للقاضي صلاحيات وسلطات يمارسها دون غيره من أهل الخطط، فهو ينظر في عشر مسائل، هي: الفصل في المنازعات، والعمل على إيصال الحقوق لمستحقيها، وإلزام الولاية للسفهاء والمجانين والحجر على المفلس حفظًا للأموال، والنظر في الأحباس والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها، كذلك له تنفيذ الوصايا على شروط الموصي إذا وافقت الشرع، ويتولى تزويج الأيامى من الأكفاء في حالة عدم وجود الأولياء، وله إقامة الحقوق سواء كانت من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، بالإضافة إلى النظر إلى مصالح العامة من كف التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأقنية، وتفقد أحوال الشهود والأمناء واختبار من يرتضيه لذلك، وأخيرًا، وجوب التسوية في الحكم بين القوي والضعيف وتوخي العدل بين الشريف والمشروف (^٢).
وإذا نظرنا إلى قضاة قرطبة، نجد أنهم كانوا يطبقون تلك الاختصاصات والصلاحيات تطبيقًا عمليًا، فقد كانوا يتناولون في
_________________
(١) - الذخيرة ق ١ م ١ ص ٥٩٢.
(٢) - النباهي، ص ٥ - ٦.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
أحكامهم مسائل متنوعة، وتكون الأحكام الصادرة عنهم مرتكزة على آراء الفقهاء والمشاورين الذين تتم استشارتهم في تلك القضايا، من ذلك "قضية وارث غائب في المشرق وله شرك في دار وطلب الورثة قسمة الدار، وأفتى الفقهاء ببيع الدار، وحفظ حق الوريث الغائب في قيمة ميراثه، وذلك لأن الدار لا تحتمل القسمة (^١) ".
وعندما تقدمت جارية مملوكة للقاضي وادعت أن سيدها غاب عنها ولم يترك لها نفقة، أمر القاضي ببيعها، وحفظ الثمن عند أحد الثقات إلى أن يرجع سيد الجارية فيسلم له (^٢).
وقاضي الجماعة يركب لحيازة أرض محبسة (^٣)، أو للوقوف على أطوال أرض معينة، مثل ركوب قاضي الجماعة أحمد بن بقي (^٤) بن مخلد
_________________
(١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٤.
(٢) - معين الحكام، ص ٢/ ٦٢٠.
(٣) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥.
(٤) - أبو عبد الله أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد، ولد في شهر ذي الحجة سنة ٢٦٠ هـ، فتربى ونشأ في حجر أبيه، وطلب العلم عليه، نبغ مبكرًا، وارتفعت منزلته حتى أن الأمير عبد الله بن محمد شاوره وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، رزق هيبة عظيمة، وقد بلغ من عظم مكانته عند الناس، أن الحاجب موسى بن محمد بن حدير قال عنه: عافانا الله من أحمد بن بقي أنه مال إلى الآخرة وطريقها ولو مال إلى الدنيا لشغلنا بأنفسنا، وقد كان ﵀ زاهدًا، فاضلًا، حليمًا، عاقلًا، حصيفًا، أديبًا، بليغًا، أنيس المجلس، صادق اللهجة، متواضعًا، رقيق القلب، من رآه أحبه، شديد الحفظ للقرآن، كثير التلاوة له، عالم بتفسيره ومعانيه واختلاف العلماء فيه، تولى قضاء الجماعة مقرونًا مع الصلاة والخطبة سنة ٣١٤ هـ. فحمدت سيرته، وظل في منصبه حتى وافته المنية ليلة الاثنين الأول من جمادى الأولى سنة ٣٦٤ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ١١١ - ١١٧. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣. ترتيب المدارك ٥/ ٢٠٠ - ٢٠٩. سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٣ - ٨٤.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
إلى مقبرة الربض لامتحان الحدود التي سبق وأن أثبتها قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة (^١)، وكذلك معاينة حائط فيها تنازع (^٢)، ومنع الضرر الحادث من دخان فرن ونحوه (^٣)، والتحقيق في قضايا القتل الخطأ (^٤)، والحكم بالعقلة (^٥)، والإشراف على المساجد والميضأة ونظافة أفنيتها وفتح أي باب من أبواب المسجد أغلق منذ مدة طويلة (^٦).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٤٩. أبو عقبة الأسوار بن عقبة بن حسان بن عبد الله النصري، من أهل جيان، ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط القضاء بعد عزله للقاضي يحيى بن معمر الألهاني سنة ٢٦٠ هـ، وقد وصف الأسوار بأنه كان من أهل التحري والخير والفضل والتواضع وحسن السيرة، عاقلًا له مسجد يعرف باسمه يقع في الزقاق الكبير بقرطبة، عزله الأمير عبد الرحمن عن القضاء سنة ٢١٣ هـ ثم رأى بعد ذلك إعادته إلا أن الأسوار رفض بشدة. انظر: قضاة قرطبة، ص ٤٨ - ٤٩. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٧٩. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠، ٥٧ - ٥٨.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٥.
(٣) - قضاة قرطبة ص ٧٩.
(٤) - د. محمد عبد الوهاب خلاف، وثائق في أحكام القضاء الجنائي في الأندلس، مستخرجه من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي ابن أبي الأصبع بن سهل ص ٤٧.
(٥) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٠٩.
(٦) - المرجع السابق ص ٢١٠.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
كما أن له الإشراف على المقصورة المقامة في المسجد الجامع بقرطبة، ولا يؤذن لأحد بالصلاة فيها إلا بأمره (^١)، والنظر في المشاجرات سواء التي كانت تنشأ بين الزوجين أو بين أي اثنين من أفراد المجتمع بسبب رهن أو بيع فيه عيوب ونحو ذلك (^٢). ومن الأمور التي يبرز فيها دور القاضي في تهدئة الأحوال في مجتمعه أنه عقب هيج الربض الذي اندلع بقرطبة ضد الأمير الحكم الربضي، أُتهم أحد أقارب قاضي الجماعة الفرج بن كنانة (^٣) بالاشتراك في ذلك الهيج، فتسور الأعوان عليه داره ليقتلوه، فعلت أصوات النساء، وعندما استفسر الفرج بن كنانة عن سبب ذلك الصراخ، وأخبر بحقيقة الأمر خرج مسرعًا إلى رئيس الأعوان وخاطبه في الأمر، فرد عليه ردًا جافًا، فغضب الفرج وذهب للأمير الحكم وقال له: "أيها الأمير، أصلحك الله، إن قريشًا حاربت النبي ﷺ وناصحته
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ١٠٤.
(٢) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢١٣ - ٢١٤.
(٣) - أبو القاسم فرج بن كنانة بن نزار بن غسان بن مالك بن كنانة الكناني، من أهل شذونة، كان من أهل العلم والعبادة، رحل إلى المشرق طلبًا للعلم، وبعد عودته ولاه الأمير الحكم الربضي قضاء الجماعة بقرطبة وذلك سنة ١٩٨ هـ. فمكث في منصبه إلى أن استعفى منه سنة ٢٠٠ هـ، وكان له الأثر العظيم في الأمان الذي بذله الأمير الحكم الربضي لأهل الربض، وقد كان الفرج فارسًا شجاعًا، ولذا فقد قاد الجيوش في أعمالها العسكرية في الثغور، كما تولى الحكم في سرقسطة فأصلح الله به أحوال أهلها. انظر: قضاة قرطبة، ص ٤٠ - ٤٤. ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٠٣٠. ترتيب المدارك ٤/ ١٤٤ - ١٤٥.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
العداوة، ثم أنه صفح عنهم وأحسن إليهم، وأنت أحق الناس بالاقتداء به لقرابتك منه، ثم حكى له القصة وما عرض له، فأمر بضرب الناظر في ذلك الشغب وعفا عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان لجماعتهم، واستألفهم إلى أوطانهم (^١).
ولقاضي الجماعة دور في محاربة الأهواء والبدع، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز (^٢)، المتوفى في أواخر شهر رجب سنة (٣١٩) هـ (أغسطس سنة (٩٣١) م) أمر بضرب أحد النصارى لأنه ادعى لنفسه
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ٤١.
(٢) - أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله، ولد سنة ٢٣١ هـ، من ذرية أبان مولى الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ أصله من لوشه بغرناطة، وأسرته معروفة هناك، وفيهم أعلام وفضلاء، كان من خيار أهل إلبيرة، طلب العلم بها، ثم أخذ عن أعلام قرطبة، وبالذات بقي بن مخلد فقد صحبه طويلًا وفي سنة ٢٦٠ هـ رحل أسلم إلى المشرق، وأخذ العلم عن أعلامه وعاد إلى الأندلس بإسناد عالٍ وعلم جم، فنال الوجاهة العظيمة، وكان الخليفة عبد الرحمن الناصر عارفًا بمروءة أسلم وحسن طويته ولذا فقد ولاه قضاء الجماعة يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٠٠ هـ فحمدت سيرته، فقد كان قليل المداراة في الحق، وفي سنة ٣٠٩ هـ عزل عنه، ثم أعيد إليه سنة ٣١٢ هـ، ولم يزل إلى أن مل واستعفى وقد كان الخليفة الناصر يستخلفه في سطح القصر إذا خرج لمغازيه وتوفي أسلم ﵀ لسبع بقين من رجب سنة ٣٦٩ هـ. انظر: قضاة قرطبة، ص ١٠٦ - ١٠٩، ١١١. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٨٠، جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٣٢٢. ترتيب المدارك، ٥/ ١٩٤ - ٢٠٠. سير أعلام النبلاء، ١٤/ ٥٤٩. الإحاطة ١/ ٤١٩ - ٤٢٢.
[ ٢ / ٦٥١ ]
الإتيان بمعجزات لم تكن إلا لعيسى ﵇ (^١)، كما أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، المتوفى أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٥٥) هـ (نوفمبر سنة (٩٦٦) م) أفتى بكفر وإلحاد أبي الخير (^٢) ووجوب قتله دون أن يستتاب لأنه كان يسب الصحابة ويطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ويرمي أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ بالكذب، وكان مادحًا للخمر شاربًا له زانيًا لواطًا آكلًا للحم الخنزير هازلًا بكتاب الله طاعنًا في السنن وأهلها، محتجًا على أهل السنة بالبدع، مؤولًا لحديث النبي ﷺ على غير مقصده، تاركًا للصلوات الخمس، وحضور الجمعة، مدعيًا بأحقية علي بن أبي طالب ﵁ بالنبوة، وأن محاربة بني أمية أحق من محاربة الشرك، وكان يدعو لدعوة أبي تميم معد الملقب بالمعز لدين الله الفاطمي (^٣)، ويرى الخروج على
_________________
(١) - قضاة قرطبة ص ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) - عن أبي الخير وحقيقة اسمه، انظر: د. محمد عبد الوهاب خلاف، ثلاث وثائق في محاربة الأهواء والبدع في الأندلس. (القاهرة، المركز العربي الدولي للإعلام، ط الأولى ١٩٨١ م) ص ٤٨ - ٤٩.
(٣) - معد بن إسماعيل بن القائم بن المهدي أحد حكام العبيديين، ولد بالمهدية في المغرب سنة ٣١٩ هـ، بويع بالحكم في المنصورية بعد وفاة أبيه سنة ٣٤١ هـ، ودخل القاهرة المسماة بـ"القاهرة المعزية" يوم الخامس من رمضان سنة ٣٦٢ هـ. وقد كان معد عاقلًا لبيبًا حازمًا ذا أدب وعلم ومعرفة وجلالة وكرم، قال عنه الذهبي "ولولا بدعته ورفضه لكان من خيار الملوك، مات معد في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ هـ بالقاهرة، انظر: ابن سعيد، النجوم الزاهرة في حُلى حضرة القاهرة، تحقيق: د. حسين نصار، (القاهرة وزارة الثقافة، ١٩٧٠ م) ص ٤٦ - ٤٨. ابن تفري بردي، النجوم الزاهرة، (القاهرة دار الكتب المصرية، ط الأولى، ١٣٥٢ هـ/١٩٣٣ م) ٤/ ٦٩ - ١٠٩. المقريزي، إتعاظ الحنفاء، ١/ ٩٣ - ١٥٠، ٢٠٨ - ٢٣٥.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
الخليفة، الحكم المستنصر بالله بالسلاح، ويطعن على أئمة المسلمين وخلفائهم وفقهائهم، وينكر الشفاعة، ويدعي تخليد المذنبين من الموحدين في النار (^١).
وقد أيد الخليفة الحكم المستنصر بالله رأي القاضي ومن معه من الفقهاء، وأصدر في ذلك كتابًا قرئ على منابر الأندلس فيه الوعيد الشديد للزنادقة، ولمن أفتى بغير المذهب المالكي (^٢).
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان من مهام القاضي المحافظة على القيم الإسلامية في المجتمع الأندلسي، فقد ذكر أنه كان في تطيلة امرأة "لها لحية كاملة كلحى الرجال، وكانت تتصرف في الأسفار وسائر ما يتصرف فيه الرجال فلا يؤبه لها حتى أمر قاضي الناحية نسوة من القوابل بالنظر إليها، فأخبرنه أنها امرأة فأمر القاضي بحلق لحيتها، وأن تتزيا بزي النساء، وألا تسافر إلا بذي محرم (^٣) ".
_________________
(١) - انظر: د. محمد عبد الوهاب خلاف: ثلاث وثائق في محاربة الأهواء والبدع في الأندلس، ص ٥٧ - ٨٢.
(٢) - المعيار المعرب، ٢/ ٣٣٣.
(٣) - فرحة الأنفس، ص ٢٨٧.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
وللقاضي الإشراف على بيت المال، وعليه أن يتفقد أمر العاملين فيه كل عام وإن أمكن كل شهر، ولا يأذن لأحد في التصرف فيه إلا عن رأيه، والقاضي والفقهاء يدبرون أمر بيت المال ويصلحون شأنه بحيث يكون بعضهم على بعض شهيدًا (^١).
ويتولى القاضي في بعض الأحيان مساءلة العمال إذا كثرت شكاوى الرعية منهم، فقاضي الجماعة سليمان بن أسود حكم على يوسف بن بسيل عامل شذونه، وذلك بسبب دعاوى رفعت ضده، كلها تتهمه باستغلال منصبه واغتصاب أموال بعض الأهالي في شذونه (^٢).
والقاضي يتولى عملية الإشراف على الوثائق والتدقيق فيها، وإنزال العقوبة في من يثبت تدليسه فيها، فقد ذكر النباهي أن قاضي الجماعة محمد بن بشير المعافري (^٣) قد ثبت لديه أن رجلًا كان يدلس في الوثائق
_________________
(١) - رسالة ابن عبدون، ص ١٠، ٢٢.
(٢) - قضاة قرطبة، ٧٧ - ٧٨.
(٣) - أبو عبد الله محمد بن بشير بن شراحيل المعافري، أصله من جند باجة من عرب مصر، طلب العلم عند شيوخ قرطبة، ثم رحل إلى المشرق فحج ولقي الإمام مالك بن أنس وجالسه وسمع منه، كما طلب العلم بمصر ثم انصرف إلى الأندلس، فعمل كاتبًا للقاضي المصعب بن عمران إلى أن توفي فولاه الأمير الحكم منصب القضاء وفق شروط اشترطها ابن بشير، فظل في منصبه محمود السيرة إلى وفاته ﵀ سنة ١٩٨ هـ، وقد كان ابن بشير محل ثناء علماء الأندلس، وقد قال عنه الأمير الحكم "كنت مستريحًا من أخبار الناس وظلامتهم لما علمت من عدله وثقته" كما اعتبره ابن القوطية بأنه خير القضاة بالأندلس وأفضلهم وأعدلهم. انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٨ - ٣٨. ابن القوطية، ص ٤٤، ٤٥، ٥٧. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٢٧ - ٣٣٩. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٦٩. النباهي، ص ٤٧ - ٥٣.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وأنه قد عقد وثيقة مدلَّسة على أحد التجار، فأمر القاضي ابن بشير بقطع يد ذلك الرجل فقطعت (^١).
كذلك تعرض على القاضي مسائل الحبس الخطأ (^٢)، ويقوم بتعيين إمام مسجد السجن وتكون أجرته من بيت المال (^٣) كما يتولى مراقبة ما يصرف من أجرة أو إنفاق أو إصلاح موضع من الثغور ومدافعة عدو (^٤).
ومن مهام القاضي ارتقاب شهر رمضان المبارك لإبلاغ الخليفة بذلك، ونشر الخبر بين الناس (^٥).
وفي أحداث الفتنة البربرية كان لقاضي الجماعة ابن ذكوان موقفًا معتدلًا، فقد كان يرى ضرورة الصلح وإيقاع السلم مع البربر وقائدهم سليمان بن الحكم (^٦)، كما حذر هشام بن سليمان من الفتنة وسوء
_________________
(١) - النباهي، ص ٤٨.
(٢) - وثائق في أحكام القضاء الجنائي، ص ٥٢، ٥٤.
(٣) - ابن عبدون، ص ١٩.
(٤) - المصدر السابق، ص ١١.
(٥) - النباهي، ص ٧٨.
(٦) - ترتيب المدارك: ص ٧/ ١٧٣.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
العاقبة (^١)، ونصح الخليفة هشام المؤيد بعدم الأخذ بآراء حاجبه واضح الصقلبي (^٢).
هذه صورة مجملة، للمهام التي أنيطت بالقاضي، الذي هو بدوره ركيزة أساسية يقوم عليها أي مجتمع كان، فهو القدوة، وبيده تحقيق العدالة التي هي سر الاستقرار والأمان، ولذا فعندما عمت الفتنة البربرية وتوارى دور القضاة، نجد ابن عبد ون يحملهم مسئولية ما وقع في قرطبة وغيرها من مدن الأندلس، فبعد أن تحدث عن الفساد الذي أصاب قلوب الناس، وما تبع ذلك من وقوع الهرج، قال "لا يصلح هذه الأمور إلا نبي بإذن الله، فإن لم يكن زمن نبي، فالقاضي مسئول عن ذلك كله، ومن كان في عون المسلمين كان الله في عونه، فعليه أن يصرح بالحق، ويجري إلى الصلاح والعدل والتخلص، وينظر لنفسه فعسى يتخلص، والله بعزته يسدّده ويوفقه للخير ويعينه عليه، إنه منعم بذلك، والقادر على كل شيء (^٣) ".
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ٧٩.
(٢) - ترتيب المدارك، ٧/ ١٧٣.
(٣) - ابن عبدون ص ٦٠.
[ ٢ / ٦٥٦ ]