وكما أن للبيعة بالإمارة أو الخلافة رسوم متبعة، فإن للخلع من ذلك المنصب رسومًا مشهودة، فالخليفة هشام المؤيد عندما قام ضده محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالمهدي طالب المؤيد بخلع نفسه عن منصب الخلافة، فاستجاب لطلبه، فدخل اثنان من كبار فقهاء قرطبة على الخليفة هشام المؤيد في مجلسه، وسمعا منه خلع نفسه، وأخذا منه البيعة للمهدي فأداها وهو يقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (^١) فبشهادة هذين الفقيهين، خُلع المؤيد ونودي بالمهدي خليفة بدلًا منه، وذلك يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (^٢) (١٨ مارس (١٠٠٩) م).
وعندما بدأت دولة المهدي للمرة الثانية ودخل قصر الخلافة بقرطبة في شهر شوال سنة أربعمائة (^٣) (يونيو (١٠١٠) م) بادر إلى إحضار الخليفة هشام المؤيد إلى مجلسه، وطالبه بخلع نفسه من الخلافة، فاستجاب لطلبه "وكتب خلعه بيده (^٤) ".
وعلى هذا فإننا نجد أن رسوم الخلع من الخلافة تقتضي حضور الشهود من قضاة وفقهاء ووزراء ونحوهم، وأن يكتب الخليفة المخلوع
_________________
(١) - من أية ٣٦ سورة آل عمران.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٦٠.
(٣) - المصدر السابق، ٣/ ٩٥.
(٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ٢٠١.
[ ١٤١ ]
كتابًا بيده، يعترف فيه بعجزه عن تدبير أمور الخلافة، ويُحل الرعية من البيعة التي له في أعناقهم (^١)، ويشهد الحضور على ذلك الكتاب، ثم يبايع الخليفة المخلوع للخليفة الجديد.
إلا أن هذه الرسوم لم تُتبع عندما أجمع "وزراء ومشيخة الرأي (^٢) " في قرطبة على إنهاء الخلافة الأموية في عهد هشام المعتد بالله، فقد اكتفوا بإصدار قرارهم دون أن يأخذوا من الخليفة هشام المعتد بالله كتابًا يقر فيه بعجزه عن إدارة شؤون الخلافة، ويحل الأمة من بيعته، وذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة (٤٢٢) هـ (^٣) (٣٠ نوفمبر (١٠٣١) م).
وهذه الحالة تكررت من قبل، فعندما اتفق أعيان قرطبة على خلع الخليفة المستكفي بالله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (^٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) دخلوا عليه وقالوا له: "قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وهانحن خارجون إليه ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة
_________________
(١) - الذخيرة ق ٣ م ١، ص ٥٢٩.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ١٤٥، أعمال الأعلام ٢/ ١٣٩.
(٣) - انظر: الذخيرة، ق ٣ م ١، ص ٥٢٩. البيان المغرب، ٣/ ١٥١. أعمال الأعلام ٢/ ١٣٩.
(٤) - البيان المغرب ٣/ ١٤١.
[ ١٤٢ ]
فلا تيأس فمع اليوم غد، فأجمل الرد وانقاد للدنية (^١) " ولم يؤخذ منه كتابًا يعترف فيه بالخلع ويحل الأمة من بيعته.