منذ الأيام الأولى لقيام الإمارة الأموية بالأندلس، بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل يفكر جديًا في إجراء تعديلات على التنظيم العسكري القائم بالأندلس، مدفوعًا إلى ذلك برغبته الشديدة في إحلال نظام الدولة بدلًا من النظام القبلي، بالإضافة إلى استرابته بالعرب من جراء تعرضه لمحاولة الاغتيال التي دبرت ضده في الساعات الأولى بعد انتصاره على يوسف الفهري في معركة المصارة (^٢)، وكذلك بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي هبت في وجهه بعد إعلانه قيام دولته (^٣).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٥٧. الروض المعطار، ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) - انظر: أخبار مجموعة، ص ٩١.
(٣) - المصدر السابق، ص ٩١ - ١٠٨. البيان المغرب، ٢/ ٤٨ - ٥٥.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ولذا فبعد أن أسقط لواء جند باجه بسبب تمرد زعيمه العلاء بن مغيث اليحصبي (^١) قام الأمير عبد الرحمن الداخل بشراء المماليك ليستعين بهم على العرب (^٢).
ويبدو أن الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل قد سار على خطى والده في استخدام الحرس الخاص المكونَّ من المماليك العجم وهم الخرس أو الصقالبة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير الحكم الربضي كانت لديه "فرقة من الحرس الخاص معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام (^٣) " وبذلك أرسى تقليدًا جديدًا في الأندلس سار عليه من أتى بعده (^٤).
ولم يكتف الأمير الحكم الربضي بما ورثه عن والده من أولئك المماليك، فقد أخذ يستكثر منهم ويعمل جاهدًا على ضم أكبر عدد ممكن منهم إليه، حتى بلغ عددهم لديه نحو خمسة آلاف رجل، منهم ثلاثة
_________________
(١) - الروض المعطار، ص ٣٦. العلاء بن مغيث اليحصبي الجذامي، زعيم عربي، ثار باسم الخليفة أبي جعفر المنصور ضد عبد الرحمن الداخل، وتمكن من فرض حصار عسكري على الأمير الأموي في قرمونة، لكن الأمر انتهى بقتل العلاء وتمزيق قواته، انظر: ابن القوطية، ص ٣٢ - ٣٣. أخبار محموعة، ص ١٠١ - ١٠٣. البيان المغرب، ٢/ ٥١ - ٥٢.
(٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٦٠.
(٣) - دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ١، ص ٢٥٠.
(٤) - L-Provencal: Op.Cit.III.P: ٧٣.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
آلاف فارس وألفا راجل، وكان يطلق على أولئك المماليك لقب "الخرس" لعدم معرفتهم بالعربية (^١).
وكل هذه الجموع الغفيرة من المماليك كانت تحرس قصر الأمير الربضي، وتقف على أهبة الاستعداد للطوارئ، ولذا، فبعد أن فعلوا ما سرهَّ في يوم هيج الربض سنة (٢٠٢) هـ (٨١٨ م) كافأهم بالعتق وأغدق عليهم صلاته (^٢).
وفضلًا عن هذه المجموعة، فقد كان لدى الأمير الحكم الربضي ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر تجاه القصر "يجمعها داران على كل دار عشرة عرفاء تحت يد كل عريف مائة فرس (^٣) " ودائمًا تقف هذه القوة على أهبة الاستعداد لإخماد أي حركة تهب بصورة مفاجئة ضد صاحب السلطة السياسية في البلاد (^٤).
وقد ذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط سار على خطى والده في الاحتفاظ بأولئك المماليك الخرس، ولأجل ذلك قام بشراء أنصبة إخوانه منهم، واستخدم تلك القوة في حراسة القصر (^٥).
_________________
(١) - المغرب، ١/ ٣٩. الكامل، ٥/ ٤٦٦.
(٢) - دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٢٥٠.
(٣) - أخبار مجموعة، ص ١٢٩.
(٤) - المصدر السابق، ص ١٣٠.
(٥) - انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ١ ص ٢٧٧.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وهؤلاء المماليك "الخرس" هم الذين يطلق عليه "الصقالبة" القادمون من الأراضي الممتدة من بحر قزوين إلى البحر الأدريائي" (^١). ثم توسع لفظ الصقالبة فأصبح يطلق على كل رقيق جلب من الممالك النصرانية وعمل في قصر الخلافة (^٢).
ولم يقتصر عمل الصقالبة على الحراسة، بل كانت توكل إليهم مهام عديدة مثل إرسالهم للاشتراك مع قوات الحكومة لمواجهة الاضطرابات التي قد تحدث خارج العاصمة (^٣).
وعندما تعيِّن حكومة قرطبة أحد الولاة في إحدى الكور، فإنها ترسل معه مجموعة من أولئك الصقالبة لمساعدته في استلام منصبه (^٤)، وكان لدى الأمير عبد الله بن محمد مجموعة منهم عرفت باسم "رماة المماليك" مهمتها الذود عن سرادق الأمير عبد الله برشق النبال (^٥)، وبمقابل ذلك وجد من الصقالبة من يعمل في الخفاء مع المتمردين ضد حكومة قرطبة (^٦).
_________________
(١) - صورة الأرض، ص ١٠٦، الصقالبة في إسبانيا، ص ٨.
(٢) - المرجع السابق ص ٩.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٦.
(٤) - العذري، نصوص عن الأندلس، ص ٣٠.
(٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونية، ص ٩٤.
(٦) - نصوص عن الأندلس، ٣٠.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وقد نظر أمراء وخلفاء بني أمية إلى أولئك الصقالبة نظرة ود وثقة، فكان أكابرهم يعرفون بالخلفاء (^١) أو الفتيان الأكابر (^٢)، كما فتحوا المجال أمامهم للوصول إلى مناصب عسكرية عليا في الدولة، فمثلًا كان أفلح صاحب الخيل (^٣)، وتولى دري بن عبد الرحمن منصب صاحب الشرطة (^٤)، كما كان نجده بن حسين الحيري يتولى أمر العلافة بالجيش (^٥)، ثم أصبح قائدًا للجيش (^٦)، وعندما توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر كان لديه منهم بالزهراء ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين رجلًا (^٧).
وقد سار الخليفة المستنصر على سياسة والده في الاستكثار من الصقالبة وتوليتهم المناصب الرفيعة (^٨)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه طالب الناس بالتغاضي عن التجاوزات التي تحدث من الصقالبة محتجًا بأنهم مؤتمنون على من في القصر، وأنه لأجل ذلك لا يمكن معاتبتهم أو معاقبتهم في كل وقت خشية إثارة ما كمن في نفوسهم (^٩).
_________________
(١) - المقتبس تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٤١.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١١٩.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٩١.
(٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢١٣.
(٥) - المصدر السابق، ص ٣٤٣.
(٦) - نفسه، ص ٤٢٠.
(٧) - أعمال الأعلام، ٢/ ٤٠ - ٤١.
(٨) - البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩.
(٩) - المصدر السابق، ٢/ ٢٥٩.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وعندما توفي الخليفة الحكم المستنصر كان لصقالبة قصره قوة يحسب حسابها، إذ أن عددهم بلغ أكثر من ألف مجبوب دون من يتبعهم، يتولى رئاستهم فائق صاحب البرد والطراز ويليه في القيادة جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، وقد بلغ من قوة أولئك الصقالبة أنهم كادوا يحولون الخلافة من هشام المؤيد إلى عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر (^١).
وفي عهد الخليفة هشام المؤيد تمكن الحاجب المنصور بن أبي عامر من السيطرة على صقالبة القصر بطرقه الملتوية، (^٢) وفي الوقت نفسه تمكن من كسب ود كثير منهم فولى بعضهم قيادة الجيوش (^٣) وعلى نهجه سار ابنه عبد الملك المظفر (^٤).
ويرى بعض الباحثين أن الأمويين قد اعتمدوا على الصقالبة في الإدارة والجيش من أجل الحد من نفوذ العرب في الحكم بالإضافة إلى إضعاف الجنود العرب والبربر (^٥)، ولعل من أنصع الأمثلة على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر جعل مملوكه نجدة بن حسين قائدًا عامًا للحملة التي سار بها الخليفة لقتال راميرو الثاني Ramiro ملك ليون Leon فقرر بعض كبار قادة العرب أن يتركوا القائد الصقلبي نجدة ومن معه يواجهون
_________________
(١) - نفسه، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
(٢) - نفسه، ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٣) - نفسه، ٢/ ٢٨٢.
(٤) - نفسه، ٣/ ١١.
(٥) - الصقالبة في أسبانيا، ص ١٢.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
مصيرهم في تلك المعركة التي عرفت باسم شنت مانكش Simoncas أو الخندق سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) فذهب ضحية ذلك القائد الصقلبي وآلاف المسلمين حتى أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لم ينج إلا بأعجوبة حيث لم يعد بعدها إلى الخروج للغزو (^١).