تعتبر الشهادة (^٣) أهم الوسائل التي يعتمد عليها القضاء في معرفة صاحب الحق، ويكفي للدلالة على أهميتها أن الله تعالى قد نص عليها في كتابه العزيز في ستة مواضع، في الدين (^٤)، والوصية (^٥)، والطلاق (^٦)، والرجعة (^٧)، والزنا (^٨)، وفيما يدفع الحد عن القاذف (^٩).
_________________
(١) - معين الحكام، ٢/ ٦١٨.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٤٨.
(٣) - الشهادة لغة، خبر قاطع، تقول: شهد الرجل على كذا، وشهد الشاهد عند الحاكم أي بين ما يعلمه وأظهره. انظر: لسان العرب، مادة: شهد. وقيل: الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو البصيرة. انظر: المفردات في غريب القرآن، ص ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٤) - سورة البقرة: الآية رقم ٨٢.
(٥) - سورة المائدة: الآية رقم ١٠٦.
(٦) - سورة الطلاق: الآية رقم ٢.
(٧) - سورة الطلاق: الآية رقم ٢.
(٨) - سور النور: الآية رقم ١٣.
(٩) - سورة النور: الآية رقم ٥.
[ ٢ / ٦٧١ ]
ولأجل ذلك فلا غرابة أن تنال الشهادة الاهتمام الجاد من قبل القضاة، ففي الأندلس نجد أمر الشهادة والشهود يقلق ولاة الأمر هناك، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما أصدر ظهيرًا بمناسبة تعيينه محمد بن إسحاق بن السليم قاضيًا للجماعة، وذلك في يوم الاثنين من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (٢٨ أغسطس (٩٦٣) م) أمره فيه بعدة أمور، منها "أن يتحفظ في حين وقوع الشهادات عنده، فلا يقضي بين المسلمين منها إلا بما أقامه به التحقيق على السنة العدول، ذوي القبول، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتًا ما، أن يبحث عنها، فإن ثبت أنه ارتشى، أو شهد بالهوى، فعليه أن يسقط شهادته، ويخل عدالته، تنكيلًا له، وتشديدًا لمن خلفه (^١) ".
فإذا حضر الشهود فعلى القاضي أن يبادر إلى إدخالهم عليه والاستماع لأقوالهم إذ أن التراخي في ذلك، ربما أدى إلى ضجر صاحب الحق فيتخلى عنه أو بعضه بالمصالحة خشية ظهور الملل على الشهود (^٢).
فإذا شهد الشاهد لدى القاضي، فعليه أن يبادر إلى كتابة شهادته واسم قبيلته ونعته ومسكنه ومسجده (^٣) الذي يصلي فيه، والشهر الذي
_________________
(١) - النباهي، ص ٧٦.
(٢) - فصول الأحكام، ص ١٨٠. تبصرة الحكام، ١/ ٥٤.
(٣) - لأنه لا يمكن أن يزكي الشاهد إلا أهل مسجده وسوقه وجيرانه، إلا أن يكون مشهورًا بالعدالة. انظر: معين الحكام، ٢/ ٦٤٤.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
شهد فيه وكذلك السنة، ثم يوقع ذلك في صك عنده ويجعله في ديوانه، لئلا تسقط للمشهود له شهادته فيزيد فيها أو ينقص (^١).
وقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى قد استن سنة جيدة في كتابة الشهادات في السجل، وأصبحت سنة لمن جاء بعده (^٢).
وعن قبول القاضي للشاهد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة محمد بن بشير كان في بعض الأحيان يقبل الشاهد على التوسم والفراسة، وفي أحيان أخرى يكشف عنه في السر (^٣)، وبعد نصيحة شيخ الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي للقاضي ابن بشير بضرورة تعديل الشاهد بين الحين والآخر واتباعه لتلك النصيحة، بدأ الناس يأخذون حذرهم من القاضي (^٤). ذلك لأن الفراسة ربما لا تصدق دائمًا، لسبب أو لآخر، كما أن الناس يمرون بظروف متقلبة تجعلهم عرضة أحيانًا للوقوع في أمر فيه شيء من الغموض، مما يجعل قبول شهاداتهم أمر فيه نظر.
_________________
(١) - أدب القاضي، ص ٩٨.
(٢) - الوثائق والسجلات، ص ٦٤٢. وقد كان القضاة لا يسجلون شهادة الشهود، وأول من استن سنة تسجيل الشهادة قاضي مصر سليم بن عتر التجيبي، المتوفى سنة ٧٥ هـ، انظر: الكندي، كتاب الولاة وكتاب القضاة، ص ٣٠٩ - ٣١٠.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٥.
(٤) - المصدر السابق، ص ٣٥ - ٣٦.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وكان للخصوم آداب لابد من التزامهم بها وهم في مجلس القضاء، فإذا أخل أحدهم بما يجب عليه تجاه هذه الآداب، فإن للقاضي الحق في تأديبه، من ذلك ما ذكره الخشني من أن الفقيه يحيى الليثي شهد في قضية عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس، فلما خرج من عند القاضي تناوله بعض الخصوم وأساء إليه بالكلام، فرجع الفقيه إلى القاضي وأخبره بما جرى وطلب منه تأديبه، وعندما سأله القاضي عن أدبه طلب أن يبعث به إلى السجن، فسجن القاضي ذلك الرجل، لكنه سرعان ما غادر السجن بطلب من الفقيه الليثي (^١).
وإذا استخف أحد الخصوم بمن شهد عليه، فإنه يؤدب وربما يصل الأمر إلى ضربه بالمسجد عدة أسواط، وهذا ما حصل لرجل يدعى غرابًا كان جاهلًا عاتيًا، فقد شهد شاهد ضده، فقال غراب، ومن شهد عليّ لو كان الشاهد مثل الليث بن سعد. وذلك على سبيل الاستخفاف بالشاهد والشهادة، فأمر قاضي الجماعة محمد بن زياد اللخمي بقمع غراب في المسجد عدة أسواط تأديبًا له (^٢).
ويحدث أن يرجع الشاهد في إحدى القضايا عن شهادته، فإن كانت رجعته قبل إصدار الحكم، لم ينفذ الحكم بشهادته، ثم يتم التدقيق في حال هذا الشاهد، فإن كان عدلًا مأمونًا، قُبل رجوعه ولا تسقط
_________________
(١) - نفسه، ص ٥١ - ٥٢.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٥٨. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ٧٢.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
شهادته في المستقبل عند القضاة، وإن كان بغير تلك الصفة، يقبل رجوعه ولكن لا تقبل شهادته أبدًا (^١).
واختلف الفقهاء في تأديب من رجع عن شهادته، فابن القاسم وابن حبيب نصا على ضرورة تأديبه أدبًا موجعًا، في حين اعترض على التأديب كل من ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون محتجين بأنه إذا جرى تأديب أحد من الناس فإنه لا يرجع عن شهادته. ويبدو أن الرأي الثاني أولى بالقبول من سابقه وبه جرى العمل (^٢).
وأما إن كان رجوع الشاهد عن شهادته بعد إصدار الحكم، فإنه لا يلتفت إلى كلامه ولا ينتقض الحكم برجوعه (^٣). فقد حدث أن قاضي الجماعة محمد بن بشير نظر في إحدى القضايا، وأصدر الحكم على ضوء البينة، وبعد فترة استدعاه أحد الشاهدين، وكان ذلك الشاهد على فراش الموت، فلما حضر القاضي عنده، أخبره الشاهد أنه سبق وأن شهد عنده شهادة زور في تلك القضية، وطلب منه فسخ الحكم الذي أصدره بشأنها، يقول الخشني: "فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه في ركبتيه ثم قام وجعل يقول: مضى الحكم وأنت إلى النار، مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه (^٤) ".
_________________
(١) - لباب الألباب، ص ٢٦٥. معين الحكام، ٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣.
(٢) - معين الحكام، ٢/ ٦٦٣.
(٣) - المصدر السابق والصفحة.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٣٣ - ٣٤.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وشاهد الزور إذا أقر بتعمد الزور فإن على القاضي تغريمه ما أتلف بشهادته (^١)، كما أن له تأديبه (^٢)، وعن جزاء شاهد الزور هناك عدة أقوال للفقهاء، منها أنه يعزر على الملأ دون حلق رأسه أو لحيته، بينما رأى البعض ضرورة تسويد وجهه، وهناك من يرى الطواف به على المجالس والحلَقْ في المسجد الجامع ويشهر أمره بين الناس ليحذروه، وزاد البعض على التشهير والضرب الموجع بالإضافة إلى كتابة وثيقة في ذلك تؤخذ منها عدة نسخ وتوضع عند الثقات ولا تقبل شهادته أبدًا (^٣).
وفي الأندلس نجد أن هذه العقوبات قد طبقت على شاهد الزور، فإبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (نوفمبر سنة (٨٦٣) م) صاحب الشرطة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، أقام شاهد زور عند الباب الغربي الأوسط للمسجد الجامع "فضربه أربعين سوطًا وحلق لحيته وسخم وجهه وأطافه إحدى عشرة طوفة بين الصلاتين يصاح عليه هذا جزاء شاهد الزور (^٤) ".
وللقاضي عيونه التي يستطلع بها أحوال بعض الشهود في بعض القضايا، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز عندما بلغه أن بعض الشهود قد أخذ رشوة مقابل شهادته، وكانت الرشوة بساطا، فلما دخل عليه
_________________
(١) - لباب اللباب، ص ٢٦٦.
(٢) - أدب القاضي، ص ٧٧٦ - ٧٧٧.
(٣) - لباب اللباب، ص ٢٦٦. المعيار المعرب، ٢/ ٢١٥.
(٤) - المصدر السابق، ٢/ ٢١٥.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
الشاهد ليؤدي شهادته وأخذ يخلع خفيه ليمشي على بساط القاضي، أخذ يناديه "أيا فلان البساط، البساط، تحفظ من البساط، الله الله" (^١) ففطن الشاهد لمراد القاضي ولم يجسر على الإدلاء بشهادته.
وإن حدث - وهو نادر - وكان الأمير أو الخليفة الأموي شاهد في قضية، فإن الرسم يقضي أن تُرسل الشهادة مع فقيهين يؤديانها للقاضي، وهذا ما جرى في قضية لسعيد الخير عم الأمير الحكم الربضي، فقد كانت لديه وثيقة شهودها عدول، ولكنهم توفوا جميعًا إلا واحد فقط، فاضطر إلى شاهد آخر، فمال إلى ابن أخيه الأمير الحكم، وأقنعه بأنه في حاجة لشهادته، ورغم اعتراض الأمير على عمه إلا أنه اضطر أمام إلحاحه على موافقته، فأرسل شهادته لقاضي الجماعة محمد بن بشير الناظر في القضية، وتقدم فقيهان أرسلهما الأمير بشهادته فأدياها لدى القاضي (^٢).
وهناك حالات تم فيها عدم قبول شهادة الشاهد رغم انتفاء ما يقدح في شهادته شرعًا، فمن اشتهر بالهزل أصبح قبول شهادته لدى بعض القضاة أمرًا عسيرًا، وممن رُدت شهادته لهذا السبب محمد بن عيسى الأعشى المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) فقد كان مشهورًا بالدعابة (^٣)، وحدث أن تقدم للشهادة لدى قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة النصري،
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٥/ ١٩٧.
(٢) - المصدر السابق، ٣/ ٣٣٨.
(٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٠٢.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فقال له القاضي "أنت رجل يُكثر الهزل، ولست أدري كانت شهادتك هذه من جدك أو هزلك (^١) ".
وكذلك حدث أن رفض بعض القضاة شهادة من عرف بأنه قد تابع هواه في يوم ما، حتى وإن كان صديقًا للقاضي، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير عندما رد شهادة أحد أصدقائه وكان رفيقًا له في النشأة وطلب العلم وطريق الحج بسبب أنه اشترى جارية بمصر بيدها صنعة وهو لم يكن بحاجة لصناعتها (^٢).
وإذا كان من حق المدعى عليه معرفة الشهود الذين شهدوا ضده، فإن القاضي يعمد أحيانًا إلى عدم تعريفه بمن شهد ضده، وذلك إذا كان المدعي عليه صاحب سلطة وسطوة، وخشي القاضي على الشهود من سطوته، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير مع ابن فطيس (^٣). وعندما طلب الأمير الحكم الربضي القاضي بتعريف ابن فطيس بالشهود، أجابه القاضي بقوله "ليس ابن فطيس ممن يُعرَّف بمن شهد عليه لأنه إن لم
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٤٩.
(٢) - انظر: القصة كاملة لدى الخشني في قضاة قرطبة، ص ٣١.
(٣) - لعله: حمدون بن فطيس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ، ووالده أبو سليمان فطيس بن سليمان بن عبد الملك بن سليمان تولى الوزارة للأميرين هشام بن الداخل وابنه الحكم الربضي، ومما يقوي ما ذهبت إليه من أن الذي رفض القاضي إخباره بالشهود أنه حمدون بن فطيس ورود قصة أخرى صرح فيها الخشني باسم حمدون بن فطيس عندما تظلم حمدون من القاضي ابن بشير لدى الأمير الحكم الربضي. انظر: قضاة قرطبة، ص ٣٦.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
يجد سبيلًا إلى تجريحهم طلب آذاهم في غير ذلك حتى يجليهم عن أموالهم (^١) ".
وأخيرًا فإن للقاضي أن يصرف القضية عنه إلى قاضٍ آخر إذا لم يتبين له الحق، إذ أن رُبَّ حق لا يثبت عند قاضٍ ويثبت عند غيره (^٢).
وقد ذكر صاحب معين الحكام أن من حق القاضي الرجوع عما حكم به إذا تبين له فيه وهم مادام على قضائه، أما إذا عزل أو مات فلا يحل لأحد من بعده فسخ حكمه، إلا أن كان فيه جور أو قضى بخطأ لا اختلاف بين أهل العلم فيه (^٣)، ولكن لابد أن يوضح القاضي السبب الذي من أجله فسخ حكمه الأول، فإذا لم يوضح ذلك لا يعتبر فسخه هذا فسخًا (^٤).
ونختم الحديث عن هذه الخطة بذكر نصين لابن العطار بين فيهما تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به له الخطأ فيه، جاء في النص:
"أشهد القاضي فلان بن فلان قاضي موضع كذا، أن فلان بن فلان كان قد قام عنده في دار كذا بموضع كذا، وثبت له فيها كذا، أو في أملاك بقرية كذا من إقليم كذا من عمل موضع كذا، صفتها كذا، وحدودها كذا، وقضى له بكذا، وسجل بذلك في كتاب أشهد فيه على
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٣٠.
(٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٥٨.
(٣) - معين الحكام، ٢/ ٦٣٨.
(٤) - المصدر السابق، ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ما ثبت عنده على نسختين أو نسخ تاريخ كذا، ثم تبين له الخطأ في قضائه والوهم في حكومته، وانكشف له من أمر الشهود الذي قضى بهم له أو من باطن قصة الطالب فلان وأمره فيما حكم له به ما أوجب عليه الرجوع عن حكمه والتسجيل بنقض ما تقدمه من حكمه وانكشف فسخه، لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀: لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل (^١) ".
ويواصل ابن العطار كلامه: وإن كان القاضي قضى بمذهب أهل العلم في شيء من نظره ثم تبين له الصواب في غيره ورجع عنه، قلت:
"أنه كان قضى لفلان بن فلان بكذا وكذا على مذهب كذا. أو على قول الشافعي أو فلان، ثم تبين له أن الحق فيما قاله فلان أو في مذهب كذا، وأن القول الذي تقدم قضاؤه فيه، والمذهب الذي حكم به باطل، فرجع عن قضيته وخرج عن حكومته، وقضى بفسخ ما تقدم من قضائه لفلان بن فلان في قصة كذا وأبطله، وأشهد على ذلك في تاريخ كذا. لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت في لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل أشهد على إشهاد
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٦٣٥.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
القاضي فلان بن فلان قاضي أهل موضوع كذا لما ذكره عنه في هذا الكتاب، وذلك في شهر كذا من سنة كذا، والكتاب نسختان" (^١).
العدالة (^٢):
يقول ابن خلدون عن طبيعة وظيفة العدالة أنها، القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملًا عند الإشهاد. وأداءً عند التنازع، كتبًا في السجلات (^٣) وذلك محافظة على حقوق الناس وسائر معاملاتهم، وعلى هذا فإن وظيفة العدالة داخلة ضمن ولاية القضاء، فلا يعمل بها إلا عن إذن القاضي، وتكون خاضعة لتصرفه (^٤).
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٦٣٦.
(٢) - يقول ابن الحاجب: العدالة "صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفًا ومعصية غير قليل الصغائر" انظر: الشيخ قاضي الجماعة محمد الأنصاري، المشهور بالرصاع التونسي، كتاب شرح حدود الإمام أبي عبد الله بن عرفة، (المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م) ص ٦٣٨. وذكر البكري أن العدالة "هيئة راسخة في النفس تحث على ملازمة التقوى باجتناب الكبائر وتوقي الصغائر والتحاشي عن الرذائل المباحة". انظر: لباب اللباب، ص ٢٦٠. وأما أبو إسحاق الشاطبي فقال: العدالة لغة تعني الاستواء والاستقامة على الجملة وأما في الشرع فهي الاستقامة في الأحوال الدينية والدينوية. انظر: المعيار المعرب، ١٠/ ٢٠٢.
(٣) - المقدمة، ص ٦٣٥.
(٤) - المصدر السابق، والصفحة.
[ ٢ / ٦٨١ ]
ولا يتصف بالعدالة إلا من كان مسلمًا مكلفًا جاريًا على مقتضى السنة، ذو تقوى ومروءة (^١)، متنزهًا عن الكبائر، والخير أغلب عليه من الشر، متصفًا بالعدالة الشرعية والبراءة من الجروح، فقيهًا، عاقدًا للشروط (^٢).
وللخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، قول في تحديد السمات العامة للعدل، فقد جاء في رسالته الشهيرة التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ما نصه "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" (^٣).
_________________
(١) - المعيار المعرب، ١٠/ ٢٠٢، والمروءة هي المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفًا، كترك الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافيًا، وعلى ترك ما فعله من مباح يوجب ذمه عرفًا كالأكل في الأسواق أو في حانوت الطباخ لغير الغريب. انظر: كتاب شرح حدود ابن عرفه، ص ٦٤٢، ويقول البكري: "المروءة هي التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم تكن في نفسه جرحه" انظر: لباب اللباب، ص ٢٦٠.
(٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٣٥.
(٣) - أدب القاضي، ص ٤٥.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وكل الأقوال التي أدلى بها العلماء للتعريف بالرجل العدل جميعها تتفق على ضرورة اتصاف ذلك الرجل بالتقوى والاستقامة في جميع أحواله الدينية والدنيوية، بمعنى أن يكون مأمونا في السر والعلن.
وينبغي للقاضي إن لم يكن من أهل البلد أن يبدأ بالتعرف على عدول وثقات البلد الذي كلف القيام بأعباء القضاء به، وإن استطاع أن يفعل ذلك قبل أن يصل البلد فهو الأفضل، فإذا عرفهم يكتب اسم كل واحد منهم في ثبت لديه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إن عليه أن يعمد إلى السؤال عنهم سرًا كل منهم على حده، وذلك بعد استقراره في البلد (^١).
وكل أهل بلد وبالذات القرى البعيدة عن الحواضر، إن لم يكن لديهم حكام يقيموا الحدود بينهم، تولى إقامتها فيهم من ارتضوهم عدولًا منهم، كالمؤذنين والأئمة والموسومين بالخير (^٢). وهؤلاء العدول على القاضي قبول شهادتهم، وأن يداوم على السؤال عنهم سرًا، فمن لم يثبت عليه اشتهار في كبيرة فهو عدل حتى يثبت عكس ذلك (^٣).
وفي الأندلس لا يقدم لمرتبة العدالة إلا من طال اختباره، وتجاوز مجالس المذاكرة التي تعقد لاختباره، ويشهد له الفقهاء بالصلاح واعتدال الطريقة، وتثبت الشهادات لدى صاحب الشرطة الذي يتولى السؤال
_________________
(١) - أدب القاضي، ص ٨٣ - ٨٤.
(٢) - المعيار المعرب، ١٠/ ١٤٣، ١٤٥.
(٣) - النباهي، ص ٧٤.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
والكشف عن هذا الرجل المعدل وهو بدوره يرفعها إلى الأمير أو الخليفة فيصدر فيه أمره يجعله أحد العدول الذين لهم الحق في الفتيا وكتابة الوثائق وتزكية الشهود.
كما أن كون الرجل المرشح للعدالة صاحب مال، أمر ضروري، إذ يُخشى عليه من الفقر أن يطمع بما في أيدي الناس، وقد ورد في رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس أن الأمير الحكم الربضي أراد تقديم بعض من يعني به إلى مرتبة العدالة، وطبيعي لابد من أخذ رأي الفقهاء في هذه المسألة. ولذا، فعندما عرض الأمير اقتراحه على الفقهاء، أجابوه بأنه أهل، إلا أنه فقير لا مال له، فاضطر الأمير إلى أعطاء الرجل من المال ما أغناه وبذلك أزال اعتراض الفقهاء (^١).
ونظرًا لأهمية مكانة العدول، فإن لهم أماكن خاصة بهم، اعتادوا الجلوس بها، فيأتي إليهم كل من كانت له قضية تحتاج للإشهاد والتقييد في الكتاب (^٢).
وللقاضي التجريح والتعديل بعلمه سواء علم ذلك قبل استلامه القضاء أو بعده (^٣)، وهو مافعله قاضي الجماعة محمد بن سلمة الكلابي
_________________
(١) - نفح الطيب، ٣/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) - مقدمة ابن خلدون، ص ٦٣٦.
(٣) - معين الحكام، ٢/ ٦٤٣.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
عندما حضر عنده الفقيهان ابن لبابه والحبيب بن زياد لتعديل ابن شراحيل المعروف بالعجيزه (^١).
والقاضي ابن سلمه عندما رفض تعديل الفقيهين لابن شراحيل ذلك لمعرفته بباطنه أكثر منهما، ولذا قال ابن لبابه للقاضي "نحن قد عدلناه بمبلغ علمنا، ومن عرف الباطن فهو أحق ممن عرف الظاهر" (^٢).
وكذلك الفقيه محمد بن خميس بن عبد الواحد المعروف بالأعشى رفض تعديل أحد أصدقائه عند القاضي عندما رد شهادته. بعد أن أدرك الفقيه أن صديقه جاهل لا الخير يدري ولا الشر يدري (^٣)، لأجل هذا قال سحنون: "لا يقبل في التزكية إلا العدل المبرز الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستنزل في رأيه" (^٤).
وذكر الخشني أن لقاضي الجماعة محمد بن بشير طريقة خاصة في قبول تعديل من لا يعرفه يقول قاسم بن هلال "دخلنا على محمد بن بشير لنعدل عنده رجلًا، فقال: "احلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أنه عدل رضا، فقالوا: بيمين أصلحك الله، فقال: والله لا كتبتها حتى تحلفوا" (^٥).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٩٧.
(٢) - المصدر السابق والصفحة.
(٣) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٦.
(٤) - معين الحكام، ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.
(٥) - قضاة قرطبة، ص ٣٥.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
ومن الملاحظ أن الأندلسيين لا يغمضوا أعينهم ولا يكفوا ألسنتهم عمن اتخذه القاضي عدلًا وهو غير أهل لذلك، فقد كان يتعرض لسخرية الناس، مما يضطر القاضي في النهاية إلى نزع العدالة عن ذلك الرجل (^١).
وقد سبق وان عرفنا قصة العدل ابن عمار وبغلته مع قاضي الجماعة سليمان بن أسود ومنها ندرك أن على العدل ملازمة مجلس القاضي، إذ هو بحاجة مستمرة لأقواله طالما أن هناك قضايا تعرض.
ومن النادر أن نجد بعض العدول يدلي بأقواله مجاملة لأحد كبار رجالات الدولة، مثل من جامل الوزير هاشم بن عبد العزيز في قضية قومس بن أنتينان (^٢).
ومن الواجب على العدل عدم قبول الهدية لأن في ذلك إثارة للشبهات من حوله، ويقوى المنع إذا كانت الهدية مقدمة ممن له خصومة لدى القاضي، من ذلك أن أحد كبار عدول قرطبة قد أخذ هدية هي عبارة عن جبة خضراء، فشعر بأمرها خصم المهدي، فبلغ قاضي الجماعة سليمان بن أسود بحقيقة الوضع، فأراد القاضي تأديب ذلك العدل، الذي كان من سلامة قلبه يداوم على لبس تلك الجبة في المحافل، ولذا قال القاضي لخصم المهدي: "إذا رأيت الشيخ وعليه الجبة، وأفتى عليك فقل:
_________________
(١) - انظر: ما قاله الشاعر يحيى بن حكم الغزال في عدلين اسم أحدهما أبو حفص والآخر يدعى يحيى بن مالك، كانا من عدول قاضي الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني، المقتبس، تحقيق: مكي، ص ٧٠.
(٢) - انظر: القصة في قضاة قرطبة، ص ٧٥ - ٧٧.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
يا قاضي: ليس الشيخ يكلمك إنما تكلمك الجبة التي عليه … ففعل الخصم ما أمره به القاضي، فاستحيا الشيخ وانقلب خجلًا (^١) ".
وللعدول مهام عدة، منها استلام ديوان القاضي عند عزله، ووضع الديوان في بيت الوزراء حتى يتم تعيين قاضي آخر (^٢)، وإذا وضع القاضي مالًا موقوفًا لديه بيد أحد العدول به عليه، وإذا استرجعه القاضي منه، كتب له بذلك كتابًا، ثم أشهد العدل على القاضي بأنه قد استرد المال الذي كان في حوزته.
هذا وقد أورد الخشني قصة أنكر فيها القاضي عمرو بن عبد الله، البراءة والشهود الذين شهدوا عليه في استرجاع مال موقوف لدى أحد العدول يبلغ عشرة آلاف دينار هي عبارة عن ثلث أوصى تاجر يعرف بابن القصبي بتفرقته (^٣).
والقاضي يعمل دائمًا على الكشف عن عدوله، ويبدو أن له عيونًا تأتيه بأخبارهم، من ذلك أن رجلًا من أصحاب قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى أتاه في الليل وأنهى إليه أن اثنين من الفقهاء العدول الملازمين له، قد اتفقا فيما بينهما على الإدلاء بشهادة مزوَّرة، وأنهما سيحضران عنده غدًا لأجل هذا الغرض، فجلس القاضي في الغد وقد أخذ
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٨٠ - ٨١.
(٢) - انظر نفسه، ص ٨١ - ٨٢.
(٣) - نفسه، ص ٨٣ - ٨٤.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
حذره، فتقدم إليه أحدهما، فعبس القاضي في وجهه عله يفهم المراد، فينصرف من تلقاء نفسه، لكنه تمادى، فعندها ألقى القاضي في حجره - دون أن يشعر ذلك العدل - بطاقة مطوية، كتب فيها بيتين من الشعر هما:
أتتني عنك أخبار … لها في القلب آثار
فدع ما قد أتيت له … ففيه العار والنار
فعندما انتبه الرجل لها وقرأ ما فيها، انطلق مسرعًا، ولقي صاحبه في الخارج وطلب منه الانصراف معه، وأخبره أن القاضي قد عرف بأمرهما (^١).
ولما كانت كتابة الوثائق من بين المهام الرئيسية للعدول، وطبيعي أن يترتب عليها أحكام قاطعة، لأجل ذلك، فهي مجال واسع لأكل الأموال بالباطل من قبل ضعاف الإيمان، ولذا فقد كان جزاء من يدلس في الوثيقة صارمًا، يعمل في بعض الأحيان إلى قطع يد ذلك المدلس، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير برجل اشتهر أمره بالتدليس في الوثائق (^٢).
ويبدو أن قطع يد المدلس في الوثائق يتوقف على مدى الضرر الذي أحدثه تدليسه يدل على ذلك أن أبا محمد عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن واقزان، كان حافظًا للمسائل والرأي ومن المتقدمين في عقد
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٠٠ - ١٠١.
(٢) - النباهي، ص ٤٨. المعيار المعرب، ٢/ ٤١٤. وقد اخلتف في جواز أخذ كاتب الوثائق للأجرة، لكن الرأي الراجح أنه يأخذها بدون اشتراط لئلا يكون شبيهة بالحرفة. انظر: تبصرة الحكام، ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الوثائق، لكنه اشتهر بالتدليس في العقود، ورغم ذلك اكتفى قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز بأن أمر ابن واقزان بترك كتابة الوثائق، وعدم التعرض لما يتعلق بها والتزام بيته، فظل على هذه الحال إلى أن توفي سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٨ - (٩٣٩) م) (^١).
من هنا ندرك أن كتابة الوثائق ذات خطورة ملموسة، وعليه فقد حدد ابن عبد ون من المؤهل لكتابتها؟ فقال: "لا يجب أن يكتب الوثائق إلا من شهد له في ذلك بحسن الخط وترتيب اللفظ، واتساع في العلم، من رجل خير عالم ورع، ليكفي القاضي والحاكم عند رؤية خطه ولفظه البحث والتعب فيهما من براءة التدليس والتلبيس (^٢).
من ما مضى يتضح لنا أن وظيفة العدول قائمة على ركيزتين هما: كتابة العقود بين الناس وفق الشروط الشرعية، بالإضافة إلى تزكية الشهود الذين سيدلون بشهاداتهم عند القاضي.
وبصفة عامة لم يكن أولئك العدول يتمتعون بسمعة طيبة، حتى أن سفيان الثوري يقول "الناس عدول إلا العدول" ويقول عنهم عبد الله بن المبارك "هم السفلة" وأنشد بعضهم في العدول:
قوم إذا غضبوا كانت رماحهم … بثَّ الشهادة بين الناس بالزور
هم السلاطين إلا أن حكمهم … على السجلات والأملاك والدور (^٣)
_________________
(١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ٦٧٥.
(٢) - رسالة ابن عبدون في القضاء والحسبة، ص ١٣.
(٣) - معيد النعم ومبيد النقم، ص ٦٣.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
لكن لا يمكن أن تكون هذه الصورة عامة لجميع العدول، لأن من التزم منهم بالحق وسار على نهجه ما عليه من سبيل، أما الذين يسارعون في تحمل الشهادات ويؤدونها مقابل أجرة معلومة يتقاسمونها فيما بينهم في حوانيتهم، فهؤلاء الذين في خطر من أمرهم إن لم يقلعوا عنه ويتوبوا إلى الله تعالى منه.
هذا وقد حفظت لنا كتب التراجم أسماء عديدة اشتهرت بالعدالة من هؤلاء: محمد بن عيسى المعافري، الشهير بالأعشى (^١)، ومحمد بن يوسف بن مطروح، المتوفى يوم عاشوراء سنة (٢٧١) هـ (٨ يوليو سنة (٨٨٤) م) وكان أحد الثلاثة الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (^٢).
أبو القاسم أصبغ بن خليل، قرطبي، كان حافظًا للرأي على مذهب مالك وأصحابه، فقيهًا في الشروط، بصيرًا بالعقود، منسوبًا للصلاح والورع، دارت عليه الفتيا بالأندلس طيلة خمسين عامًا، توفي سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) (^٣).
_________________
(١) - ترتيب المدارك، ٤/ ١١٦.
(٢) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١١٣.
(٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٢٤٧.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن هانئ العطار، قرطبي، يعرف بابن اللباد، كان أحد العدول القرطبيين، توفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٧٥) هـ (ديسمبر (٩٨٥) م) (^١).
أبو عبد الله محمد بن أبي سليمان بن حارث المغيلي القسام، من أهل قرطبة، وهو أحد عدولها، كان حسن الخلق، كثير الدعابة، ذو مكانة سامية لدى حكومة قرطبة، توفي يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة (٣٧٧) هـ (مارس (٩٨٨) م) (^٢).
أبو عبد الله محمد بن فتح اللحام، قرطبي كان أحد العدول عند قاضي الجماعة محمد بن يبقى ابن زرب توفي في شهر رجب سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) (^٣).
أبو الوليد محمد بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى، من أهل قرطبة، وأحد عدولها، كان منسوبًا للثقة، توفي يوم الأحد مطلع رجب سنة (٣٨٩) هـ (١٨ يونيو (٩٩٨) م (^٤».
وكان أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، المتوفى سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠١ م) وعبد الله بن المعيطي أشهر الناس عدالة بقرطبة في وقتهما (^٥).
_________________
(١) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٤٧.
(٢) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٥٠.
(٣) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٥٢.
(٤) - نفسه، ترجمة رقم ١٣٧٩.
(٥) - ترتيب المدارك، ٦/ ١٥١.
[ ٢ / ٦٩١ ]
أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون بن مروان اللخمي، الحداد، قرطبي، صالح، عدل، حدث وكتب الناس عنه، توفي ليلة السبت لثمان بقين من شوال سنة (٣٩٤) هـ (سبتمبر سنة (١٠٠٤) م) (^١).
أبو القاسم خلف بن سليمان بن خميس، قرطبي، كان أحد العدول، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل سنة (١٠١٣) م) (^٢).
أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، يعرف بابن حوبيل، من أهل قرطبة "كان فقيهًا مشاورًا، بصيرًا بعقد الوثائق، مشهور العدالة المبرزة بقرطبة، وممن عُني بالعلم وشهر بالحفظ (^٣) ".
وفي عهد الفتنة البربرية، تأثرت العدالة مثل غيرها بأحداث تلك الفتنة، فقد أصبحت الثقة بالعدول مهزوزة بشكل كبير. حتى أن قاضي الجماعة عبد الرحمن بن بشر ٤٠٧ - (٤١٩) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٨) م) كان لا يقبل شهادة بعضهم في الباطن، ولا يقضي بها إذا انفردت عن غيرها (^٤).
_________________
(١) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٩٣.
(٢) - الصلة، ترجمة رقم ٣٦٣.
(٣) - المصدر السابق، ترجمة رقم ٦٨٧.
(٤) - د. محمد عبد الوهاب خلاف: وثائق في شئون الحسبة في الأندلس، مستخرجه من محفوظ الأحكام الكبرى، للقاضي ابن سهل الأندلسي، (القاهرة، المركز الدولي العربي للإعلام، ط الأولى ١٩٨٥ م) ص ٧٦.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ولم يقتصر اهتمام المصادر الأندلسية على ذكر أهل العدالة من المسلمين فقط، بل امتد اهتمامها لذكر من اشتهر بالعدالة من أهل الذمة، من هؤلاء مثلًا: - ينير الأعجمي فقد كان معروفًا بالخير وحسن المذهب، مقدمًا عند القضاة، مقبول الشهادة لديهم، ولذا فقد كانت شهادته سببًا في عزل قاضي الجماعة يخامر بن عثمان الشعباني عن منصبه، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (^١).
وكما أن الإنسان يبلغ العدالة وفق شروط متعارف عليها، فبالمقابل فإن الإخلال بتلك الشروط يعني إسقاط العدالة عن ذلك العدل، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط سجل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني بالسخطة على سبعة عشر فقيهًا، وهذا يعني أنه أزال صفة العدالة عنهم (^٢).
كما أن قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن زياد، قد سجل بالسخطة على الفقيه العدل محمد بن يحيى بن لبابه الشهير بالبوجون (^٣)، فقد رفع القاضي للخليفة عبد الرحمن الناصر أشياء قبيحة عن ابن لبابه، فأمر الخليفة بإسقاط ابن لبابه عن منزلته عن العدالة والشورى وكلفه بلزوم بيته (^٤).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٥٥.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٤٧.
(٣) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٣١.
(٤) - ترتيب المدارك، ٦/ ٨٧ - ٩١.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
من هنا يتضح أن رفع منزلة أحد الفقهاء للعدالة أو إسقاطه منها، لابد أن يصدر به ظهير من الأمير أو الخليفة.
ويبدو أن إزالة العدالة عن أحد العدول، أمر غير متوقف على ارتكاب ذلك العدل لما يقدح بسيرته من جهة الشرع، بل إن للأهواء دور في هذا أحيانًا، من ذلك قصة إسقاط الفقيه الموثق ابن العطار عن الشورى والشهادة ثم إعادته إليها (^١).
وتكرر نفس العمل مع قاضي الجماعة أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي، المتوفى سنة (٤٠٤) هـ (١٠١٤ م)، فقد كان مستبحرًا في المذهب المالكي، حاذقًا بحفظ المسائل والأجوبة، ولذا فقد تقلد الشورى والشهادة في عهد الدولة العامرية، لكن المنصور بن أبي عامر سخط عليه لأنه خالف رغبته وأفتاه بعدم جواز التجميع في مسجد الزاهرة، ولذا فقد أصدر المنصور أمره بإسقاط ابن وافد عن مرتبتي الشورى والشهادة وفرض عليه الإقامة الجبرية في داره (^٢). وللسبب ذاته تعرض الفقيه أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) قاضي بطليوس وثغورها للأذى من المنصور بن أبي عامر فعزله عن القضاء والفتيا (^٣).
_________________
(١) - المصدر السابق ٧/ ١٤٨ - ١٥٨.
(٢) - نفسه ٧/ ١٦٠.
(٣) - المصدر السابق ٧/ ١٥٩ - ١٦١.
[ ٢ / ٦٩٤ ]