كانت المساواة بين الخصوم هي أول الوصايا التي وردت في رسالة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (^٢)، كما أنها كانت محل اهتمام من أرخ للقضاء وأحكامه (^٣).
ولذا فقد كانت جلسة القضاء في الأندلس علنية -كما سبق وأن ذكرنا- يحضرها من شاء، ويكون القاضي مقابلًا للحضور، ويجلس الخصوم أمامه، وبقية الخصوم بعيدين نوعًا ما بحيث لا يمكن تلقين الخصوم (^٤)، وأمام القاضي يتساوى الخصوم (^٥)، وحرص القاضي على هذه
_________________
(١) - النباهي، ص ٨٤.
(٢) - أدب القاضي، ص ٤٥. العقد الفريد، ١/ ١٠١.
(٣) - أدب القاضي، ص ٩٦. الوثائق والسجلات، ص ٤٩٥. مفيد الحكام، ورقة ٤. تبصرة الحكام، ١/ ٤٦.
(٤) - أدب القاضي ص ٨٦.
(٥) - فقد ذكر أبو وليد الباجي أن القاضي يقدم خصومه بين يديه الأول فالأول دونما محاباة لأحد دون أحد. انظر: فصول الأحكام، ص ١٨٤.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
المساواة تكون سببًا في رفعة منزلته عند أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وقد وردت لدى الخشني عدة نصوص تدل على ذلك. منها أن قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي ازداد رفعة لدى الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما رفض استقبال أحد كبار القرشيين في منزله لسماع شكايته بصورة مفردة، وأخبر الرسول بأن عليه الذهاب إلى المسجد والانتظار لحين عقد مجلس الحكم فيه (^١)، كما أن القاضي عمرو بن عبد الله أمر أحد كبار رجال الدولة بالحضور إلى مجلس قضائه والمثول أمامه مع خصمه (^٢).
وتتم مناقشة القضايا المعروضة على القاضي وفق ترتيب يعده فكل من كانت له خصومه عنده عليه أن يكتب اسمه في رقعة، وعندما تجتمع الرقاع عنده يخلطها بين يديه، ومن ثم يبدأ النداء على أصحاب القضايا على ضوء ما يسفر عنه خلط تلك الرقاع (^٣).
ومن الطبيعي أن القاضي لا يستطيع دائمًا إنهاء جميع القضايا التي تصل إليه في يومه، ولذا فقد جرى الرسم أن من تأخر دور رقعته وانتهى
_________________
(١) - قضاة قرطبة: ص ٥٣ - ٥٤.
(٢) - المصدر السابق ص ٧١ - ٧٢.
(٣) - نفسه، ص ٦٩.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
موعد الجلسة، يؤجل النظر في رقعته إلى اليوم التالي، على أن يكون ترتيبها متقدمًا، لا علاقة لها بالقضايا الجديدة (^١).
وقد كانت هناك رسوم متبعة في استدعاء الخصم إذا كان غير موجود، وتحدثنا المصادر عن أن قاضي الجماعة محمد بن بشير هو الذي ابتكر هذا الرسم في الأندلس، إذ أنه عندما تولى قضاء الجماعة، قام بختم عشرة رقاع بخاتمه، وكل رقعة من هذه الرقاع تعرف باسم "طابع" فإذا جاء أحد يريد من القاضي طابعًا ليستدعي به خصمه، فالقاضي يسأل عن هذا الخصم، فإن كان قريبًا بقرطبة، أعطى المدعي الطابع، وأمر كاتبه أن يثبت في السجل لديه اسمه ومسكنه، وفي من أخذ الطابع (^٢)، ومن ثم يخبره القاضي بأن عليه إعادة الطابع بمجرد حضور الخصم (^٣).
وأما إن كان الخصم غير متواجد بقرطبة ولا بالقرب منها، فإن القاضي في هذه الحالة يؤجل له على مقدار بعده عن قرطبة (^٤).
وإذا أبلغ شخص بالحضور لخصومة لدى القاضي ورفض الامتثال، فإن القاضي يرسل أعوانه لإحضاره طوعًا أو كرهًا بغض النظر عن منزلته في الدولة (^٥)، وأما إذا تغيب المطلوب للخصومة عن حضور مجلس
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٤/ ١٧١.
(٢) - قضاة قرطبة ص ٣٠. وانظر فصول الأحكام ص ٢٠٠.
(٣) - ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣٢.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٣١. ترتيب المدارك ٣/ ٣٣٢.
(٥) - قضاة قرطبة ص ٧٧.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
الحكم رغم إبلاغه بأمر القاضي، فللقاضي في هذه الحالة أن يطبع على باب مسكنه، أو يسمره إن كان ذلك لا يضر الباب، بعد أن يخرج ما فيه من بني آدم وغيرهم من المخلوقات (^١).
فإذا حضر الخصمان بين يدي القاضي ظلا واقفين على أقدامهما (^٢) فيسأل المدعي عن دعواه، فإن كان لا يترتب فيها على المدعى عليه حق أخبره بذلك، دون أن يسأل المدعى عليه وأمرهما بالخروج عنه (^٣)، وإن كانت الدعوى ناقصة أمر المدعي باستكمالها، فإذا استحقت الدعوى النظر أصدر حكمه بعد أن يتضح له الحق، وسجل الشهادات والحكم في السجل الخاص بالقضايا (^٤).
وللقاضي إذا رأى أثناء سير الخصومة بين يديه أن أحد الخصمين لا يحسن الإدلاء بحجته، فله أن ينصحه بما ينفعه دون أن يلقنه حجة وما شاكلها. ومن ذلك ما فعله قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما اختصم عنده رجلان، فرأى أن أحدهما يحسن ما يقول والآخر بعكسه، لكنه توسم فيه الخير وملازمة الحق، فقال له القاضي "يا هذا، لو قدمت
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٤ انظر: فصول الأحكام، ص ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) - ترتيب المدارك ٣/ ٣٣١.
(٣) - معين الحكام ٢/ ٦١٦.
(٤) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٣٥.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
من يتكلم عنك؟ وأرى صاحبك يدري ما يتكلم، فقال له، أعزك الله إنما هو الحق أقوله كائنًا، فقال: ما أكثر من قتله قول الحق (^١) ".