روى الإمام مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس دعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (^٢) ".
وفي هذا الحديث الجليل بيان لقاعدة شرعية فيما يتعلق بالدعاوى والخصومات، إذ لو ترك الباب مفتوحًا لكل دعوى دونما حاجة إلى بينة تقطع الشك، لوصل الأمر ببعض مرضى النفوس المطالبة بدماء رجال وأموالهم دون وجه حق.
والبينة هي الحجة التي تظهر صدق الدعوى، سواء عقلية كانت أو محسوسة (^٣)، وأما في الاصطلاح فالمراد بها الشهود (^٤).
فإذا احتاج أحد الخصمين إلى أجل لإثبات بينته، منحه القاضي وقتًا محددًا لتحقيق ذلك، وهذا الوقت محكوم بأيام محدودة، ومقدارها متروك
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ١١٦.
(٢) - صحيح مسلم، ٣/ ١٣٣٦.
(٣) - المفردات في غريب القرآن، ص ٦٨.
(٤) - أعلام الموقعين، ١/ ٦٦.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
للقاضي والحكام واجتهادهم، لكن هذه المدة لاتخرج عن ثلاثين يومًا مجزأة (^١).
وقد وضح القاضي ابن سهل الصيغة التي تكتب فيها الآجال المضروبة، فذكر أنه إن كان القاضي هو الذي كتب الأجل بيده، كتب "أجلنا فلان بن فلان في المدفع الذي ادعاه الشاهدان اللذان شهدا عليه بما ذكر في العقد الذي في أعلى الكتاب … ثمانية أيام". فإذا انقضت كتب "وأجلًا ثانيًا من ستة أيام" فإذا انقضت كتب "وأجلا ثالثًا من أربعة أيام" فإذا انقضت كتب "تلومنا عليه بعد انصرام الآجال المضروبة له فوق هذا ثلاثة أيام كذا وكذا (^٢) ".
أما إذا كتب عن القاضي كاتبه فإنه يكتب "أجل القاضي فلان بن فلان قاضي حاضرة كذا وفقه الله، فلان بن فلان فيما ذهب إليه من حمل ما ثبت عنده عليه لفلان بن فلان في العقد الواقع في بطن هذا الكتاب بعد معرفته بما فيه وبما ثبت آجلًا جامعًا للتلوم وغيره من أحد وعشرين يومًا، أولها يوم كذا لعشرة خلون من شهر كذا من سنة كذا، ثم يكتب القاضي بخط يده: هذا صحيح، وإن شاء كتب، هذا الأجل صحيح، أو كتب، الأجل صحيح، وقد يكتب هذا على غير وجه سوى ما ذكرنا (^٣) ".
_________________
(١) - تاريخ القضاء في الأندلس، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) - المرجع السابق، ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٣) - نفسه، ص ٢٤٨.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وإذا انقضت الآجال والتلوم، وعجز المؤجل عن إحضار ما وعد به، فإن القاضي في هذه الحالة لا يلتفت إلى ادعاء المؤجل بأن لديه حجة، فيصدر حكمه ويسجل عليه، ثم لا يلتفت بعد ذلك إلى ما يدلي به من حجة (^١)، واستثنى ابن سهل من ذلك: العتق والطلاق والنسب (^٢).