقبل، ويعتبره شر خلق الله، ويصفه بالزنبور الذي خلق للضرر، لا للنفع لأنه لا يسعى إلا بمضرة المسلمين، فهو "ملعون من الله ومن الناس أجمعين، فيجب على القاضي أن يستحلفه ويحد له ما يصنع في تصرفه، ولا يتركه يتحكم في أموال الناس باختياره وعلى ما يراه أنه صواب لنفعه، ويغلظ له في القول والتوبيخ، وأن يرتب له الوزير بحضرة القاضي ما يأخذ من الأشياء التي يتقبلها ولا يزيد فيها ولا ينقص، ومتى تعدى على أكثر من ذلك أُدِّب وسُجن ونُكِّل" (^١).
ومن قبل ابن عبد ون، كان القاضي أبو يوسف قد هاجم المتقبلين وطراءقهم في جمع الخراج فقال "والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في الشمس، وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه" (^٢).
وعرفت الخزانة عدة ضرائب أخرى منها: العشور، وهي رسوم تؤخذ من الرعية بلا استثناء فعلى المسلم ربع العشر، والذمي نصف العشر، والحربي العشر (^٣)، وهذه الضريبة تؤخذ من التجار، فهي بالنسبة
_________________
(١) - رسالة ابن عبدون في آداب الحسبة والمحتسب، ص ٣٠.
(٢) - كتاب الخراج، ص ١٠٥.
(٣) - كتاب الخراج، ص ١٣٢. المغني، ٨/ ٥١٨.
[ ٣٨٥ ]
للمسلم زكاة، ولأهل الذمة تنفيذًا لعقود الصلح المبرمة معهم، وتؤخذ من الحربي الذي يمر بتجارته في أراضي المسلمين لقاء حمايته، وطبيعي أنها لا تؤخذ إلا بعد بلوغ النصاب (^١).
ومنصب متولي آخذ العشور، باب للثراء على حساب الآخرين، ولذا يجب أن لا يليه إلا من يوثق بدينه وأمانته، ويقف عند الحدود التي حدها له القاضي، ويعمل بوصيته، فيرفق بأصحاب التجارة والمزارعين ولا يشطط عليهم، وإذا أتى بالزمام الذي دَّون فيه ما قبضه من عشور، فلابد أن يريه القاضي ليمضي عليه، وصاحب العشور يستلم أجرته من عند رئيسه، ولا يستلمها ظلمًا وجورًا من أصحاب الأموال المعشَّرة (^٢).
ويبدو أن متولي مهمة قبض العشور كانوا لا يلزمون النهج الشرعي في عملهم، ولذا نرى ابن عبد ون يندد بهم، ويصفهم بالظلمة الفسقة، ويعتبرهم "أكلة سحتٍ، أشرارًا، سفلة، لا خوف ولا حياء ولا دين ولا صلاة لهم، باعو أديانهم بدنيا غيرهم" (^٣).
ولنا أن نتوقع أن المبالغ التي يتم تحصيلها من العشور كانت ضخمة للغاية، وهذه متوقفة على الحالة الاقتصادية للدولة، والأندلس بلغت في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله الغاية في المستوى الاقتصادي، وفي عهده تم إجراء حصر لما يتم بيعه من السمك المملح فقط، بقرطبة خلال
_________________
(١) - كتاب الخراج، ص ١٣٣. المغني، ٨/ ٥١٩.
(٢) - رسالة ابن عبدون، ص ٦.
(٣) - المصدر السابق، ص ٦ - ٧.
[ ٣٨٦ ]
يوم واحد، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار دراهم (^١). وأما المنصور بن أبي عامر فقد أمر بإحصاء أحمال الحطب التي تصل إلى قرطبة في اليوم الواحد، فبلغ ذلك ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها (^٢).
وكانت هناك ضريبة تؤخذ من المواريث تسمى رسوم المواريث، وكانت تجري بقرطبة وسائر كور الأندلس على الأمانة (^٣).
ومن الضرائب التي كانت تدر دخلًا على الخزانة العامة، ضريبة تدفعها الرعية لمعاونة الدولة تسمى "المعاون" (^٤) ومن اسمها يتضح أنها تُفرض وقت الحاجة، كذلك لدينا ضرائب المراصد (^٥)، والجزاء (^٦)، والبيزرة (^٧)، والطبل العام وهي لقاء الإعفاء من الاشتراك في الغزوات (^٨).
وهناك ضريبة تعرف باسم "المغارم" وهي عقوبة يفرضها الأمير أو الخليفة الأموي على أهل كورة من الكور عقابًا لهم، ولذا نجد الأمويين
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٤.
(٢) - المصدر السابق، ص ١٠٤.
(٣) - نفسه، ٢/ ٩٨.
(٤) - نفسه، ٢/ ٩٨.
(٥) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٣.
(٦) - المرجع الصابق، ص ٢٣٣.
(٧) - هي كل ماله صلة بأمور الصيد.
(٨) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٣.
[ ٣٨٧ ]
يتحببون إلى رعاياهم بإسقاط المغارم عنهم كلها أو بعضها (^١)، كما كانوا يتحببون إليهم بإسقاط جزء من ضريبة البقية، وهي ما تبقى من الضرائب التي لم تدفعها الرعية، أو إعفائهم منها كلية مراعاة لظروفهم (^٢).
ومن الضرائب كذلك ضريبة تلتزم بها الرعية للجيش وتسمى النازلة أو إنزال أو التقوية (^٣)، وهي التي تبرأ منها الخليفة القاسم بن حمود (^٤).
ومن موارد الخزانة العامة، الأموال التي يدفعها العمال للدولة عند عزلهم عن مناصبهم نتيجة إساءتهم السيرة (^٥).
وهناك ضريبة يمكن أن نسميها ضريبة استخدام المرافق، وهي ما تحصله الدولة من الرعية لقاء استخدامهم لمنشأة من المنشآت الهامة، وهذا نوع من أنواع المكس، ولا ندري هل طبقت هذه الضريبة في الأندلس أم لا. فقد ورد خبر لدى ابن سعيد، أن أحد رجال الخراج رفع للأمير عبد الرحمن الأوسط كتابًا يقترح فيه أن يتم تحصيل ضريبة
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٧. البيان المغرب، ٢/ ١٠١، ١٠٩، ١١٤، ٢٤٩، ٢٥٩. ٣/ ٣.
(٢) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٣٤.
(٣) - L-Provencal، Op.Cit.T.III، p. ٤٠.
(٤) - البيان المغرب، ٣/ ١٣٠.
(٥) - الخشني، أخبار الفقهاء والمحدثين، ص ١٤١. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٩٢ - ١٩٣. البيان المغرب، ٢/ ١١٦.
[ ٣٨٨ ]
على الدواب والأحمال التي تعبر قنطرة قرطبة، لكن الأمير اعتبر ذلك مكسًا قبيحًا ووبخ الرجل على اقتراحه (^١).
ومن خلال قيام الجيوش الأموية بحملات الصوائف والشواتي، ضد الممالك والإمارات النصرانية في الشمال الأسباني، أصبحت الغنائم التي تنتج عن تلك الغزوات أحد الموارد الهامة للخزانة العامة، حتى قال فيها أحد الشعراء يمتدح أحد القادة المشهورين بالغزو:
ففي كلِّ صيف وفي كلِّ مشتى … غزاتان منك على كل حال
فتلك تبيدُ العدو وهذي … تفيد الإمام بها بيت مال (^٢)
ففي عهد الأمير هشام الرضا بلغ خمس الغنائم خمسة وأربعين ألف من الذهب العين وذلك سنة (١٧٧) هـ (٧٩٣ - (٧٩٤) م) (^٣) وبلغت الغنائم أوجها في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر حتى أنه كان يعرف بالجلاّب (^٤). ولكي تتجنب تلك الممالك والإمارات ضربات الجيوش الأموية، كانت تلتزم بدفع الجزية، ومن تأخر عن موعده تولت الجيوش
_________________
(١) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٥١.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٩.
(٣) - المصدر السابق، ٢/ ٦٤.
(٤) - نفسه، ٣/ ١٣.
[ ٣٨٩ ]
الأندلسية إرغامه على دفعها (^١). بالإضافة إلى ما كانت الجيوش الأندلسية تحصل عليه جراء تصديها للمناوئين في بر العدوة المغربية (^٢).
بقي أن أشير إلى أنه كانت هناك ضريبة عينية، تسمى وظائف مخزنية، إذ يتم فيها استلام الحبوب ممن فُرض عليهم دفعها، وتخزينها في مستودعات خاصة تسمى "أهراء" وهذه الأهراء يجب أن تبقى ملأى بالحبوب، إما لمواجهة سنوات القحط، أو لتكون عونا للجيوش الغازية، أو لبيعها أحيانًا في الأسواق عندما تقل الحاجة إليها (^٣)، وقد تغيرت هذه الضريبة فيما بعد، إذ أصدر الخليفة علي بن حمود قرارًا يقضي بتحصيلها نقدًا لا عينًا، على أساس ستة دنانير لكل مدي قمح، وثلاثة دنانير لكل مدي شعير (^٤).
ومن كل هذه الأنواع العديدة من الضرائب، لا عجب أن تكون الخزانة العامة غاصة بالأموال. وطبيعي أن المقدار الذي كانت الدولة
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) - المصدر السابق، ص ١٣٤ - ١٣٥.
(٣) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٩.
(٤) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٤٣. ومن الملاحظ أن المصادر الأندلسية شحيحة المعلومات عند الحديث عن المكاييل والموازين في الأندلس، فلم تعرف بالإضافة للمدي سوى القفيز، والمدي القرطبي يزن ثمانية قناطير والستة أقفزة هي نصف مدي، وتزن أربعة قناطير. انظر: نصوص عن الأندلس، ص ١٢٤، ١٢٥. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٠٩. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٣. تعليق منتقى، ص ٣٢.
[ ٣٩٠ ]
الأموية في الأندلس تحصل عليه من الجباية سار بالتدريج من القلة إلى الكثرة. وهذا الأمر لا يقتصر على الدولة الأموية بل ينسحب على جميع الدول، وهو ما تعرض ابن خلدون لمناقشته، حيث أشار إلى أن الدولة في بداية عهدها تكون قليلة الجباية، لتمسكها بأمور الشرع من جهة، ولتخلقها بأخلاق البداوة إن كانت ذات عصبية، وهي بذلك تعمد إلى المسامحة والغفلة عن التحصيل إلا ما ندر، وإذا وصلت الدولة إلى مرحلة الحضارة وجاء الملك العضوض احتاج ولاة الأمر إلى أموال تغطي حياة الترف التي يعيشونها، فيعمدون عندها إلى فرض الضرائب والمكوس، ويكثرون منها، فتكثر الجباية، ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار، والرعية لا تشعر بثقل تلك المغارم، فيهضموها كأنها عادة مفروضة (^١).
وإذا أتينا إلى الدولة الأموية في الأندلس، نجد أن كلام ابن خلدون قد طُبق هناك تمامًا، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، بلغت جملة الجباية (٣٠٠٠٠٠) دينار (^٢)، وارتفع هذا الرقم إلى الضعف في عهد الأمير الحكم الربضي ١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) حيث بلغ (٦٠٠٠٠٠) دينار (^٣)، وفي عهد ابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) كان دخل الدولة من الجباية مليون دينار (^٤).
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٢٩ - ٧٣١.
(٢) - نفح الطيب، ١/ ١٤٦.
(٣) - المصدر السابق، ١/ ١٤٦.
(٤) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٦.
[ ٣٩١ ]
والحالة الاقتصادية لأي دولة ذات ارتباط وثيق بالاستقرار السياسي، فأي اهتزاز في الوضع السياسي، يعني انعكاسًا سلبيًا على الناحية الاقتصادية.
وهذا ما جرى في الأندلس، فقد تعرضت منذ منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إلى هزات سياسية عنيفة، واندلعت الفتن في أرجاء الدولة، الأمر الذي قصر سيطرتها على قرطبة وبعض النواحي، مما أدى إلى حرمان الدولة من مصادر مالية عديدة، وبالتالي فإن مقدار الجباية قل كثيرًا عما كان عليه سابقًا.
لكن مع بسط الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على أرجاء الدولة ككل، تحسن الوضع الاقتصادي كثيرًا، فارتفعت المبالغ المحصلة من الجباية فقط إلى (٥٤٨٠٠٠٠) دينار (^١) " خمسة ملايين وأربعمائة وثمانون ألف دينار" ويبدو أن الثراء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الأندلس، قد بهر الرحالة ابن حوقل، مما دفعه إلى التصريح بذلك، فقد اعتبر أن الخزانة العامة في الأندلس لا مثيل لها في العالم الإسلامي إلا ما كان عند الغضنفر أبي تغلب بن الحسن بن عبد الله بن حمدان (^٢).
_________________
(١) - انظر الحلة السيراء، ١/ ٢٣٣، حاشية رقم ١.
(٢) - صورة الأرض، ص ١٠٧. أبو تغلب الغضنفر بن الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي، تولى إمارة الموصل عوضا عن أبيه الذي أصيب بعقله، وذلك سنة ٣٥٦ هـ، كان الغضنفر بطلًا سائسًا، خاض معارك عديدة في جهات متفرقة، وبسببها هرب إلى دمشق ونزل بظاهرها، ثم انتقل إلى الرملة بفلسطين في شهر محرم سنة ٣٦٩ هـ وهناك= =أسر وقتل صبرًا بين يدي الأمير مفرج الطائي وبعث برأسه إلى العزيز بالله الحاكم العبيدي في مصر. انظر: الكامل في التاريخ، ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥. سير أعلام النبلاء، ١٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧.، النجوم الزاهرة، ٤/ ١٣٦.
[ ٣٩٢ ]
ويذكر ابن حوقل اعتمادًا على ما سمعه من أحد محصلي الجبايات في الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، أن الأموال التي دخلت خزانة الدولة منذ سنة ٣٢٠ - (٣٤٠) هـ (٩٣٢ - (٩٥١) م) كانت قريبًا من عشرين ألف ألف دينار (^١)، وعندما توفي كان في خزائنه من الأموال خمسة آلاف ألف ألف ثلاث مرات (^٢)، ولكن لعل هذا المبلغ دراهم لا دنانير (^٣).
ويعد عهد الخليفة الحكم المستنصر امتدادًا طبيعيًا لعهد والده، ولذا فمن المتوقع أن الدخل قد زاد عن سابقه، ثم بلغ في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر أربعة آلاف ألف دينار، عدا رسوم المواريث والمصادرات ونحوها (^٤)، ونظرًا للغزوات العديدة التي اشتهر بها المنصور، وحرصه الشديد على تحصيل الأموال وتنميتها، فقد وجد في بيوت الأموال بعد وفاته من الأموال النقدية أربعة وخمسين بيتا (^٥).
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ١٠٧.
(٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٥٦٤.
(٣) - أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص ٢٤٦.
(٤) - أعمال الأعلام، ٢/ ٩٨.
(٥) - البيان المغرب، ٢/ ٣٠١.
[ ٣٩٣ ]
وهذه الدخول الضخمة، كان لها في المقابل وجوه إنفاق متعددة، لخصها أحد المؤرخين بقوله أن الأمويين كانوا يقسمون مال الخزانة لديهم إلى ثلاثة أقسام: ثلث للجيش، وثلث للصرف العام، وثلث يدخر (^١).
وقد ذكر ابن سعيد عند حديثه عن الخليفة عبد الرحمن الناصر أنه كان يقسم أموال الجباية إلى ثلاثة أقسام: قسم للجند والحرب، وقسم للبنيان (^٢)، وقسم ينفق منه في غير هذين من المصالح، ويخزن باقية ذخيرة (^٣). والظاهر من النص أن الجباية تقسم أربعة أقسام، لكن لعل الأصح أنها ثلاثة إذ ان المال المدخر هو المتبقي من الثالث المعد للصرف في غير الجند والبنيان.
وقد ذكر ابن الخطيب نقلًا عن ابن حيان معلومات أكثر تفصيلًا عن الإنفاق الذي كان يسير عليه الأمويون، فقد ذكر أن الأموال توضع في أربع بيوت تؤخذ النفقات السلطانية منها على المشاهرة بالزيادة والنقصان، مابين الشهر والشهر مائتي ألف دينار إلى مائة وخمسين ألفا، وعند دخول شهر يونيو يتضاعف الإنفاق فيه استعدادًا للغزو، حيث يصل
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ١٤٦.
(٢) - عن البناء في الأندلس، واهتمام الدولة الأموية به، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٤. المغرب في حلى المغرب، ١/ ١٧٩. ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٤٦، ٥٠، ٧٦، ٧٧، ١٧٩. نفح الطيب، ١، ١٦٢، ٥٢٦، ٥٢٧، ٥٧٩.
(٣) - المغرب في حلى المغرب ١/ ١٨٣.
[ ٣٩٤ ]
إلى خمسمائة ألف دينار وأكثر، والفائض من الدخل بعد كل المصاريف يتم ادخاره (^١).