حكام دولة بني أمية بالأندلس حرصوا على تكريس الوزارات بأيدي أبناء أسر معينة، مثل أسرة آل بني عبد هـ وبني فطيس وآل بسيل وآل شهيد
_________________
(١) البيان المغرب، ٢/ ٨٠
(٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٨ - ٢٩. الحلة السيراء، ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢.
(٣) الحلة السيراء ٢/ ٣٦٥.
[ ٤٦٦ ]
والزجالي وغيرها، بل حدث في عهد الأمير عبد الله بن محمد نادرة -كما يقول ابن حيان- إذ اجتمع لديه أربعة وزراء كلهم من آل بني عبد هـ دفعة واحدة، هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن أبي عبد هـ، وأبو العباس أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ، وسليم بن علي بن أبي عبد هـ، وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبد هـ المعروف ب"دُحيم" (^١).
ولا تقتصر عناية بني أمية بوزرائهم فقط، بل تمتد هذه العناية إلى أولادهم، فإذا حدث أن غاب أحد الوزراء كأن وقع بالأسر أو قتل، فإن ولده يحل محله (^٢)، وإن كان هذا الولد غير كفء لتحمل المسؤولية لهذا المنصب الخطير، تم تكليف أحد ذوي الخبرة بالوقوف إلى جانبه وتدريبه حتى يتقن عمله (^٣) وإذا توفي أحد الوزراء، ذهب الخليفة بنفسه إلى والد الوزير ليقدم له التعزية، وحفظًا لود ذلك الوزير يأمر الخليفة بتقديم أحد أبناء المتوفي أو أحد إخوته إلى منصب عالٍ في الدولة (^٤)، وعلى هذا يمكن القول بأن أشد الجوانب الإيجابية وضوحًا في هذه السياسة أن بني أمية لا يفرطون برجالهم.
وقد شهدت الوزارة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تنظيمًا جديدًا بسبب مشادة جرت بين اثنين من خزان المال، هما: عبد الله بن
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٥ - ٦.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٨ - ١٧٩. الحلة السيراء، ١/ ١٤٢.
(٣) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٨ - ١٧٩.
(٤) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ١٠٧.
[ ٤٦٧ ]
عثمان بن بسيل ومحمد بن وليد بن غانم على من يكتب اسمه أولًا، واحتج ابن بسيل على صاحبه ابن غانم بأنه شامي فهو أولى بالتقديم، وعندما رفع الخبر إلى الأمير محمد أقر ابن بسيل على حجته وقدمه على ابن غانم (^١)، وعن هذا التنظيم الذي أحدثه الأمير محمد يقول الوزير عبد الحميد بن بسيل أن "الأمير محمد هو الذي قسم مراتب الخدمة، وفصل خططهم النبيهة، وأناف على جميعهم من متقدمة خطة الوزارة، وأشعرهم التعظيم والجلة، وأرجح أهل الشام من الوزراء على أصحابهم الأندلسيين، فقدمهم في الإذن عليه، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة (^٢) " وبذلك فإن الأمير محمد يعتبر مجددًا في رسوم الدولة مثل والده الأمير عبد الرحمن الأوسط لكن مسألة تقديم الشامي على البلدي "الأندلسي" بصفة عامة قد أخذت بها الدولة الأموية بالأندلس منذ قيامها، يدل على ذلك ما ذكره الرازي عن التنظيم الذي أجراه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجيش وما يترتب على أعضائه الشاميين والبلديين من حقوق أو واجبات (^٣). ولعلنا نستأنس بفعل الأمير عبد الرحمن الداخل على أن الشاميين كانوا مقدمين على البلديين منذ البداية وفي كافة المناصب، وإلا كيف يحتج ابن بسيل على ابن غانم؟ وفضلًا عن ذلك فقد كانت الدولة
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧.
(٣) انظر: الإحاطة، ١/ ١٠٤.
[ ٤٦٨ ]
الأموية بالأندلس شامية بكل شيء، فلا غرابة إذًا أن يقدم الشامي على من سواه.
وعلى أية حال فقد ظلت مسألة تقديم الشامي على البلدي في الوزارة معمولًا بها حتى بعد إمارة الأمير محمد، فعندما أراد الوزير عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ أن يجلس أعلى من الوزير موسى بن حدير أصدر الأمير عبد الله بن محمد أمره بأن يبقى الوزير ابن حدير مقدمًا على الوزير ابن أبي عبده وفقًا لما رسمه والده الأمير محمد من قبل (^١).
وللوزير بالأندلس حاجب ينظم عملية دخول الناس عليه، فإذا زاره وزير مثله، فإن الرسم يقتضي ألا يحجبه ولا لحظة، بل يبادر بالقيام إليه، إذ أن الوزير لا يقوم إلا لوزير مثله (^٢)، وكما أن له حاجب فكذلك لديه كاتب خاص (^٣)، وعدد من المعاونين أشبه ما يكون بالسكرتارية في الوقت الحالي، وأما الوزراء فإن لديهم كاتب خاص مقره بيت الوزارة (^٤).
_________________
(١) الحلة السيراء، ١/ ١٢٠ - ١٢١، وكذلك حاشية رقم ٣ من نفس الصفحة. قارن: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٣٧ حاشية رقم ٢.
(٢) الحلة السيراء، ١/ ١٢٤.
(٣) المغرب، ١/ ١٤٤.
(٤) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٣٥.
[ ٤٦٩ ]
كذلك جرت العادة لدى بني أمية بالأندلس أن يقدَّم الوزير على القاضي (^١) كما اتصفوا بكثرة استشارتهم لوزرائهم (^٢)، ولذا فإن الآراء التي تقدم من الوزراء لابد أن تكون مكتوبة في بطائق خاصة (^٣).
ورغم المكانة العالية للوزراء، فإن للأمير عيون تنقل إليه كل ما يجري لديهم إذا جلسوا في بيتهم (^٤) الذي جرت العادة أن تفوح منه رائحة المسك دائمًا (^٥).
والوزير يمنح ألقابًا تضاف إليه حسب طبيعة عمله -كما ذكرنا سابقًا- فالخليفة الحكم المستنصر منح وزيره غالب بن عبد الرحمن لقب "القائد الأعلى" وأصدر في ذلك مرسومًا ثبت في الديوان الخاص وفي بيت الوزارة أمر فيه ألا ينادى ولا يخاطب غالب بن عبد الرحمن إلا ب"الوزير القائد الأعلى (^٦) ". هذا اللقب الذي منحه الخليفة المستنصر للوزير غالب
_________________
(١) النباهي، ص ٨٨.
(٢) المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٧٢، ١٣٠.
(٣) ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٥٤. نفح الطيب ١/ ٣٥٣.
(٤) ابن القوطية، ص ١١٣. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٨٦. ومما يدل على شدة الرقابة المفروضة على الوزراء في بيتهم ماذكره الرازي من أن الوزير هاشم بن عبد العزيز تنفس بطريقة تدل على التذمر عندما أخرج الأمير المنذر إلى الوزراء رقعة بتوقيعه فرفع أمره مباشرة إلى الأمير المنذر. انظر: الحلة السيراء، ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٥) جذوة المقتبس، ص ٤٠٧ ترجمة رقم ٩٧٥.
(٦) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٦٩.
[ ٤٧٠ ]
بن عبد الرحمن ترتبت عليه حقوق ميزته عن نظرائه من الوزراء، إذ أمر الخليفة بتصدير فراش الوزير القائد الأعلى غالب فوق فرش الوزراء جميعًا تشريفا له (^١)، ثم خلع عليه خلعًا متميزة، وقلده سيفين مذهبين من أنفس ما في خزانته وسماه "ذا السيفين" وأمر أن تثبت هذه التسمية مع ما سبق له من الألقاب (^٢).
لكن إطلاق لقب "ذا الوزارتين" على أحدٍ من الوزراء هو في الواقع لقب تشريفي ليس إلا، يدل على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر هو أول من أطلقه على أحد وزراء دولته، وكان أول من حظي بهذا اللقب الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد، والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم ينل هذا اللقب إلا بعد هديته المشهورة للخليفة عبد الرحمن الناصر (^٣).
وعلى الرغم من الواجبات العديدة التي اضطلع بها الوزراء، إلا أنه وجد وزراء بدون وزارات، وهو ما يعرف حاليًا ب"وزراء دولة" فعليهم التواجد مع الوزراء ليكلفهم الأمير بما شاء ومتى شاء، ومن هؤلاء: بدر الصقلبي مولى الأمير عبد الله بن محمد والسبب في منحه لقب "وزير" أنه أشار على الأمير عبد الله في مسألة ثبت فيها نصحه ونجحت رؤيته، فأعجب الأمير به وأمر بوضع فراش له للشورى مع الوزراء (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق، ص ٢١٩.
(٢) نفسه، ص ٢٢٠.
(٣) الحلة السيراء، ١/ ٢٣٨. نفح الطيب، ١/ ٣٥٦ - ٣٦٠.
(٤) ابن القوطية، ص ١١٢ - ١١٣. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ١٣ - ١٣١.
[ ٤٧١ ]
وإذا أتينا إلى مسألة عدد الوزراء، نجد أن العدد يختلف من عهد أمير إلى آخر ومن خليفة إلى غيره، بل إن العدد يختلف بين سنة وأخرى، فنجد أن الأمير عبد الله بن محمد هو أول من استكثر من الوزراء حتى بلغ عددهم ثلاثة عشر وزيرًا، لكنه عندما توفي لم يكن في بيت الوزارة لدية إلا أربعة وزراء فقط (^١).
وأكبر عدد من الوزراء وجد في دولة بني أمية بالأندلس كان على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ففي سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٢) كان عدد الوزراء لديه ستة عشر وزيرًا (^٢). وفي الوقت نفسه شهد عصره أقل عدد من الوزراء في الدولة الأموية، إذ أنه أصدر أمره سنة (٣٣٩) هـ (٩٤١ م) بعزل جميع الوزراء البالغ عددهم تسعة وزراء ولم يبق منهم سوى وزيرين (^٣).
ولبني أمية أسلوبهم الخاص في التعامل مع وزرائهم، من ذلك أن الأمير إذا أحس من أحد وزرائه إعجابا بنفسه، نصب إزاءه من يكون مبرزًا في نواحٍ عدة، ويعلي من شأنه ليكسر من حدة ذلك الوزير المعجب
_________________
(١) هم: العباس بن عبد العزيز القرشي المرواني، وأحمد بن محمد بن أبي عبد هـ، ومحمد بن وليد بن غانم وعبد الله بن محمد الزجالي الكاتب. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٦.
(٢) المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٧.
(٣) المصدر السابق ص ٤٧٠.
[ ٤٧٢ ]
بنفسه، وهذا ما فعله الأمير محمد عندما نصب محمد بن عبد الملك بن جهور إزاء الوزير هاشم بن عبد العزيز (^١).
وعندما يرغب الأمير بإعادة وزير سبق أن عزله فإنه يكلف أحد الوزراء بالذهاب إلى الوزير المعزول ويعمل على إقناعه بالعودة إلى الوزارة، شريطة أن يظهر الأمر وكأن الوزير المعزول هو الذي يستجدي الأمير إعادته إلى منزلته السابقة حتى يبقى الأمير هو صاحب الفضل، وفي الوقت نفسه لاتكون لذلك الوزير دالة عليه، لكن إذا حدث أن رفض الوزير المعزول العودة إلى الوزارة عندها يضطر الأمير إلى مخاطبته والإرسال إليه مباشرة لكي يعود إلى مرتبته السابقة.
وهذا ما جرى للوزير سليمان بن وانسوس البربري (^٢) عندما أغضبه الأمير عبد الله بن محمد فأغلظ الوزير في الرد عليه وخرج مغضبًا، فأمر
_________________
(١) انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٥ - ١٥٧. الحلة السيراء ٢/ ٣٧٥.
(٢) أبو أيوب سليمان بن محمد بن أصبغ بن عبد الله بن وانسوس المكناسي، مولى سليمان بن عبد الملك، أصله من البربر، وله فيهم بيت شرف بالأندلس، كان أديبًا مفتنًا وشاعرًا مطبوعًا، حسن البيان، بليغًا، حصيفًا، داهيًا، تصرف في الأعمال حتى أصبح وزيرًا في عهد الأمير عبد الله بن محمد وقد توفي سليمان سنة ٢٩٢ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٠٤، ١٠٩، ١٨٩ - ١٩٣، والتعليق رقم ٣٦٣، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، ١/ ١٦٠ - ١٦١.
[ ٤٧٣ ]
الأمير بعزله عن الوزارة لكنه عندما احتاج إليه وعرف سداده لم يقبل ابن وانسوس العودة إلى الوزارة إلا بعد أن أرسل إليه الأمير مباشرة (^١).
وفي قصة الوزير ابن وانسوس دلالة أكيدة على عظم وزراء بني أمية، وفي الوقت نفسه تدل على أن بني أمية رجال أفذاذ يحرصون بشدة على الاستعانة بعظماء الرجال ذوي المروءة والرأي.
ولعل هذا ما دلت عليه مقولة الطرطوشي، أن "أول ما يظهر من نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في استنخاب الوزراء" (^٢).
وهناك حالات يُعزل فيها الوزير عن منصبه، ومن عُزل يرفع فراشه، وحيث أن بني أمية يحرصون على الوزير المشهود له بالمروءة وحسن الرأي فإن نقصها يكون سببًا في عزل الوزير عن الوزارة، وهذا ما فعله الأمير الحكم الربضي عندما أصدر أمره بطرد الوزير أبي البسام من منصبه بعد غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار المعافري (^٣).
ومن الحالات أيضًا التي يتم فيها عزل الوزير عن الوزارة إذا صدر من الوزير لفظ زائد يجعله موضعًا للشك والريبة، وهذا ما جرى للوزير البراء بن مالك فقد عُرف عنه أنه في منطقه فضل، وحدث أن كان في
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس، رقم ٤٥٩. الحلة السيراء، ١/ ١٢٤.
(٢) سراج الملوك ص ١٣١.
(٣) طالوت بن عبد الجبار المعافري، أحد تلاميذ الإمام مالك بن أنس، اشتهر طالوت بالصلاح والفضل، وكان ممن اتهم في الهيج ضد الأمير الحكم الربضي. انظر: ابن القوطية، ص ٥٣ - ٥٥. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢.
[ ٤٧٤ ]
بيت الوزراة فصدرت منه كلمة نقلت إلى الأمير عبد الله بن محمد فأثارت غيظه وجعلته يتهم وزيره البراء، ولذا أصدر أمرًا بعزله عن الوزارة (^١)، كذلك يعزل الوزير ويسخط عليه إذا ظهر تقصيره وغشه في العمل الذي أسند إليه، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أصدر أمره بعزل سعيد بن جساس عن خطتي الوزارة والسكة معًا، بل إنه أمر بحبسه وإهانته (^٢).