جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، أنه قال له: "كيف تقضي إن عرض عليك القضاة؟ "قال: "أقضي فيما في كتاب الله" قال: "فإن لم يكن ذلك في كتاب الله؟ " قال: "أقضي بسنة رسول الله" قال: "فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله؟ "قال: "أجتهد رأيي ولا آلو" قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٣٨. لقد اخُتلف كثيرًا في جواز حكم القاضي في قضية وقعت خارج النظام الإقليمي المحدد لولايته، عن الآراء في هذه المسألة. انظر: أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع، معين الحكام على القضايا والأحكام، (تحقيق: د. محمد بن قاسم بن عياد: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط الأولى ١٩٨٩ م) ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
بيده، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" (^١).
هذا الحديث الشريف الذي أقر فيه النبي ﷺ قول معاذ ﵁ قد جمع المصادر التي يمكن بواسطتها استنباط الأحكام. فعندما يكون النص من الكتاب والسنة متعذرًا لابد من الاجتهاد، والذي تجدر الإشارة إليه أن الاجتهاد الذي يلجأ إليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والنبي الكريم ﷺ على قيد الحياة، لا يأخذون به إلا في حالة بعد الشقة بينهم وبينه، والأمر يتطلب البت حالًا، أما في حالة كونهم معه فإنهم يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة ليمتثلوا أوامره ﵊ (^٢).
وكثيرًا ما كان النبي ﷺ يزود من يوليهم القضاء بوصاياه وإرشاداته الكريمة (^٣)، وعلى هذا المنوال سار من أتى بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ وغيرهم، ولعل أشهر تلك الوصايا كتاب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (^٤).
_________________
(١) - أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح "سنن الترمذي، (دار الفكر للنشر والتوزيع. القاهرة، ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م) ٢/ ٣٩٤.
(٢) - محمود محمد عرونس، تاريخ القضاء في الإسلام، (المطبعة المصرية الأهلية الحديثة، القاهرة، ١٣٥٢ هـ ١٩٣٤ م) ص ١٩.
(٣) - سنن الترمذي، ٢/ ٣٩٥.
(٤) - أدب القاضي، ص ٤٥. العقد الفريد، ١/ ١٠١.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
هذه الوصايا والإرشادات التي وصلت إلينا منذ عهد النبي ﷺ أو أصحابه ﵃، جميعها تشكل القاعدة الرئيسية للثقافة التي يجب أن يتحلى بها من يلي القضاء.
ومن اجتمع فيه الدين والعلم وكان "مطلعًا على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مشاورة من معه من أهل العلم، ورعًا، ذكيًا فطنًا، فهمًا غير عجول، نزيهًا عما في أيدي الناس عاقلًا، مرضي الأحوال، غير هيَّاب للأئمة (^١) " كان هو الأصلح للقضاء.
ولأن من النادر اجتماع هذه الخصال في رجل واحد - باستثناء السلف الصالح - لأجل هذا نجد الإمام مالك بن أنس، المتوفى سنة (١٧٩) هـ (٧٩٥ م) ﵀، يقول: "ولا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإن اجتمع منهما خصلتان: العلم والورع، ولي (^٢) "، في حين يرى الفقيه عبد الملك بن حبيب (^٣)، أن صفتي العقل والورع تؤهلان الرجل
_________________
(١) - معين الحكام، ٢/ ٦٠٨.
(٢) - لباب الألباب، ص ٢٥٤. معين الحكام، ٢/ ٦٠٩.
(٣) - أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي، أصله من قرية قورت، ولد بالبيرة سنة ١٧٤ هـ، ونشأ بها، ثم تحول إلى قرطبة طلبًا للعلم، ومن أجله رحل إلى المشرق سنة ٢٠٨ هـ، ثم انصرف إلى الأندلس سنة ٢١٠ هـ حاملًا معه علمًا كثيرًا، نشره في بلدته، وعندما ذاعت شهرته وعرفت مكانته أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بنقله إلى قرطبة، وجعله مشاورًا مع يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان، وقد ألف عبد الملك كتبًا كثيرة تجاوزت الألف كتاب في فنون شتى كالفقه والحديث والسير والشمائل والتراجم والتاريخ والطب، ويعتبر كتابه "الواضحة" من أشهر مصنفاته. وصف بأنه عالم الأندلس، فقد كان نحويًا عروضيًا شاعرًا، حافظًا للأخبار والأنساب والأشعار، متصرفًا في فنون العلم، إلا أنه مع غزارة علمه لم يكن له علم بالحديث ولا كان يعرف صحيحه من سقيمه وبعد وفاة يحيى بن يحيى انفرد عبد الملك بن حبيب برئاسة العلم، ومازال ﵀، في سؤدد حتى وافته المنية يوم السبت الخامس من شهر رمضان سنة ٢٣٨ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ٥٠، ٥٢ - ٥٣، ٥٩ - ٦٠. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨١٦. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٥ - ٤٨، ٥٥ - ٥٦،، ٥٩ - ٦٠. ترتيب المدارك ٤/ ١٢٢ - ١٤٢. الإحاطة في أخبار غرناطة، ٣/ ٥٤٨ - ٥٥٣. الديباج المذهب، ص ١٥٤ - ١٥٦. Bolgues، op.cit- p: ٢٩ - ٣٧ محمد العربي الخطابي، الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية، (دار الغرب الإسلامي بيروت. ط الأولى ١٩٨٨ م)، ١/ ٨٥ - ٨٩.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
للقضاء، لأنه بالعقل يسأل ويشير وبالورع يعف (^١)، وورد لدى النباهي أن "كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل، وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قال ابن مسعود ﵁، وإنما العلم نور يضعه الله في القلب (^٢) ".
وقد ذكر ابن عبد ون الصفات الخلقية التي يجب أن يكون عليها القاضي باعتباره قدوة الجميع فهو يرى أن القاضي يجب "أن يكون جزلًا
_________________
(١) - لباب الألباب، ص ٢٥٤. النباهي، ص ٢. معين الحكام، ٢/ ٦٠٩.
(٢) - النباهي، ص ٢.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
في قوله، صارمًا في أمره، محقًا في حكمه، مصونًا عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفًا بحكم الله (^١) ".
وقد استقصت بعض المصادر (^٢) ذكر تلك الخصال وكلها تدور حول كون القاضي قدوة للخاصة والعامة ولذا فلابد أن تتوافر فيه الشروط التي تؤهله لذلك.
وعندما نقلب صفحات تراجم قضاة قرطبة، نجد أن معظمهم قد توفرت فيهم العديد من الصفات التي اشترطها الفقهاء فيمن يلي القضاء (^٣).
وبالمقابل لصور هؤلاء القضاة، نجد صورًا أخرى قاتمة لقضاة وجدوا في عصر الفتنة، من سنة (٣٩٩) هـ-٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) ويصور لنا ابن حيان حال أحدهم في تلك الفترة، فذكر أن رجلًا كان فلاحًا ثم ناسب أسرة ابن ذكوان، وتولى القضاء آنذاك، فكان ذلك الرجل، مع ثرائه "مضاع الجار، ممطول الغريم، عاتب الصديق، مكرها للأنام … ضيق الباع في العلم والفضل، والاتساع في الجهل، فلا يحفظ في الفقه مسألة، ولا يوثق من الشروط عقدًا، ولا يتخلص في التلاوة من سورة، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر، وغالب نزق، فلا
_________________
(١) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ٧.
(٢) - أدب القاضي، ص ١٠٨. الأحكام السلطانية، ص ٥٣ - ٥٤، النباهي، ص ٣ - ٥. المعيار المعرب، ص ١٠/ ٧٦ - ٧٧.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ١٤، ٦١، ٧٤ - ٧٥، ١١١. ترتيب المدارك، ٧/ ١٦٨.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
تلقاه الخصوم أبدًا إلا سريع الغضب، سيء التناول، ينازق الذباب شراسة (^١) ".