لدينا رسوم عدة عرفها الأمويون في الأندلس، وساروا عليها، فهناك رسوم خاصة بالأولاد، فقد كان الرسم يقضي بأن لا يسكن في القصر مع الأمير أو الخليفة إلا ولي العهد، أما بقية الأولاد فيتم إخراجهم من القصر إلى دورهم الخاصة بهم، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة سنة (٢٣٨) هـ (٨٥٢ م) كان أول شيء اهتم به هو إخراج إخوته من القصر أسوة بإخوتهم الأكابر الذين خرجوا من القصر في حياة أبيهم، فقد ابتاع لهم الأمير محمد الدور الفخمة والضياع المغلة لهم بحسب مقاديرهم، ثم أخرجهم إليها بما يحتاجون إليه من العيال والإماء والعبيد والكراع والفرش والآلة والكسى والمراكب بالحلى الفخمة، فصير كلا منهم
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٣٥٦.
[ ٣٠١ ]
بأكمل الجهاز وأتم العدة في داره، وضم إليهم ضياعهم وأجرى عليهم الأرزاق السنية الهلالية (^١).
وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد أخرج أولاده إلى دورهم في شهر شوال سنة (٣٣١) هـ (يوليو (٩٤٣) م) وكان آخرهم خروجًا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وأما المغيرة فقد خرج من القصر في آخر حياة أبيه لأنه كان أصغر إخوته، ولم يبق معه إلا ولده الحكم ولي عهده (^٢).
وطبيعي أن يهتم الأمويون بتربية أولادهم وتأديبهم وتثقيفهم، وهذا الأدب لا يقتصر على فترة الصغر، بل يمتد إلى فترة الرشد إن لزم الأمر، وهذا ما فعله الأمير عبد الرحمن الأوسط مع ابنه المنذر، الذي كان معروفًا بسوء الخلق في بداية شبابه، كثير الشك بمن حوله، معاقبًا لمن يقدر عليه، مكثر التشكي لوالده لمن لا يقدر عليه، فلما أكثر على أبيه، أمر وكيلًا خاصًا به أن يبني بيتًا منفردًا في أحد الجبال، فلما كمل البناء، أمر ولده المنذر أن يسكن فيه، وأوصى الوكيل أن يمنع عنه الزيارة سواء من أصحابه أو أصحاب غيره، فلما ضجر المنذر من الوحدة، طلب من الوكيل بأن يأذن لمن كان يأنس به بزيارته، فأبلغه الوكيل بأن والده أمر أن لا يصل إليك أحد، لتبقى وحدك تستريح مما يرفع ضدك من وشايه، فعلم المنذر مراد والده، فكتب إليه يستعطفه، فلما وقف الأمير على رقعة
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) - المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص ١٦.
[ ٣٠٢ ]
ولده، علم أن الأدب قد بلغ به حقه، فاستدعاه وأخبره بما قصد إليه من إفراده بهذا السكن، ونصحه ووجهه، فقبَّل المنذر يده وانصرف، ولم يزل المنذر يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلَّق بالخلق الجميل، وبلغ ماأوصاه به أبوه، ورفع قدره (^١).
وهناك أوقات محددة يسمح فيها للأبناء بزيارة والدهم، يدل على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما استأذن عليه ولده هشام بسبب قصة الكناني، انزعج، لأن الوقت لم يكن وقت زيارة (^٢).
والاحترام المتبادل بين أبناء البيت الأموي سمة بارزة في تاريخهم، فالأخ الأصغر يقبل يد أخيه الأكبر (^٣)، كما أنه لا يناديه إن كان أميرًا أو خليفة إلا بلفظ مولاي، فقد ذكر الحميدي أن عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر وُلد له وَلد، فعاش إلى أن دخل الكتاب، فظهرت منه نجابة، فأول لوح كتبه، بعث به إلى أخيه المستنصر بالله، وكتب إليه بعدة أبيات من شعره، جاء في مطلعها قوله: -
هاك يا مولاي خطًا … مطه في اللوح مطا (^٤)
_________________
(١) - نفح الطيب، ٣/ ٥٧٥ - ٥٧٧.
(٢) - أخبار مجموعة، ص ١٢١ - ١٢٤. نفح الطيب، ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٣) - ابن القوطية، ص ١١٦.
(٤) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٦٤٨.
[ ٣٠٣ ]
وكانت قصور بني أمية تشهد حفلات زواج، ولا توجد لدينا معلومات عنها، ولكن يمكن تكوين صورة عنها من خلال معرفتنا لما كان يجري في حفلات زواج العامة أو بعض وجهاء الدولة.
فقد كانت الأسر الموسرة تتفاخر في تجهيز بناتها، حتى أن الأمر يكلف بعضهم ما لا يطيق، فقد روى ابن حيان عن أبيه أن محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم المستنصر بالله، اضطر عند تجهيزه لابنته إلى بيع لجام مُحلَّى ثقيل الوزن كان يستخدمه لزينته أيام المواكب (^١).
وكانت حفلة الزواج تستمر أسبوعًا كاملًا (^٢)، يمر فيه موكب الزفاف في أحد شوارع قرطبة، ومع موكب الحفل جماعة من الملهين ومعهم أحد المشهورين بالزمر، يكون في وسط الحفل، وعلى رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه (^٣)، وتقام الولائم في منزل والد العروس، ويصاحب ذلك سماع ضرب البوق أو ضرب الكير أو المزهر أو الطنبور أو العود، إلى جانب غناء المغنين والمغنيات والراقصات (^٤).
_________________
(١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٣.
(٢) - د. محمد عبد الوهاب خلاف، قرطبة الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي-الخامس الهجري- الحياة الاقتصادية والاجتماعية، (تونس الدار التونسية ١٩٨٤) ص ٢٨٢.
(٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٢٤٤.
(٤) - قرطبة الإسلامية ص ٢٨٤.
[ ٣٠٤ ]
هذه صورة سريعة عن زواج بعض الأسر الموسرة في قرطبة، لعلها تعطي تصورًا عما كانت عليه حفلات زواج أمراء وخلفاء بني أمية أو أحد أولادهم، فلا شك أنها كانت على مستوى كبير يتناسب مع ما هم عليه من عزٍ وثراء، وقد ذكر ابن حيان أن أعظم حفلة عرس جرت في الأندلس، أقيمت بمناسبة زواج المنصور بن أبي عامر من أسماء بنت غالب بن عبد الرحمن الناصري سنة (٣٦٧) هـ (^١) (٩٧٧ م).
ومن الحفلات التي كانت تقام في قصور بني أمية، حفلة "العقيقة" عندما يرزق أحدهم بمولود، ففي هذه المناسبة تقام وليمة عظيمة يدعى إليها كبار رجالات الدولة ووجهاء البلد، وتكون الأفراح متصلة عدة أيام (^٢) وأما عملية الختان فقد كانت تتم بصورة جماعية لأبناء الأمويين، فالخليفة عبد الرحمن الناصر أقام سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) بقصره في قرطبة صنيعًا فخمًا احتفل فيه لإعذار عدة من أولاده الأصاغر، أعد "فيه صنوف الأطعمة الرفيعة، والفواكه الغريبة، والطبوب المثمنة، وزانه بما أظهر فيه من الآلات السلطانية والأدوات البديعة وفاخر الآنية وبديع الزينة، … فكان صنيعًا مشهورًا بقرطبة، عظُم شأنه، وكثر حمله، واعتلت عليه النفقة" (^٣).
_________________
(١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٦٥.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ٣١.
(٣) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٣٠٥ ]
وفي بعض الأحيان يُختن مع أولادهم أولاد كبار رجالات الدولة، ومجموعة كبيرة من أولاد الضعفاء، ويقام احتفال كبير بهذه المناسبة، فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما ختن أولاده، ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر، وأقام احتفالًا كبيرًا بلغت فيه النفقة خمسمائة ألف دينار (^١).
وفي مثل هذه المناسبات، يدعى كبار رجالات الدولة والفقهاء والمشاورون من العدول ووجهاء البلد لحضور الاحتفال، ومن تخلف عن الحضور تتم مساءلته.
فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أقام حفل ختان لأولاد ابنه عبيد الله، اتخذ لذلك صنيعًا عظيمًا بقصر الزهراء، لم يتخلف عنه أحد من كبار المدعويين، إلا الفقيه العالم أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة (^٢)، فافتقد
_________________
(١) - نفح الطيب، ١/ ٥٩٦.
(٢) - أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي، من موالي بني هلال ولد سنة ٢٧٧ هـ أصله من طليطلة، سكن قرطبة لطلب العلم، ثم استوطنها، كان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا، مجتهدًا عابدًا، زاهدًا وقورًا مهيبًا، من أهل العلم والفهم والفضل، مشاورًا في الأحكام، صدرًا في الفتيا، يناظر عليه في الفقه، كان ﵀ صليبًا في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله معظمًا لابن مسرة حتى أنه إذا دخل عليه مد رجليه أمامه ويعتذر بكبر سنه، فلا يعارضه الخليفة. توفي ﵀ بطليطلة في رجب أو شعبان سنة ٣٥٢ هـ وهو غازٍ مع الخليفة الحكم المستنصر بالله. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٣٥. ترتيب المدارك، ٦/ ١٢٦ - ١٣٤.
[ ٣٠٦ ]
الخليفة مكانه، فبعث إليه ولده الحكم بكتاب يسأله فيه عن سبب تخلفه، فأجابه بعذر قبله منه الخليفة (^١).
وهناك رسوم خاصة بجنائز بني أمية، فالكفن والحنوط والطيب، يبعث بهما الأمير أو الخليفة لأهل المتوفى، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما توفي عمه سعيد الخير بن الأمير الحكم الربضي، في صدر شهر ربيع الآخر سنة (٢٤٠) هـ (سبتمبر (٨٥٤) م) فقد أرسل الأمير محمد "بكفنه وحنوطه وطيبه من عنده، وعهد إلى بنيه وإخوته وأهل بيته ووزرائه وأهل خدمته بشهوده والمشي بين يدي نعشه" (^٢).
ثم طرأت عملية تضميخ النعش بالغالية، وهذا الرسم استُحدث أيضًا في عهد الأمير محمد فقد ذكر ابن حيان أن أبا القاسم الأصبغ بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط توفي وعمره تسع وعشرين سنة وشهر، وذلك في حياة أبيه، فلما اتخذ النعش للأصبغ، أدخل على أمه، وكان وحيدها، فأمرت بتضميخ نعشه بالغالية، فهي التي استحدثت هذا الرسم (^٣)، وأصبح معمولًا به إلى نهاية الدولة.
ومن مات من أبناء البيت الأموي، تقدم للصلاة عليه أحدهم، فالأمير عبد الرحمن الداخل كان قد كلف ولده هشام بالصلاة على جنائز
_________________
(١) - ترتيب المدارك ٦/ ١٣٣.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٩١ - ٩٣.
(٣) - المصدر السابق ص ٢١٣ - ٢١٤.
[ ٣٠٧ ]
أهل القصر، كما أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد قدم ولده بشرًا لهذه المهمة (^١).
وقد درج أمراء وخلفاء بني أمية على الاحتفاظ بنفيس الأعلاق والجواهر في موضع خاص لا يهُتدى إليه، ويتم إثباتها في سجل خاص، ويتولى أحد الفتيان الأكابر الخلفاء، الإشراف على المكان والاحتفاظ بالسجل، ولا يعلم أحد سواه خبر تلك المدخرات.
وقد ذكر ابن عذاري أن المهدي عندما استولى على قصر قرطبة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) كان الفتى فاتن الكبير مريضًا، فلما حضرته الوفاة، كتب إلى المهدي يطلب منه الحضور لأمر ضروري، فلما جاءه المهدي "دفع إليه فاتن كتابًا فيه جميع ما تركه الخلفاء الأمويون، وذخائرهم مما لم يقف عليه ابن عبد الجبار ولا اهتدى إلى موضعه من بيوت الأموال، وغير ذلك من نفيس الأعلاق والجواهر والأمتعة العالية والآنية وما شبه ذلك فاحتوى ابن عبد الجبار على الجميع" (^٢).
_________________
(١) - الحلة السيراء: ١/ ١٢٦.
(٢) - البيان المغرب ٣/ ٧٦.
[ ٣٠٨ ]