كان من المتبع لدى بني أمية في الأندلس، أنه بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يبدأ الاحتفال بتعيينه والإعلان عن بيعته، وقد شهدت تلك المراسم تطورًا كبيرًا في عصر الخلافة عما كانت عليه في عصر الإمارة.
فقد ذكر ابن سعيد أن الأمير الحكم الربضي كان أول من عقد البيعة بولاية العهد من بعده في الأندلس (^١) حيث عقدها لولديه عبد الرحمن ثم المغيرة. وقد تمت مبايعة ولي العهد مرتين (^٢)، الأولى عرفت بالبيعة الخاصة، والثانية عرفت بالبيعة العامة.
وقد جرت البيعة الخاصة لولي العهد الأول في قصر الإمارة، ثم توجه إلى داره (^٣) لاستقبال المبايعين بالبيعة العامة، أما ولي العهد الثاني فقد أخذت له البيعة الخاصة في دار ولي العهد الأول، ثم توجه إلى الجامع وعند المنبر لكننا نشهد تطورًا يطرأ على هذه المراسم في عصر الخلافة، فالخليفة المستنصر عندما أراد أن يعقد ولاية العهد من بعده لابنه هشام، جلس في إحدى قاعات القصر الضخمة، وبعد اكتمال حضور كبار رجالات الدولة من شيوخ البيت الأموي وزعماء البيوتات الأندلسية والوزراء
_________________
(١) - المغرب في حُلى المغرب، ١/ ٤٣.
(٢) - انظر: مراسم تلك البيعة لدى ابن عذاري، البيان المغرب، ٢/ ٧٧.
(٣) - تجدر الإشارة هنا إلى أن وجود دار خاصة بولي العهد يعني أن له وزراء وجلساء وندماء خاصين، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلًا، إذ أن تغيرًا طرأ على هذا الجانب، فولي العهد أصبح يسكن مع الأمير ثم مع الخليفة في القصر.
[ ٢١٥ ]
والقضاة والفقهاء والقادة وكبار الفتيان الصقالبة ونحوهم، ألقى الحكم خطبة بهذه المناسبة افتتح كلامه فيها بما عزم عليه من إسناد ولاية العهد لابنه هشام، وأشار في خطبته إلى الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، وبعد أن أُخذت البيعة على الحضور، أُخرجت نسخ من كتاب البيعة لتوقيع شهادات الذين التزموها (^١)، وتولى إعطاء الحضور هذه النسخ على مراتبهم كل من صاحب الشرطة والمواريث المنصور بن أبي عامر، والكاتب ميسور الفتى، حيث يقوم كل من استلم نسخته بتسجيل شهادته بخط يده، بسجل خاص (^٢).
وقاضي الجماعة هو أول من سجل شهادته في ذلك السجل، ثم تبعه الوزراء، ومن ثم أصحاب الشرطة وسائر أهل الخدمة من الحكام والقضاة والفقهاء والمشاورين وغيرهم، ولنا أن نتصور ضخامة هذا السجل إذا عرفنا أن عدد الشهود كان مائة وتسع وثلاثون رجلًا (^٣)، وعادة ما يصاحب هذا الاحتفال بذل الأموال والهدايا لعلية القوم (^٤)، وبالتالي يتم إرسال نسخ عديدة من كتاب البيعة لتلاوتها على كافة المنابر في الأندلس لاستقبال المبايعين من أبناء الرعية كل في محلته.
_________________
(١) - البيان المغرب ٢/ ٢٤٩.
(٢) - المصدر السابق ٢/ ٢٤٩. نفح الطيب، ١/ ٤٢٥.
(٣) - أعمال الأعلام ٢/ ٤٨ - ٥٧.
(٤) - البيان المغرب، ٢/ ٢٤٩.
[ ٢١٦ ]
وقد حفظت لنا المصادر التاريخية نصين لكتابين من إنشاء الوزير الكاتب أبي حفص ابن برد الأكبر (^١)، صدرا بمناسبة الإعلان عن عقد ولاية العهد، ومن الملاحظ أن كلا الكتابين تضمنا أسباب اختيار الخليفة لولي عهده، وذكر صفاته وأخلاقياته، وأن الاختيار لهذا المنصب الهام جاء بعد روية واستخاره.
فالكتاب الأول أصدره الخليفة هشام المؤيد عند توليته العهد لعبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول، وذلك في شهر ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) بيَّن فيه الخليفة أن اختياره لولي العهد كان من أجل صالح الأمة إذ أنه يخشى أن يوافيه الأجل دون أن يترك للأمة من تأوي إليه، وأن اختياره لشنجول كان أمرًا طبيعيًا لعدم وجود من هو أكفأ منه، بالإضافة إلى أنه يرى فيه القحطاني الذي سوف يسوق الناس بعصاه، وفي نهاية الخطاب تعهد المؤيد بأنه لن يغير نيته أبدًا (^٢).
_________________
(١) - هو الوزير أبو حفص أحمد بن برد، مولى بني شهيد، كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر، تولى ديوان الإنشاء في الدولة العامرية بعد ابن الجزيري، ثم كتب لسليمان المستعين وغيره من خلفاء الفتنة، وقد امتد به العمر حتى تجاوز الثمانين وتوفي بسرقسطة سنة ٤١٨ هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم ١٩٩. الذخيرة،، ق ١ م ١ ص ١٠٣.
(٢) - انظر: هذا الخطاب في: الذخيرة، ق ١ م ١، ص ١٠٤. البيان المغرب، ٣/ ٤٤ - ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩١ - ٩٢. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٨ - ١٤٩. نهاية الأرب، ٢٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩. نفح الطيب، ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥.
[ ٢١٧ ]
أما الكتاب الثاني فقد صدر عن الخليفة سليمان المستعين بالله أعلن فيه عقد ولاية العهد لابنه محمد، وذلك في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة (٤٠٠) هـ (فبراير (١٠١٠) م) وقد جاء في الكتاب أن المستعين نظرًا لحرصه الشديد على الأمة فقد اختار لها ابنه محمدًا، وقد استخار الله تعالى في هذا الاختيار، وأنه بهذه الاستخارة والاختيار قد أبرأ ذمته من الأمة وأدى الأمانة التي اضطلع بها (^١).
وإذا نظرنا إلى كلا الخطابين نجد أنهما متفقان في بعض النقاط، ومختلفان في نقاط أخرى، ففي الخطابين إشارة إلى أن قرار اتخاذ ولي العهد لم يأت إلا بعد الإكثار من استخارة الباري جل وعلا، وأن الخشية من الله تعالى والحرص على مصلحة المسلمين هما الدافع الرئيس لاتخاذ ولي للعهد، وأنه نظرًا لتوافر خلال الخير وصفات الرجولة في شخصي عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر ومحمد بن سليمان المستعين، دون غيرهما كل هذا رشحهما لهذا المنصب الهام.
لكن هناك نقاط ميزت أحد الخطابين عن الآخر رغم أن الكاتب واحد هو ابن برد الأكبر، وأن المدة التي تفصل بين الخطابين لا تزيد عن سنة وثلاثة أشهر، ففي الخطاب الأول نجد الدعاء للخليفة هشام بطول البقاء عند ورود اسمه، في حين خلا الخطاب الثاني من هذه المسألة، كما
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٦ - ١٢٧.
[ ٢١٨ ]
أن اسم ولي العهد في الخطاب الأول ذكر مقرونًا بالكنية واللقب مع الدعاء له بالتوفيق، بينما ورد اسم ولي العهد في الخطاب الثاني مجردًا.
وهناك ناحية انفرد بها الخطاب الأول وهي: بما أن عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر، معافري يرجع إلى قحطان لأجل هذا ورد في الخطاب أن الخليفة هشام المؤيد يؤمل أن يكون عبد الرحمن بن المنصور هو الرجل القحطاني الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه سيسوق الناس بعصاه.
كما امتاز الخطاب الأول بإعلان تفويض مطلق تام من الخليفة هشام لولي عهده المنتظر في أمور الخلافة في حياة الخليفة وبعد وفاته.
وأخيرًا اختتم الخليفة هشام خطابه بأنه يشهد الله وملائكته الكرام ومن حضر بأن لا يغدر بولي عهده. بينما نجد أن الخطاب الثاني اشتمل على إصدار الأمر للعمال بالكور بأن يأمروا أصحاب الصلوات في الجوامع بالدعاء لولي العهد في خطبة الجمعة. واختتم الخطاب بالتضرع إلى الله تعالى أن يوفق أمير المؤمنين لما فيه مصلحة جماعة المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجازي أمير المؤمنين على جميل نيته وكرم مذهبه فيهم.
وبعد أن تنتهي مراسم الاحتفال بولاية العهد، يخرج ولي العهد إلى مكانه المخصص بموكب خاص، فإذا استقر في مجلسه صدر الإذن منه لمن
[ ٢١٩ ]
في الباب من بني أمية وغيرهم من القرشيين ولكبار رجالات الدولة وأصحاب البيوتات الأندلسية ونحوهم للدخول عليه وتهنئته والدعاء له (^١).
وبعد ذلك تتم تكنية ولي العهد في المخاطبة، وينقش اسمه في السكة والأعلام والطراز، كما يتولى قاضي الجماعة الدعاء له فوق المنبر بينما يتولى القضاة وأصحاب الصلوات الدعاء له على كافة المنابر في الأندلس (^٢).
هذه هي البيعة الخاصة، التي تنتهي عادة في نفس اليوم، أما البيعة العامة فيستقبلها ولي العهد لعدة أيام في بيته ويتم إرسال كتب خاصة في هذا الشأن إلى كافة الكور والثغور لأخذ البيعة من أبناء الرعية.
ولا تحدثنا المصادر التاريخية عن وقوع أي بادرة تشير إلى رفض عقد البيعة بولاية العهد أثناء الاحتفال بهذه المناسبة، فحتى عندما عقد الخليفة هشام المؤيد ولاية العهد من بعده لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر لم يظهر أي موقف معارض حين عقد البيعة (^٣).
ومن الملاحظ أنه إذا عقدت ولاية العهد لصبي صغير، تؤخذ الأيمان المغلظة من المبايعين بعدم الحنث في البيعة، فالخليفة عبد الرحمن الناصر "عهد بالأمر بعده لولده الحكم، وهو طفل صغير من ثماني سنين أو نحوها،
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩٣.
(٣) - عدم المعارضة في المجلس تدل إما على أن هناك عادة تقضي بإرجاء المعارضة إلى مابعد، وإما على شدة سيطرة عبد الرحمن بن المنصور على دولة الخليفة هشام المؤيد وهذا هو الأرجح.
[ ٢٢٠ ]
وبحيث لو هلك لنصب بعده بمكانه، وحسبما اقتضاه ما أخذه على الناس من العهد بذلك، واقتضاه من الأيمان الغليظة المحرجة شأن من يأخذ العهد لولده من الملوك" (^١).