يقول القاضي الباجي: "على الملك أن يشرف منزلة القاضي، ويقوي سلطانه، وينفذ حكمه في نفسه وولده وأهله وفي جميع أهل مملكته، كما فعلت الخلفاء الراشدون والأئمة الهادية والسلف الصالح لأن سلطانه من سلطانه" (^٢).
ومن هذا المنطلق حرص الأمويون على إيجاد القاضي العدل، ومساندة أحكامه، وإن كانت لا تتفق مع أهوائهم، فقاضي الجماعة عبد الرحمن بن طريف اليحصبي (^٣)، لم يخش هيبة الأمير عبد الرحمن الداخل (^٤)، ولم يجامله، فقد رفض تعليماته بضرورة التريث في قضية
_________________
(١) - النباهي، ص ٤٧ - ٤٨.
(٢) - أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام تحقيق: الباتول بن علي، ص ١٧٢.
(٣) - عبد الرحمن بن طريف اليحصبي، استقدمه الأمير عبد الرحمن الداخل من ماردة عندما سمع بصلاحه وصلابته وورعه، فسار بالقضاء أجمل سيره، وقد بلغ من زهده وورعه أنه إذا شغل عن القضاء يومًا واحد لم يأخذ لذلك اليوم أجرًا. انظر: قضاة قرطبة، ص ٢٣ - ٢٤. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٧٤. النباهي، ص ٤٤ إلا أنه سماه "نصر بن ظريف".
(٤) - ابن الفرضي: ترجمة رقم ٤٦٩.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
حبيب القرشي الذي اغتصب ضيعة أحدهم، ولم يكتف بذلك، بل سارع إلى التسجيل على حبيب وإنفاذ الحكم عليه بمحضر الفقهاء والعدول، وعندما عاتبه الأمير على مخالفته أوامره، أجابه قائلًا "أيها الأمير، ما الذي يحملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد من ذلك وجهًا أن ترضي من تُعنى به من مالك (^١) ".
وأما الأمير هشام الرضا، فيكفي في إظهار موقفه من قضاته، أنه عندما استدعى المصعب بن عمران ليوليه قضاء الجماعة، قال له في معرض حديثه "ونفسي طيبة عليك لصلاح أمور المسلمين، ولو وضعت المنشار على رأسي لم أعترضك (^٢) ".
وبطبيعة الحال لن يضع القاضي منشاره على رأس الأمير، ولكن هذه الجملة تعني الخضوع المطلق لأحكام القاضي الشرعية، وفي الوقت نفسه هي دليل على مدى ثقة الأمير بمن اختاره للقضاء.
ولقد كانت أفعال الأمير هشام مؤيدة لقاضيه، حتى أنه عندما اشتكى إليه أحد رجاله من أن القاضي سجل عليه في داره وأخرجه منها،
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ٢٣ - ٢٤، وقد ذكر الخشني أن حبيبًا القرشي بعد أن اشترى الضيعة من أصحابها بالثمن الذي ارتضوه كان يقول: "جزى الله عني ابن طريف خيرا، كانت بيدي ضيعة حرام فجعلها ابن طريف حلالًا" المصدر السابق، ص ٢٤.
(٢) - ابن القوطية، ٤٤.
[ ٢ / ٦٣١ ]
رد عليه قائلًا: "وماذا تريد مني؟، والله لو سجل عليَّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه (^١) ".
وأما الأمير الحكم الربضي، الذي اختلفت المصادر في الحديث عن شخصيته (^٢) فقد ذكر الخشني، أنه عندما بلغه أن قاضي الجماعة محمد بن بشير، يحتضر، قام في جوف الليل يصلي في مكان منفرد في القصر، ويبتهل إلى الله تعالى أن يوفقه بقاضٍ يكون عوضًا لقاضيه ابن بشير (^٣)، وذلك على الرغم من أن هذا القاضي كانت له مواقف من الأمير الحكم، فقد أصدر القاضي حكمه في قضية "أرحى القنطرة" ضد رغبة الأمير الحكم، الذي لم يخف استحسانه لفعله، حيث قال "رحم الله محمد ابن بشير فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا حلالًا طيبًا فطاب لنا ملكه (^٤) "، وكانت له كلمة مشهورة تدل على حرصه على العدل، فقد ذكر ابن عذاري أنه كان يقول: "ماتحلى الخلفاء بمثل العدل" (^٥).
_________________
(١) - البيان المغرب، ٢/ ٦٦.
(٢) - انظر: نقط العروس، ٧٣. جذوة المقتبس، ص ١٠. المعجب، ص ٤٤. البيان المغرب، ٢/ ٧٨ - ٧٩. ذكر بلاد الأندلس، ص ١٢٥، ١٢٧، ١٢٨. نفح الطيب، ١/ ٣٤٢.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٧ - ٣٨.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٢٩ - ٣٠.
(٥) - البيان المغرب، ٢/ ٧٩.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وأما الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد كان يقال لأيامه أيام العروس (^١)، وذلك لما امتازت به من العدل والهدوء، ومما يدل على حزمه في إقراره العدل قصة التاجر اليهودي الذي شكى لقاضي مارده سليمان بن أسود (^٢) من أن أحد أعوان الأمير محمد بن عبد الرحمن - حاكم كورة ماردة في ذلك الوقت - قد أخذ جاريته منه ولم يسدد ثمنها، أو يردها عليه، وعندما حاول القاضي إقناع الأمير محمد بضرورة إنصاف اليهودي، عمد الأمير إلى الإنكار، فهدده القاضي بأنه سوف يذهب بنفسه إلى والده بقرطبة ويعرض عليه القضية كاملة، فلم يكن أمام الأمير محمد إلا الرضوخ لحكم القاضي، حيث تم تسليم الجارية لليهودي (^٣).
_________________
(١) - ذكر بلاد الأندلس، ١٣٩.
(٢) - أبو أيوب سليمان بن أسود بن يعش ابن جشبيد الغافقي، من سكان مدينة غافق، ولي القضاء في كوره مارده، استدعاه الأمير محمد وولاه قضاة الجماعة بقرطبة، وصف بأنه كان رجلًا صالحًا، متقشفًا، مهيبًا، صليبًا في حكمه، فيه ذكرة وتحامل على كبار رجالات الدولة وقلة مداراة لهم، تولى القضاء بقرطبة مرتين عزل عن الأولى سنة ٢٦٠ هـ، وفي سنة ٢٦٣ هـ أعيد للقضاء وتمادى فيه حتى عزل عنه في عهد الأمير المنذر بن محمد، وقد توفي سليمان بن أسود وهو ابن تسع وتسعين سنة وعشرة أشهر. انظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣ - ٨٢، ٨٣ - ٨٩. ابن الفرضي، ترجمة رقم ٥٤٩. النباهي، المرقبة العليا، ص ٥٦ - ٥٩.
(٣) - النباهي، ص ٥٦ - ٥٧، وانظر: قضاة قرطبة، ص ٧٣. إلا أن الخشني ذكر أن أحد أعوان الأمير محمد انتزع من رجل ابنته، وهذا في الواقع بعيد الحصول لأنه لايمكن في الوسط الإسلامي انتزاع أي بنت كانت أيًا كان والدها، فالنباهي كان دقيقًا عندما ذكر أنها جارية لأحد اليهود والجارية كما هو معروف تباع وتشترى.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وفي عصر الخلافة نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يرضخ لحكم قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، فقد ذكر ابن غالب أن الخليفة أراد شراء دار أيتام زكريا أخي بخدة الحيري، لحظية من نسائه، وكان أولئك الأيتام في حجر القاضي، وكما هو معروف أنه لا يجوز البيع في هذه الحالة إلا عن رأيه ومشورته، ولذا ما إن شعر القاضي أن الخليفة سوف يدفع ثمنًا أقل مما يجب في الدار، حتى سارع وأمر الوصي بنقض الدار حيث بيعت الأنقاض بثمن أكثر مما كان الخليفة سيدفعه، وحين اتصل الخبر بالخليفة سأل القاضي عن هذا التصرف، فكان رده ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (^١) فما كان من الخليفة إلا أن استحسن رد القاضي وتصرفه، وقال له: نحن أولى من الانقياد إلى الحق، فجزاك الله عنا وعن أمانتك خيرًا (^٢) ".
وهكذا يتضح مما سبق - والأمثلة كثيرة - أن سياسة بني أمية مع القضاة كانت تتسم بالاحترام والتأييد والمساندة في إنفاذ أحكامهم، وعدم نقضها، بالرغم من أن بعضها كان لا يوافق رغباتهم. كل هذا حرص منهم
_________________
(١) - سورة الكهف الآية رقم ٧٩.
(٢) - فرحة الأنفس، ص ٣٠٤.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
على إتباع الحق، ونشر العدل إذ أن "الظلم مؤذن بخراب العمران (^١) " ولا ننسى أنهم كانوا شديدي الحرص على سلامة سمعتهم، ليس فقط بين رعاياهم أو الممالك النصرانية المجاورة، وإنما ألا يصل إلى مسامع العباسيين إلا كل جميل عنهم وعن قضاتهم، يدل على ذلك قصة قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله، المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) الذي دارت حوله شكوك في قضية مال لأحد الأيتام، فقد أفتى الفقهاء بتحليف القاضي علنًا، إلا أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أخذ برأي الفقيه بقي بن مخلد، المتوفى سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) الذي قال للأمير: "إن اتصل ببني العباس أنّا نحلف قضاتنا، كان ذلك أعظم ما نعاب به عندهم (^٢) ".
وبالمقابل لهذه المساندة التي يقدمها أمراء وخلفاء بني أمية لقضاتهم، نجد الفقهاء يعملون دومًا على تحسين صورة أولئك الحكام أمام رعاياهم، من ذلك مثلًا: العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الأمير عبد الرحمن الأوسط والفقيه يحيى بن يحيى الليثي (^٣) ت (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) فقد عبر
_________________
(١) - مقدمة ابن خلدون، ص ٧٤١.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٨٤.
(٣) - أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل بن منقايار قرطبي، بربري مصمودي، مولى بني ليث، ولد سنة ١٥٢ هـ سمع من فقهاء عصره في قرطبة ثم رحل إلى المشرق فسمع من الليث بن سعد ومالك بن أنس وتلاميذه في مصر، ولذلك جمع يحيى فقهه من مدرستي المدينة ومصر المالكيتين، فعاد إلى الأندلس بعلم وفير، وغدا إمام وقته، وعادت الفتيا في الأندلس إليه وتعتبر روايته للموطأ أوسع الروايات انتشارا في المغرب الإسلامي بوجه عام، كان ﵀ رجلًا عاقلًا، عظيم القدر جليل الذكر، لم ينل أحد من أهل العلم بالأندلس مثل مانال يحيى من الرئاسة والحرمة، وعندما وقع هيج الربض، كان يحيى ممن اتهم فيه، ففر بسبب ذلك إلى طليطلة، فكتب له الأمير الحكم الربضي كتاب أمان، فعاد إلى قرطبة، وعندما تولى الإمارة الأمير عبدالرحمن الأوسط، غدت منزلة يحيى أرفع منزلة رغم رفضه تولي منصب القضاء ومازال في سؤدد حتى وافته المنية، ﵀، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٥٥٦. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٧٩ - ٣٩٤. سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٥١٩ - ٥٢٥. نفح الطيب، ٢/ ٩.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
عنها ابن القوطية بقوله "وكان يلتزم من إعظام يحيى بن يحيى وبره ما لا يلتزم الابن البار للأب الحاني (^١) " حتى أنه لم يعص له أمرًا إلا مرة واحدة (^٢) ومقابل هذا البر كان الفقيه يحيى صاحب مهارة وكياسة في كيفية تزيين اثار الأمير لدى الرعية وحضهم على طاعته واستنهاضهم لتكاليفه (^٣).
_________________
(١) - ابن القوطية، ص ٥٨.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٤٠ - ٤١.
(٣) - المصدر السابق، ص ٤٢ - ٤٣، ولاشك أنه عندما تكون العلاقة بين الفقهاء وبين ولاة الأمر علاقة طيبة وكلمتهم واحدة للعمل بما فيه صالح الإسلام والمسلمين، فإن ذلك ينعكس بصورة إيجابية على المجتمع، فيتحقق الاستقرار والهدوء الأمر الذي يكفل النماء لكافة مقومات الحياة السعيدة والعكس لا يجلب إلا فتنا لانهاية لها.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يجل الفقيهين بقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني (^١) ت (٢٦٨) هـ (٨٨٢ م) وناصرهما ضد من وقف في وجهيهما من الفقهاء بعد عودتهما من المشرق (^٢)، وبمقابل ذلك كان الفقيه ابن مخلد دائم الدعاء للأمير محمد واصفًا لآثاره معجبًا به (^٣)، كما
_________________
(١) - أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني، من أهل قرطبة، إمام حافظ متقن علامة، طلب العلم على شيوخ عصره، ثم رحل إلى المشرق قبل سنة ٢٤٠ هـ، فأدى فريضة الحج، وطلب علم الحديث وعلوم اللغة على علماء العراق ومكة ومصر، وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا بعد أن مكث في المشرق خمسًا وعشرين سنة. ولم يكن الخشني فقيهًا، بل كان لغويًا راوية للحديث كما كان ﵀ ثقة مأمونًا. وبسبب إدخاله كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد تعرض لإنكار بعض الفقهاء، بل ضيق عليه وسجن حتى أنقذه الله تعالى بسبب الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد وصف الخشني بفصاحة اللسان، وجزالة المنطق، كما كان صارمًا أنوفًا منقبضًا عن الأمراء، وعندما أراده الأمير محمد على القضاء رفض بشدة، وقد خلط البعض بينه وبين محمد بن حارث الخشني صاحب كتاب قضاة قرطبة. توفي ﵀ يوم السبت لأربع بقين من شهر رمضان سنة ٢٨٦ هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١١٣٤. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥٠ - ٢٦١. جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٠٠. سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠. Francisco pons Boigues: Storiadores y Geografos Arabico- Espanoiles- Madrid، ١٨٩٨، p: ٤٨>
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٤٨ - ٢٥٢.
(٣) - العقد الفريد، ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أن الفقيه الخشني كان إذا قعد للإسماع ابتدأ القارئ عليه بالدعاء للأمير محمد، وإذا فرغ ختم به (^١) ".
وفي عهد الخليفة هشام المؤيد كان الحاجب المنصور بن أبي عامر لا ينفذ بعض أحكام قضاته (^٢)، فقد تدخل في حكم قضائي صدر ضد قاسم بن محمد المرواني المعروف بالشبانسي، الذي أودع السجن تميهدًا لقتله، إلا أنه أفرج عنه لقصيدة مدحه فيها (^٣).
وقد اقتضت رسوم الدولة الأموية في الأندلس أن تكون مخاطبة القاضي للأمير أو الخليفة الأموي بـ"التسييد (^٤) " وهذا ما كان يلتزمه الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مع الأمير عبد الرحمن الأوسط (^٥)، كما أن قاضي
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: محمود مكي، ص ٢٥٢.
(٢) - عندما وُضعت جنازة الخليفة الحكم المستنصر بالله تقدم ابنه هشام المؤيد للصلاة عليه، فقال القاضي ابن سليم، وما تغني صلاة أمير المؤمنين عنه، ثم برز عن الصف بنية الإمامة، وروى عنه أن قال: لولا إني نويت عقد الصلاة بمقامي هذا لدفن بغير صلاة، انظر: ترتيب المدارك: ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩. فلما علم المنصور بذلك أخذ يسعى في توهين أمر ابن السليم ويتعرض لأحكامه وينقض قضاياه.
(٣) - جذوة المقتبس، ترجمة رقم ٧٦٧. بغية الملتمس، ترجمة رقم ١٢٩٦. نفح الطيب، ٣/ ٥٩٢.
(٤) - النباهي، ص ٧٨.
(٥) - المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، ص ٤٤.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الجماعة محمد بن يبقى بن زرب (^١)، المتوفى سنة (٣٨١) هـ " (٩٩١) م" كان يخاطب الخليفة هشام المؤيد بـ"أصلح الله أمير المؤمنين سيدي وأبقاه وأيده بطاعته (^٢) ".
ونظرًا لأن الحاجب المنصور بن أبي عامر سبق وأن أصدر أوامره بأن تكون مخاطبته بلفظ "سيدي (^٣) " لأجل هذا فقد كان القاضي ابن زرب يخاطبه بـ"يا سيدي ومن وفقه الله لطاعته وعصمه بتقواه (^٤) ".
_________________
(١) - أبو بكر محمد بن يبقى بن محمد بن زرب بن يزيد بن مسلمه، قرطبي ولد يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان سنة ٣١٧ هـ، وطلب العلم على فقهاء قرطبة، برع في حفظ المسائل على المذهب المالكي حتى عد أحفظ أهل زمانه لها كان أحد المشاورين عند قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم، وبعد وفاته تولى محمد بن يبقى قضاء الجماعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ٣٦٧ هـ فكان في أحكامه بعيدًا عن الحيف، وكان لا يجلس للقضاء حتى يأكل كما كان كثير الصلاة كثير التلاوة للقرآن، بصيرًا بالعربية، فيه سلامة تجعله يقبل مواجهة، وقد ألف كتابًا في الفقه أجاد فيه، وكان المنصور بن أبي عامر يجله ويعظمه ويتحرك له ويجلسه على فراشه، ومع ذلك لم يقبل له ابن زرب يدًا قط، وقد توفي ﵀ ليلة الأحد الثاني عشر من شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ ودفن يوم الأحد بعد صلاة العصر في مقبرة قريش، ففقده الناس وأثنوا عليه ثناءً حسنًا، وأظهر المنصور لموته غمًا شديدًا، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٦٣. بغية الملتمس، ترجمة رقم ٣٢٥، ابن فرحون الديباج المذهب (القاهرة، مكتبة عباس عبد السلام شقرون، ط الأولى ١٣٥١ هـ) ص ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٢) - النباهي، ص ٧٨.
(٣) - البيان المغرب، ٢/ ٢٩٤.
(٤) - النباهي، ص ٧٨.
[ ٢ / ٦٣٩ ]