كان المسجد النبوي الشريف مكانًا للقضاء، وذلك طيلة عهد النبي ﷺ وصاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر ﵄، وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ تم بناء أول دار للقضاء (^١).
وبعد ذلك اتخذ قضاة الأمصار في الدولة الإسلامية الجامع مكانًا لانعقاد مجالس القضاء "لأنه أسهل المجالس، وأرفقه بالناس، وأحرى ألا يخفى على من أراد مجلس القاضي (^٢) " وفي هذا يقول الفقيه ابن العطار، المتوفى سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م): "إن للقاضي أن يلتزم النظر في المسجد، فهو كان من فعل المتقدمين بهم السالفين، ليصل إليهم القوي والضعيف، ولا ينبغي أن يحجب عنه أحدًا، وهو أقرب إلى التواضع وأحوال النساك والصالحين (^٣) ".
وكون المسجد الجامع، هو المكان الرئيسي للقضاء، لا يعني بالضرورة عدم جواز عقده فيما سواه، فللقاضي أن يجلس للقضاء في
_________________
(١) - محمد سلام مدكور، القضاء في الإسلام، ص ٢٦.
(٢) - أدب القاضي، ص ٨٥.
(٣) - كتاب الوثائق والسجلات، ص ٤٩٢. وانظر ما ورد لدى السقطي عن موقف صاحب الحسبة ببغداد عندما وجد القاضي قد جلس للقضاء في الجامع، أبو عبد الله محمد بن أبي محمد السقطي، آداب الحسبة، (نشر: س. كولان. ليفي بروفنسال، باريس، ١٩٣١ م) ص ٢ - ٣.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
المساجد المجاورة لبيته (^١)، بل ربما كان بيت القاضي مكانًا للقضاء، فقد كان قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي في بعض الأحيان يجلس في بيته يقضي بين الناس وجاريته تنسج في ناحية من نواحيه (^٢).
ويستحب للقاضي إذا دخل المسجد لعقد الجلسة القضائية، أن يركع ركعتين أو أربعًا، يدعو لنفسه فيهما أن يوفقه الله تعالى للصواب ويعصمه من الزلل (^٣)، وعند جلوسه لابد أن يكون في حالة لا تكدرها أي منغصات من غضب أو جوع أو نحوهما (^٤)، فقد نهى المصطفى الكريم ﷺ عن الحكم في حال الغضب، فقال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" (^٥). ثم يجلس للحكم مستقبلًا القبلة بوجهه (^٦)، ولا حرج عليه أن يكون متربعًا أو محتبيًا أو متكئًا (^٧).
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٣٠، ٦٩ - ٧٠.
(٢) - المصدر السابق، ص ٥١.
(٣) - أدب القاضي، ص ٨٥ - ٨٦.
(٤) - فصول الأحكام، ص ١٨٧. ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام، (راجعه وقدم له: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م) ١/ ٤٠.
(٥) - سنن ابن ماجه، ٢/ ٧٧٦.
(٦) - أدب القاضي، ص ٨٦. تبصرة الحكام ١/ ٣٨.
(٧) - تبصرة الحكام، ١/ ٤٠.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وكما ذكرت فإن جلوس القاضي في بيته للقضاء بين الناس لا يكون دائمًا، بل وفق ظروف معينة، كجلوسه للقضاء في رحبة المسجد مثلًا، مما يتيح له فرصة الفصل في القضايا التي يكون أحد أطرافها غير مسموح له بدخول المسجد مثل اليهودي والنصراني (^١)، وأينما عقدت جلسة القضاء فإنها دائمًا تكون علنية يشهدها من أحبّ، فذلك أبلغ ما يكون في النزاهة (^٢).
وقد ورد لدى الخشني أن معظم قضاة قرطبة ما كانوا يقضون أثناء مسيرهم إلى مجلس القضاء أو عند عودتهم إلى دورهم. فقد كان قاضي الجماعة أحمد بن زياد اللخمي لا يقبل أن يخاطب في شيء من أمر الخصوم إلا في مجلس نظره، ومن ألح عليه أمر بسجنه (^٣)، كما أن قاضي الجماعة عمرو ابن عبد الله بن ليث كان يلازمه شيخ يسير دومًا إلى جانبه، فإذا
_________________
(١) - أبو الوليد هشام عبد الله الأزدي القرطبي، مفيد الأحكام في نوازل الأحكام، ورقة ٦ مخطوط رقم ١٠٣، رقم الفهرست ٢/ ٢١٧. بتاريخ ١٢٧٧ هـ مكتبة المسجد النبوي الشريف، المدينة المنورة.
(٢) - ومما تجدر الإشارة إليه هنا ما ذكره قاضي الجماعة ابن عبد الرفيع من أن الذي يحضر مجلس القاضي ثلاث مرات من غير حاجة تسقط شهادته. انظر: معين الحكام، ٢/ ٦٤٥. وذكر ابن فرحون أن عدالته تكون مجروحة. انظر: تبصرة الحكام، ١/ ٣٨.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٦٥.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
ذهب أحد ليدنو من القاضي أثناء مسيره إلى المسجد، دفعه ذلك الشيخ وقال له: "اذهب حتى يجلس القاضي في مجلس القضاء (^١) ".
وأما عن طريقة ذهاب القاضي إلى المسجد الجامع للقضاء، فإن الأمر متوقف على بعد أو قرب دار القاضي من المسجد الجامع، وإن كنا نتوقع أنه أثناء ذهابه إلى المسجد يكون ماشيًا، بينما يكون عند عودته إلى دراه راكبًا، ومما يقوي هذا الرأي أن القاضي عند توجهه لمجلس القضاء في المسجد، يجمع بين قيامه بمصلحة المسلمين وفضيلة جلوسه في المسجد، ولذا يفضل المشي على الركوب لكي تكثر خطاه إلى المسجد فتكثر حسناته، وجلسة القضاء لا تعقد إلا في طرفي النهار وهذا هو وقت النشاط فلا بأس من السير مشيًا نحو مجلس القضاء، وقد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة بقرطبة سعيد ابن سليمان وعمرو بن عبد الله كانا يذهبان إلى المسجد الجامع مشيًا (^٢).
وقد جرى الرسم في ذهاب القاضي إلى مجلس الحكم وعودته منه أن لا يماشيه ولا يراكبه أحد، فقاضي الجماعة عمرو بن عبد الله "كان إذا ركب لا يصحبه صاحب ولا يصير إلى جانبه راكب (^٣) ".
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٦٩.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٦٤.
(٣) - المصدر السابق، ص ٦٨.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ومما يزيد الأمر توضيحًا في رسم المسير مع القاضي ما ذكره قاسم بن أحمد الجهني من أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي "ركب يومًا لحيازة أرض محبسة، في ركب فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه، قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا وأمامه أمناؤه، ويحملون خرائطه، وذووه عليهم السكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشى (^١) ".
لكن هذه القاعدة تخرم أحيانًا، فقد ذكر الفقيه محمد بن أحمد العتبي أنه كان يمشي مع بعض الفقهاء بصحبة قاضي الجماعة سعيد بن سليمان وهو منصرف من مجلس القضاء نحو داره، فمر القاضي بالفرن وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده، ثم توجه نحو داره، يقول العتبي: "ونحن نمشي معه، وقد أخرنا دوابنا إجلالًا له، حتى أديناه إلى منزله، فسلم علينا ودخل وانصرفنا عنه" (^٢).
أما قاضي الجماعة، عمرو بن عبد الله فقد كان متساهلًا، بالذات وهو عائد من مجلس القضاء، فقد ذكر الخشني أنه إذا قام إلى داره قام الناس معه، فإذا بلغ القاضي باب داره "وقف وحول وجهه واتكأ على عصاه، ثم قال من كان له حاجة فليتكلم فيها" (^٣).
_________________
(١) - مطمح الأنفس، ص ٢٥٥.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٣.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٧٠.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وقد عرف القضاة بمشية خاصة، فهي أقرب ما تكون إلى البطء، فالقاضي يمشي وعليه السكينة والوقار، يدل على ذلك ما حُكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، المتوفى سنة (٤٣٥) هـ (١٠٤٣ - (١٠٤٤) م) أنه عندما استدعاه زهير العامري حاكم المرية المتوفى سنة (٤٢٩) هـ (١٠٣٨ م) أتاه وهو يمشي قليلًا قليلًا ووصفت تلك المشية بمشية القاضي (^١).