كان للحشم مسئول يتولى الإشراف عليهم يعرف باسم "الناظر في الحشم (^٤) " أو "صاحب الحشم (^٥) " ويكون برتبة وزير (^٦)، ومن بين الذين
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٢٧٩.
(٢) - المصدر السابق، ص ٢٩٣.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٤٧.
(٥) - المصدر السابق، ص ٢٢.
(٦) - نفسه، ص ٣٠.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
تولوا هذا المنصب محمد بن قاسم بن طملس (^١) وتولى من بعده ولده قاسم هذا المنصب مضافًا إليه الشرطة العليا (^٢) ثم تولاها زياد بن أفلح بالإضافة إلى خطة الخيل (^٣).
ويبدو أن هؤلاء الحشم لا يقتصر تواجدهم على قرطبة فحسب، إذ تذكر المصادر تواجد الكثير منهم في العديد من المدن الأندلسية (^٤)، ومهام الحشم بصفة عامة تختلف عن المهام المنوطة بالخرس، ففي الوقت الذي كانت فيه مهمة الخرس هي حراسة أمراء وخلفاء بني أمية وقصورهم، كان الحشم بالمقابل يتولون مهام عديدة في الجيش، فمثلًا في المعارك كان قسم منهم مسئولًا عن تعبئة العساكر (^٥)، بينما في أوقات السلم كانوا يقومون بالإشراف على ترتيب الجند، وتحديد مراتبهم وذلك عند الاستعراضات العسكرية عندما يكون هناك وفد رسمي زائر (^٦)، وبالإضافة إلى مشاركتهم الفعالة في المعارك (^٧) فإن لهم مهمة خاصة أهلتهم لها
_________________
(١) - نفسه، ص ٣٠.
(٢) - نفسه، ص ١١٩.
(٣) - نفسه، ص ١٩٦.
(٤) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ٥٣ - ٥٤. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥/ ٩١. البيان المغرب، ٢/ ١٤٢.
(٥) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص ١٦٥.
(٦) - المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ١٩٥ - ١٩٦.
(٧) - انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٨١، ٣٢٢، ٤٦٨، ٤٨٦. البيان المغرب، ٢/ ٢٠٥، ٢١٠، ٢٣٢.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الكفاءة العسكرية التي كانوا يتمتعون بها، إذ كانوا دائمًا يشكلون طلائع رئيسة للجيش تعمل على تمهيد السبيل أمامه وتقوم بضبط الحصون بعد افتتاحها (^١).
وفي بعض الأحيان تسند للحشم مهمة تقصي الحقائق في مسألة معينة ومن ثم رفع الخبر على وجه الصحة للأمير في قرطبة (^٢)، كما أن صاحب الحشم يقوم أحيانًا بمهمة إجراء المفاوضات (^٣).
ومن خلال المعلومات التي وردت في بعض المصادر ندرك أن أعداد الحشم لم تكن قليلة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أرسل أخاه الحكم بن عبد الرحمن على رأس صائفة، فوصل إلى قلعة رباح فأعاد إعمارها وأتقنها واسترجع أهلها إليها، وجعل عندهم جيشًا كثيفًا من الحشم (^٤)، كما أن الخليفة عبد الرحمن الناصر شحن مدن الأندلس وحصونها وقصابها وفروج ثغورها بالحشم (^٥)، وهناك نص لابن حيان أكد فيه كثرة أعداد أولئك الحشم، فقد ذكر أن صاحب الشرطة محمد بن قاسم بن طملس خرج من قرطبة قائدًا ومددًا للوزير القائد
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٧١، ٧٢، ٨٦، ١٥٥، ٢٣٢، ٢٤٧.
(٢) - المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١١١.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ١٣٠.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٩٤.
(٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
غالب بن عبد الرحمن "فكان خروجه فخمًا ظاهرًا في عسكر لجب من طبقات الحشم الذين استجاز حملاتهم" (^١).
وإلى جانب هذه العناصر التي ذكرناها والتي تشكل في مجملها القوات النظامية في الجيش الأموي بالأندلس، وجد المتطوعه الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله تعالى بأموالهم وأنفسهم طلبًا لما عند الله تعالى وإعلاءً لكلمته، فقد كان هؤلاء المتطوعة بمجرد أن يسمعوا نداء الأمير أو الخليفة للجهاد يسارعون بتلبية النداء بلاد تردد، وكانت العدوة المغربية مصدرًا من مصادر المتطوعة الذين يرون في الأندلس "دار جهاد وموطن رباط (^٢) ".
وقد كان المتطوعة موضع ثناء أمراء وخلفاء بني أمية لسرعة استجابتهم وصالح بلائهم (^٣) ورغم أنه كان يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم ومنازلهم بعد الغزو، إلا أن بعضهم يرفض العودة إلى أهله، مفضلًا المرابطة في سبيل الله تعالى وحراسة الثغور على كل شيء، فأقاموا الربط (^٤) التي
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٨.
(٢) - جغرافية الأندلس وأوربا، ص ١٣٠. وانظر ابن الزبير، صلة الصلة، (تحقيق: ليفي بروفنسال، المطبعة الاقتصادية، الرباط ١٩٣٧ م). ترجمة رقم ٣٣٢.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٢٦.
(٤) - عن الربط انظر: المالكي، رياض النفوس، (تحقيق: د. حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية ط الأولى ١٩٥١ م) ج ١ ص ٢٥ - ٢٧ من مقدمة المحقق.
[ ٢ / ٥٠١ ]
كان لها بالليل دوي كدوي النحل من تلاوة القرآن وترديد ذكر الله تعالى، وفي النهار كان المرابطون فرسانًا أشاوس يرهب جانبهم (^١).
ورغم أننا لا نجد بيانًا خاصًا برواتب الجند النظاميين، فإننا لا نشك بأنه كانت هناك مرتبات شهرية تدفع لهم، فقد كان الأمويون لا "يزيدون فارسًا على خمسة دنانير للشهر شيئًا، مع نفقته وعلف فرسه (^٢) ".
وهذا المرتب كان يتأثر بالحالة السياسية للدولة، فإنه نظرًا للإضطراب السياسي الذي كانت تعاني منه الدولة الأموية إبان إمارة الأمير عبد الله بن محمد بسبب كثرة الفتن، نجد أنه ضيَّق على جنوده وقلل أعطياتهم (^٣). وكما أن المرتبات تتأثر بالوضع السياسي للدولة، فكذلك يتأثر عطاء كل جندي وفق بسالته وشجاعته، "فمن ظهرت نجدته وإعانته وشجاعته أكرموه بولاية موضع ينتفع بفوائده (^٤) "، والأمير عبد الرحمن الداخل عندما كان في إحدى معاركه في الثغر الأعلى نظر إلى أحد فرسانه وقد أظهر كفاءة وشجاعة نادرتين، فأمر أحد فتيانه أن يسأل عن الرجل، فإن كان من أشراف الناس أعطاه ألف دينار، وإن كان من أفناء
_________________
(١) - دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص ٢٩٦ - ٣٠٠.
(٢) - الحلل الموشية، ص ٨٢.
(٣) - أخبار مجموعة، ص ١٥٠ - ١٥١.
(٤) - الحلل الموشية، ص ٨٢.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الناس فيعطيه نصفها (^١)، وأما من استشهد من جند الجيش الأموي فإن عطاؤه وأرزاقه تنتقل إلى ذريته (^٢).
وأما المتطوعة الذين لا ذكر لهم في الديوان، فهم بالإضافة إلى ما يغنمونه من المعارك فإن لهم صلات من الأمراء والخلفاء (^٣).
بقي أن نقول إن المنصور بن أبي عامر كان يدرك تمامًا أن الكثير من أبناء الشعب الأندلسي غير راضٍ عن السياسة القهرية التي ينهجها، ولذا فقد كان يخشى من حركة تهب في وجهه أو عصيان يدبر ضده فيطيح به، وهو مدرك في الوقت نفسه أن الجيش له الكلمة الفاصلة في هذا الموضوع، لأجل ذلك عمل على إجراء تغييرات جذرية في تركيبة الجيش، فنسخ تنظيمه الداخلي الذي كان سائدا طيلة عهد أمراء وخلفاء بني أمية إلى عصر الخليفة هشام المؤيد (^٤)، وذلك عندما جعل كل تشكيل من
_________________
(١) - أخبار مجموعة ص ١١٩، والمكافأة على الشجاعة والاستبسال أول من أقرها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فقد كتب إلى عمرو بن العاص ﵁ بأن يفرض لخارجة بن حذافة ﵁ في شرف العطاء لشجاعته. انظر: البلاذري، فتوح البلدان، (بعناية: رضوان محمد رضوان، المكتبة التجارية الكبرى القاهرة، ط الأولى ١٣٥٠ هـ)، ص ٤٤٢.
(٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢٠. وهو في هذا متبع لفعل الخليفة الراشد عمر ﵁، انظر: فتوح البلدان، ص ٤٤٧.
(٣) - البيان المغرب ٣/ ٤.
(٤) - كان الجيش الأموي قبل عهد المنصور يعتمد في أساسه على تجميع الفئات والقبائل من مختلف الرتب، كل صنف على حدة مع إيجاد عملية التآلف بين الجميع.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
تشكيلات الجيش يشتمل على كافة العناصر والفئات، فقد وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا دون النظر إلى العصبية القبلية التي ينتمي إليها كل جندي، وكل مجموعة أو سرية لها قائد يرعى شؤونها، كما قرر أرزاقًا شهرية تصرف لكل جندي، وبذلك ضمن المنصور سهولة تجميع القوات في أي وقت، بالإضافة إلى الانضباط الذي أصبح سمة الجيش آنذاك (^١) وكما ضمن عدم حدوث عملية التفاف ضده.