حرص الأمويون في الأندلس على إيجاد إدارة حازمة تعمل على تسيير شئون دولتهم الإدارية والمالية، وقد عُرفت هذه الإدارة باسم "الكتابة" (^١).
وهذه الإدارة هي أعلى أجهزة الدولة، وتقع عند الباب الرئيسي للقصر بقرطبة، والمعروف بباب السدة (^٢).
وعندما تحدث ابن سعيد الأندلسي عن الخطط الأندلسية، ذكر أن خطة الكتابة تنقسم إلى قسمين، كاتب الرسائل، وكاتب الزمام (^٣).
وقد عرف المكان الذي يعمل فيه كاتب الرسائل باسم ديوان الرسائل (^٤)، وكانت مهمة هذا الديوان هي إعداد وصياغة المكاتبات الرسمية التي تصدر عن الأمير أو الخليفة.
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.
(٢) - الحلة السيراء، ١/ ٢٥٣. ونظرًا لبناء الناصر والمنصور لمدينتي الزهراء والزاهرة، فقد انتقلت هذه الإدارة إليهما تباعًا، مثلها في ذلك مثل بقية أجهزة الدولة، ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري عاد ديوان الرسائل مع بقية أجهزة الدولة إلى قرطبة وذلك بعد خراب الزاهراء والزاهرة.
(٣) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.
(٤) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٨٠.
[ ٣٣٧ ]
وصاحب ديوان الرسائل يُعد من أبرز موظفي الدولة ويعرف بكاتب الرسائل، ومن تولى هذا المنصب عند الأمويين أصبح له حظ في قلوب وعيون الأندلسيين، ومن أراد منهم تعظيمه وتكريمه فلا يخاطبه إلا باسم الكاتب (^١).
لأجل هذا فقد كانت هناك شروط لابد من توافرها فيمن يلي هذه الخطة الشريفة، وهي أن يكون مسلمًا حسن الديانة سليم العقل، عالمًا بفنون الكتابة، حافظًا للقرآن الكريم والسيرة النبوية وأخبار العرب القدماء، حافظًا للأشعار، بليغًا، فصيحًا، وقورًا، مهيبًا، له معرفة عامة بعلوم النحو، محبًا للعلم، قادرًا على كتمان السر (^٢).
فكاتب الرسائل يحتل أرفع المناصب، وربما يكون هو أقرب الناس للأمير أو الخليفة الأموي، مقدمًا على من سواه، مطالعًا له بأسراره التي يظن بها على أخص الأخصاء من الأقارب والوزراء، فهو الذي يتولى الإشراف على فض الرقاع والمراسلات الخاصة بشؤون الإدارة وترتيبها ليعرضها على الأمير أو الخليفة لأخذ رأيه فيها، وكتابة الردود التي استقر الرأي عليها مع إثبات تاريخ وصول الرسالة وتاريخ الرد عليها في سجل خاص (^٣)، وعليه فالكاتب هو "لسان الملك عند الخاص والعام" (^٤).
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.
(٢) - ابن منجب الصيرفي، ديوان الرسائل، ص ٩٤، ١٠٨.
(٣) - المصدر السابق، ص ١٠٨، ١١٢.
(٤) - ابن أبي الربيع: سلوك المالك في تدبير الممالك، (طبع حجر بشكل جداول أو شجيرات، المطبعة الخاصة بجمعية المعارف، القاهرة ١٢٨٦ هـ) ص ١٢٦.
[ ٣٣٨ ]
من أجل هذا نجد أن الأندلسيين لا يكادون يغفلون عن عثرات كاتب الرسائل لحظة، فإن كان نقاصًا عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه (^١).
وكان يعمل في ديوان الرسائل عدد من الكتَّاب والموظفين، الذين يشترط فيهم أن يكونوا من ذوي الكفاية العالية في فنون الكتابة، إضافة إلى إجادة كل منهم لعمل معيَّن في الديوان.
فهناك كاتب مهمته ترتيب الكتب التي ستعرض على الأمير أو الخليفة وتلخيصها (^٢)، وكاتب مختص بكتابة مراسيم التعيين والأحداث الهامة التي تتلى على المنابر (^٣)، وكاتب مختص بمكاتبة الملوك (^٤)، وآخر لمكاتبة رجالات الدولة وولاتها (^٥).
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٢١٧.
(٢) - ابن منجب، ديوان الرسائل، ص ١١٦، ١١٧.
(٣) - المصدر السابق، ص ١١٩.
(٤) - نفسه، ص ١٧٢، ١٧٩.
(٥) - نفسه، ص ١٣٠.
[ ٣٣٩ ]
ولابد أن يوجد في الديوان مكان خاص بحفظ السجلات والأوامر الصادرة عن ديوان الرسائل (^١)، وهذا المكان هو مايعرف بالوقت الحالي باسم "الإرشيف".
ومع التطور الكبير الذي شهدته الدولة الأموية في عصر الخلافة، واتساع المهام الواجب على كل جهاز من أجهزة الدولة القيام بها، نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يصدر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) بتوزيع أمور الخدمة السلطانية بين وزرائه، فقلَّد الوزير جهور بن أبي عبد ة النظر في كتب جميع أهل الخدمة، وقلَّد الوزير عيسى بن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواحل والأطراف وغير ذلك، وقلَّد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك، وقلَّد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم (^٢). ولا يصل أحد إلى خطة الكتابة إلا بعد اجتيازه لاختبار يمر به، فإن أثبت كفاءته نال المنصب، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما أراد تقديم حامد الزجالي (^٣)
_________________
(١) - نفسه، ص ١٣٨، ١٣٩.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٢٢٠.
(٣) - هو حامد بن محمد بن سعيد الزجالي، ورث مكان والده في الأدب والمعرفة والكتابة والبلاغة، كان كاتبًا، وزيرًا، أديبًا، حليمًا، عفا، جميل الخصال، إلا أنه كان يعاب بالبخل، مما عرضه للهجاء، وقد مكث حامد في خطته حتى توفي سنة ٢٦٨ هـ. انظر: ابن القوطية، ص ٨٣ - ٨٥. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٢، ٣٦ - ٣٨.
[ ٣٤٠ ]
لخطة الكتابة، أمر بإدخاله إلى المكان المخصص للكتَّاب، ثم أمره بأن يكتب كتابًا على لسانه لأحد رجاله في الثغر يحذره من أحد المناوئين، فلما استحسن الأمير ما رفعه إليه حامد، أمر أن يوضع له فراش مع الوزراء (^١).
من هذه الحادثة يتضح لنا أيضًا أن الكاتب يحمل لقب "وزير" فيقال له "الكاتب الوزير" وبطبيعة الحال له من المميزات مثل ما للوزير إضافة إلى طبيعة عمله وهو الكتابة.
ولم يتخذ الأمويون كاتبًا خاصًا لهم في بداية أمرهم، فالكاتب الموجود في بيت الوزراء يكتب للأمير الأموي متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، لكن هذا الرسم تغير منذ عهد الأمير عبد لرحمن الأوسط، فقد اتخذ كاتبًا خاصًا به لا يكتب لأحد غيره، وأول من نال هذا المنصب محمد بن سعيد الزجالي (^٢)، وبذلك ظهر رسم جديد في الدولة أن للأمير أو الخليفة الأموي كاتب خاص، وللوزراء كاتب خاص بهم.
والكاتب الخاص هو المعروف في الدولة الأموية بالأندلس بصاحب القلم الأعلى، أو "صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبهم العظيم (^٣) "
_________________
(١) - ابن القوطية، ص ٨٤ - ٨٥.
(٢) - محمد بن سعيد بن أبي سليمان الزجالي وصف بأنه كان ذكيا، مشهورًا بالحفظ، ولذا فقد لُقِّب بالأصمعي، ويعتبر محمد هو باني مجد الزجاجلة في الأندلس توفي سنة ٢٣٢ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١ - ٣٦.
(٣) - ابن القوطية، ص ٨٣.
[ ٣٤١ ]
ولا يمكن أن يصل إليه إلا من كان مسلمًا، ولأجل هذا فعندما أصيب عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد (^١) بعلة أقعدته عن ممارسة مهام صاحب القلم الأعلى، وذلك في سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) تقريبًا، قام قومس بن أنتنيان بأعمال عبد الله بن أمية، فلما توفي ابن أمية، قال الأمير محمد "لو أن قومسًا كان مسلمًا ما استبدلناه" ولأجل هذا بادر قومس إلى إعلان إسلامه والإشهاد على ذلك، فولاه الأمير خطة الكتابة (^٢).
وما كان الأمويون يتسامحون في أمر من أمور الكتابة، فهناك رسوم على الجميع التقيد بها، وهي أن يُحكِمْ الكاتب "الخط، فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرقَّ فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحُكم الصَّادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها" (^٣).
_________________
(١) - عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد بن عبد الرحمن ابن أبي جوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم، جده أمية دخل الأندلس في طالعة بلج، وتولى مهمة الكتابة للأمير عبد الرحمن الداخل، وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كان عبد الله بن محمد بن أمية يتولى منصب ولاية العرض، ثم تولى الوزارة والكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد. وأسرة أمية بن يزيد هي من الأسر التي وصفت بالنجابة واستحوذ أبناؤها على خطة من خطط الدولة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١، والتعليق رقم ١٠٠. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٣.
(٢) - ابن القوطية، ص ٨٢.
(٣) - الذخيرة، ق ١ م ١ ص ١٠٦.
[ ٣٤٢ ]
ولا يعفى أحد من ولاة الكور وقادة الثغور من اتباع هذه الرسوم، فمن أرسل كتابًا إلى بيت الوزراء بقرطبة في رقٍ رديِّ، أو مداد دنيٍّ، أو كان خطه غير جيد، أو في عبارته لحن، وما شاكل ذلك، فلا ينظر في طلبه، بل سيعاقب بالعزل وإغرام المال (^١).
وقد كانت هناك أنواعًا عدة من الكتب تصدر عن حكومة قرطبة، تباينت أغراضها مابين أمان (^٢)، وتولية (^٣)، وفتح (^٤)، وهدم (^٥)، واستنزال عصاة (^٦)، وتنديد بأهل البدع (^٧)، وكتب استسقاء (^٨)، وإسقاط بعض المغارم (^٩)، واستنفار للجهاد (^١٠)، ومنح ألقاب (^١١) واتخاذها (^١٢)، وكتب
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ١٠٧.
(٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا. ص ٤٠٥.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٧٧، ١١١ - ١١٤.
(٤) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٢٢٦ - ٢٣١.
(٥) - المصدر السابق، ص ٢٣٢ - ٢٣٧.
(٦) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ١٧٨ - ١٨١.
(٧) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٢٥ - ٢٩.
(٨) - نفسه، ص ٢٥١ - ٢٥٢.
(٩) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٢٠٧.
(١٠) - نفسه، تحقيق: شالميتا، ص ٤٣٣.
(١١) - نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص ٦٩.
(١٢) - الحلل الموشية، ص ٣١ - ٣٢.
[ ٣٤٣ ]
صلح (^١)، وهذه الكتب بمجرد صدورها تُحمَلْ للوزير الكاتب ليثبتها في السجلات (^٢).
وخطة الكتابة متوارثة في الدولة الأموية شأنها في ذلك شأن بقية الخطط، فالأمويون يحرصون على وضع خطط دولتهم بأيدي أبناء أسر معينة، فإذا توفي صاحب الخطة، نظروا في ذريته، واستقدموا أحدهم ليليها مكان أبيه، حتى وإن كان ذلك الولد لا يملك ما يؤهله لتوليها، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فبعد وفاة كاتبه عبد الله بن أمية استدعى ولده عبد الملك بن عبد الله (^٣)، وولاه الكتابة ورغم إقرار عبد الملك للأمير بالعجز عن الكتابة، إلا أن الأمير أمره بتقلدها ونصحه بالاستعانة بمن يثق به، لقاء رزق يجرى له، حتى يتقن عبد الملك الكتابة (^٤).
ويُعد أمية بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي حوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم باني مجد بيت آل أبي حوثرة في الأندلس، فقد دخل أمية الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري، ثم تولى الكتابة للأمير
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١١٤ - ١١٥.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ٤١.
(٣) - لقد حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الحيلولة دون تولي عبد الملك هذا المنصب الرفيع إلا أن الأمير محمد أعرض عنه، مما عُدَّ من كريم أفعاله. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٣ - ١٤٤. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٣٤٤ ]
عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر (^١)، واستمر في منصبه حتى توفي سنة (١٥٤) هـ (^٢) (٧٧١ م)، وتولى ولده محمد بن أمية الكتابة للأمير هشام الرضا حتى وفاته، وكذلك السنوات الأربع الأولى من عهد الأمير الحكم الربضي، لكنه عزله لاتهامه إياه بالوقوف ضده مع عمه سليمان بن الأمير عبد الرحمن الداخل (^٣)، فمات محمد بن أمية خاملًا سنة (٢٢٦) هـ (^٤) (٨٤١ م) وتولى ابنه عبد الله الكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد (^٥)، وظل في منصبه إلى سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) ثم أصيب بمرض أقعده حتى وفاته سنة (٢٤٦) هـ (^٦) (٨٦٠ م).
ثم تولى الكتابة ابنه عبد الملك للأمير محمد، وذلك سنة (٢٦٨) هـ (٨٨١ م) وأقره عليها الأمير المنذر وفي عهد الأمير عبد الله جمعت لعبد الملك القيادة مع الكتابة والوزارة، وظل في منصبه حتى قتله غدرًا المطرف بن الأمير عبد الله بالقرب من اشبيلية، وذلك سنة (٢٨٢) هـ (^٧) (٨٩٥ - (٨٩٦) م) وكان مروان ابن عبد الملك يخلف أباه على الكتابة عند
_________________
(١) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١.
(٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.
(٤) - المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص ٣١.
(٥) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣.
(٦) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣١.
(٧) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١٠ - ١١١. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
[ ٣٤٥ ]
غيابه، إلا أنه اتهم بالقدح بالأمير عبد الله، فحبس بالمطبق ثم قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (^١) (سبتمبر (٨٩٧) م).
ومثل بيت ابن أبي حوثرة، لدينا بيت الزجاجلة (^٢)، فقد توارثوا خطة الكتابة في الدولة الأموية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، باستثناء عدة سنوات ابتداءً من سنة (٣٠٢) هـ (٩١٤ - (٩١٥) م) وهي السنة التي توفي فيها الكاتب الوزير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، حيث لم يبرز أحد
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٢٢. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧٤.
(٢) - بيت الزجاجلة، من بني يطفت من نفزة، دخل أولهم الأندلس أيام الفتح، واستقروا مع البرابر النازلين بمدينة تاكرنا من كورة رندة، بدأت نباهة هذا البيت على يد محمد بن سعيد بن أبي سليمان وارشكين المعروف بحمدون والشهير بالأصمعي لذكائه وقوة حفظه، وذلك عندما استكتبه الأمير عبد الرحمن الأوسط واستخصه. وقد توارثت ذرية الأصمعي خطة الكتابة فقد تولى حامد بن محمد بن سعيد الزجالي الكتابة ثم الوزارة للأمير محمد بن عبد الرحمن. ومن ثم جاء عبدالله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، فتولى خطتي الكتابة والوزارة للأمير عبدالله بن محمد ولحفيده عبد الرحمن الناصر، وأما محمد بن عبد الله الزجالي فقد تولى الوزارة لعبد الرحمن الناصر، وفي ٣١٩ هـ قدم الخليفة عبد الرحمن الناصر عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي لعدة مهام إلى أن ولاه منصبي الوزارة والكتابة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣٢ - ٣٨، والتعليقات أرقام ١٠٥، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٣. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٣٣٠ - ٣٣١. أمثال العوام في الأندلس، مقدمة المحقق ص ٧ - ١٢.
[ ٣٤٦ ]
من بيت الزجالي، حتى عادت إليهم الكتابة بعبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي سنة (٣٢٩) هـ (٩٤١ م) وكان عبد الرحمن هذا هو أخر من ورد ذكره من أفراد أسرته، ومن بعده لانسمع لهذه العائلة أي ذكر في خطة الكتابة في الدولة الأموية (^١).
ولعل أشهر من تولى الكتابة في الدولة الأموية على الإطلاق هو الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد اختبره جده الأمير عبد الله بن محمد عندما أمره أن يكتب كتابًا لأحد عماله بأمر هام، ويبدو أن عبد الرحمن قد أصاب بغية جده، الذي لم يخف سروره بنبوغ حفيده، فاتخذه كاتبًا لسره (^٢).
ونظرًا لأن الفتنة التي اندلعت في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) قد عصفت بالدولة الأموية، وأثرت على كافة أجهزتها، فقد كانت الكتابة من بين تلك الأجهزة التي تأثرت بها، إذ أصبح يرتقي إليها من لا يفقه فيها شيئًا، وقد وصف ابن حيان أحد أولئك الكتبة فقال فيه "ونعي إلينا فلان الدغل، غازله السِّل، كالأفعوان الصِّل، وكان أحد أعاجيب الدنيا في الفجور والخبث، والزهو والكبر، والعقوق
_________________
(١) - انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٣١ - ٣٣.
(٢) - المقتبس، تحقيق: انطونيه، ص ٣٩، ٤٠ وكان عبد الرحمن في ذلك الوقت دون العشرين من عمره.
[ ٣٤٧ ]
والجرأة، وكان إذا كتب مضطرًا يضحك من تأمله، له في ذلك نوادر محفوظة، أمسى بها من حُجج الله تعالى في الرزق المقسوم" (^١).
وقال في وصف كاتب أخر "وفلان ساذج الكتابة، بيِّن الجهل والتخلف، طلق اللسان بالخنا والهجر، أحد الأفسال من أولي النباهة، عظيم البطالة والباطل، ومن كل حلية جميلة عاطل، من رجل عيّ اللسان، مثلوم الجنان، فدم الخلقة، طويل اللحية متهافت، لم يُرهف الأدب طباعه، ولا استخرج من كلمة حكمة (^٢) ".