من الملاحظ أن عدد قضاة الجماعة بقرطبة طيلة العهد الأموي، بلغ واحد وثلاثون قاضيًا، منهم سبعة من أهل قرطبة والباقي من خارجها (^٥).
وإذا بحثنا عن السبب في هذا الوضع نجد أن ابن خلدون يذكر أن خطة القضاء لدى بني أمية بالأندلس لا تسند إلا لأهل العصبية (^٦)، ورغم أنه لم يأت بما يؤيد رأيه، إلا أنه يمكن القول بأنه قد ذهب إلى هذا من
_________________
(١) - تاريخ القضاة في الأندلس، ص ١٦٤.
(٢) - النباهي، ص ٨٨.
(٣) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٥.
(٤) - الزهرات المنثورة، الزهرة الثالث والثمانون، ص ٥٢ - ٥٣.
(٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ١٧٣ - ١٧٦ ومصادره.
(٦) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٢٣، ٦٣٠.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
خلال اختيار الخليفة عبد الرحمن الناصر قضاة من أبناء البيوتات، ذات المكانة في الكورة نفسها أو غيرها من الكور، من ذلك أنه استقضى محمد بن عبد الخالق الغساني في النصف من ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (نوفمبر (٩١٢) م) (^١) كما أنه اختار الفقيه معن بن محمد بن معن الأنصاري على قضاء سرقسطة سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وظل على خطته بسرقسطه حتى وفاته سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٣ م) فقد كان الفقيه معن متوليًا الأنصار من أهل سرقسطة وأحد رجالاتها وقدوة جماعتها (^٢).
وبعد أن يقع الاختيار على أحدهم ليتولى قضاء الجماعة، يتم استدعاؤه للأمير أو الخليفة، حيث يعهد إليه بالقضاء ويعظه ويحدد له الحدود ويرسم له الرسوم، وما يقف عليه من أسباب القضاء ووجوه الأحكام.
ومما يلفت الانتباه في هذا الخصوص أن حكام بني أمية كانوا على درجة عالية من الثقافة والإلمام الواسع بمقتضيات الأمور، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما استدعى الفقيه ابن أبي عيسى ليوليه قضاء الجماعة، خاطبه بما أراد ووعظه ووصاه، وعندما حدَّث ابن أبي عيسى أبا عمر أحمد بن عبادة الرعيني (^٣) (ت (٣٣٢) هـ) بما جاء في وصايا الخليفة له،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٨.
(٢) - التكملة، (طبعة كوديرا)، ترجمة رقم ١١٥٧.
(٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٥.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قال له الرعيني: "لو أن أباك حيًا، واجتهد في عظتك ما بلغ من النصح لك هذا المبلغ (^١) ".
وبعد أن تنتهي المقابلة، يتم إصدار مرسوم في هذا الصدد (^٢) وقد حفظت لنا المصادر ظهيرًا أصدره الخليفة الحكم المستنصر يوم الإثنين للنصف من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (أغسطس (٩٦٤) م) يقضي بتعيين محمد بن السليم قاضيًا للجماعة، جاء فيه: إن الخليفة يأمر قاضيه بالاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأن يصلح سريرته، ويبرأ من الهوى ليكون الناس أمامه سواسية، كما نصحه بعدم الغرور بمنصبه، وأطلعه على خطورة ما يتقلده، وأنه طريقه إلى الجنة أو النار، ثم تعرَّض للشهادات وما يجب عليه في قبولها، وأوصاه بضرورة التفقد الدائم لكاتبه وحاجبه وأهل خدمته، كما نصحه بالتريث في إصدار الأحكام، وأشار عليه بأنه متى ما واجهته معضلة لم يستطع تجاوزها فعليه رفعها إلى الخليفة ليصدر فيها ما يراه (^٣).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ١١٨.
(٢) - هناك ظهير أصدره والي الأندلس عقبة بن الحجاج لقاضيه مهدي بن مسلم حين ولاه القضاء بقرطبة، انظر: قضاة قرطبة، ص ٩ - ١٢. التكملة: (طبعة كوديرا) ترجمة رقم ١١٦٢.
(٣) - النباهي، ص ٧٥ - ٧٦.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
والشروط الواجبة توفرها فيمن يلي القضاء عامة، هي أن يكون معروفًا بالخير والصلاح والفضل والورع (^١)، أو سبق أن اشتهر أمره بالأمانة (^٢)، وكذلك معرفة الأمير أو الخليفة بأخلاق ذلك المرشح (^٣)، أو أن يكون ذو شخصية تميزه عن غيره من الفقهاء (^٤) أو أن تجتمع آراء الوزراء على تقديم فقيه بعينه (^٥).
وكان بعض أولئك المرشحين يشترط شروطًا لتولي ذلك المنصب، والقيام بمهامه الخطيرة، فمحمد بن بشير المعافري عندما استدعاه الأمير
_________________
(١) - الأمير عبد الرحمن الداخل استدعى عبد الرحمن بن طريف اليحصبي من مارده وولاه قضاة الجماعة بعد أن سمع عن صلاحه. قضاة قرطبة، ص ٢٣.
(٢) - كان سعيد بن محمد بن بشير المعافري، قد حفظ وديعة لربيع القومس، ورغم النداء الذي أصدره الأمير الحكم الربضي بأن من عنده وديعة لربيع ولم يسلمها خلال ثلاثة أيام فإن دمه يكون مسفوكًا، إلا أن سعيدًا المعافري تجاهل هذا التحذير، محتجًا بأن الأمانة تؤدى للبر والفاجر، فلما وقف الأمير الحكم الربضي على ذلك أدرك مدى أمانة سعيد فأوصى الوزراء بتوليته قضاء الجماعة. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٩.
(٣) - الأمير محمد بن عبد الرحمن ولى سليمان بن أسود قضاء الجماعة، إذ أنه كان على معرفة مسبقة به عندما كان واليًا على مارده وسليمان بن أسود قاضيًا فيها. انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٧ - ٦٨.
(٥) - الأمير عبد الله بن محمد جمع الوزراء بعد وفاة قاضي الجماعة محمد بن سلمة، واستشارهم فيمن يقدم للقضاء، فاتفقت كلمتهم على: الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٠١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الحكم الربضي ليتولى قضاء الجماعة وافق على الترشيح ولكنه اشترط "نفاذ حكمه على كل أحد من الأمير إلى حارس السوق، وأنه إذا ظهر له العجز من نفسه أُعفي وأن يكون رزقه كفافًا من المال الفيء (^١) ".