إن من الحقوق التي ضمنت للقاضي، تقديم الأرزاق له، وذلك مقابل تحمله عبء الجلوس لصالح الناس. وهذا الجلوس يستغرق جل وقته، مما يحول بينه وبين التكسب من طرق أخرى، لأجل هذا كان لابد من صرف مرتب له يغنيه عن الاحتياج للآخرين، ويجعله في مأمن عن التطلع لما في أيديهم.
ويكفي للدلالة على وجوب فرض مرتب للقاضي فعل النبي الكريم ﷺ عندما بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن ليتولى
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) - النباهي، ص ٦٤.
(٣) - معين الحكام، ٢/ ٦١٤.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
القضاء فقد فرض له رزقًا مقابل ذلك وقال له: "لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك (^١) ".
كذلك فرض الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لقضاتهم أرزاقًا فقد كتب عمر بن الخطاب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة ﵃ عندما كانا في الشام "أن انظروا رجالًا من الصالحين قبلكم فاستعملوهم على القضاء ووسعوا عليهم في الرزق (^٢) " كما فرض علي بن أبي طالب ﵁ لشريح خمسمائة درهم في الشهر عندما ولاه القضاء (^٣)، واستمرت عملية صرف المرتبات للقضاة طيلة عهد الدولة الأموية في الشام (^٤).
وفي الأندلس سار القضاة هناك على مثل ما كان عليه نظرائهم في المشرق، فقد كانت لهم أرزاق تدفع من بيت المال. وقد حدد لنا أبو الوليد الأزدي فيما يرويه عن أصبغ بن الفرج موارد رزق القاضي، فقد قال "وحق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له خدمة
_________________
(١) - صحيح البخاري، ٩/ ٦٧ - ٦٨.
(٢) - أدب القاضي، ص ١١٠.
(٣) - المصدر السابق، والصفحة.
(٤) - انظر: محمد بن عبد الله الغنام، تاريخ القضاء في عهد الدولة الأموية من ٤١ - ١٣٢ هـ، (رسالة ماجستير مقدمة لكلية العلوم الاجتماعية قسم التاريخ والحضارة جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض ١٤٠٧ هـ. غير منشورة) ص ٩٨ - ١١٠. ومصادره.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
يقومون بأمره، ويدفعون الناس عنه، ويجري له ثمنًا لوقوف يدون أقضيته فيها، وشهادتهم، وبمصابيح الليل ينظر منها في أمور الناس ويدبرها، ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس أو من الجزية أو من عشر أهل الذمة (^١) ".
ويبدو أن الرزق المقدم للقاضي كان شهريا (^٢)، وكان واسعًا نوعًا ما. بل إنه كان يمكن البعض من تدبير أموره بفائض من هذا الرزق طيلة العام المقبل حتى وإن كان معزولًا، مثلما حدث لمعاوية بن صالح عندما كان الأمير عبد الرحمن الداخل يداول بينه وبين عمر بن شراحيل في القضاء (^٣).
والذي تجدر الإشارة إليه أن القاضي معاوية بن صالح بما أنه يدبر شئونه طيلة العام المقبل من خلال الفائض من رزق العام الذي يتولى فيه القضاء بالرغم من أنه لا يمارس أي عمل آخر طيلة العام الذي يتولى فيه صاحبه عمر بن شراحبيل القضاء، لهو دليل أكيد على حياة الزهد التي كان يعيشها، وإن كنا لا نستطيع التغاضي عن ضخامة الرزق الذي تقدمه الدولة للقاضي.
_________________
(١) - مفيد الحكام، ورقه ٤.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٢٢.
(٣) - المصدر السابق، والصفحة.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
والأمثلة على حياة الزهد التي كان يحياها قضاة الجماعة بقرطبة كثيرة، فبالإضافة إلى ما سبق كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان إذا انصرف من صلاة الجمعة، ذهب إلى الفران وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده ودخل بيته (^١). وعندما عُزل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني عن منصبه، بعث إليه أحد خواصه من الوزراء أحد أبنائه ومعه بعض الأعوان والزوامل لحمل أمتعته، لكنهم فوجئوا عند دخولهم بيت القاضي بأنهم لم يجدوا من المتاع إلا حصير وخابية دقيق وصحفة وقلة للماء وقدح وسرير كان يرقد عليه (^٢).
ومن شدة زهد أولئك القضاة أن أحدهم كان إذا شغل عن القضاء يومًا لا يأخذ لذلك اليوم أجرًا (^٣)، بل إن أحدهم إذا كان له دخل من غير منصب القضاء، فإنه يتعفف عن رزق القضاء، وإن كان في الواقع بحاجة إليه، فقاضي الجماعة سعيد بن سليمان كانت له ضيعة في فحص البلوط، وكان وكيله على هذه الضيعة المدعو ناصر بن قيس يُحضر للقاضي نتاج ضيعته من القمح والشعير، وهذا النتاج يبلغ سبعة أمداد من شعير وثلاثة أمداد من قمح، وكان القاضي يقول لمن حوله عن هذا الطعام "وهذا
_________________
(١) - نفسه، ص ٦٤.
(٢) - نفسه، ص ٤٨.
(٣) - نفسه، ص ٢٢، النباهي، ص ٤٤.
[ ٢ / ٧١٠ ]
مقيتي ومقيت عيالي بحول الله (^١) " كما كان قاضي الجماعة ابن السليم يتعيش على اصطياد الأسماك من نهر قرطبة ويتعفف عن رزق القضاء (^٢).
وبمقابل من كان يعيش من قضاة قرطبة عيشة الزهد والتقشف كانت فئة منهم تعيش في سعة وبحبوحة، فمثلًا كان قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد تاجرًا قبل أن يتولى خطة القضاء سنة (٢٩١) هـ (٩٠٤ م) (^٣) ".
وأما قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد فيذكر عنه ابنه عبد الرحمن أنه إذا طرق أباه ضيف في الليل لم يذبح له شيئًا من الطير، لأنه يعتبره أمانًا لها، ويكتفي بأن يقدم للضيف في ذلك المساء العسل والسمن والبيض وما شاكل ذلك (^٤).
ويذكر ابن حيان أن قاضي الجماعة محمد بن يبقى بن زرب كان ذا سعة وثراء، فلما تولى القضاء في أوائل عهد الخليفة هشام المؤيد، جاءه أصحابه من الفقهاء والمشاورين لتهنئته بهذا المنصب، فما كان منه إلا أن احتبسهم عنده ثم أطلعهم على ما لديه من الأموال وأخبرهم عما تحويه
_________________
(١) - قضاة قرطبة، ص ٦٣.
(٢) - المغرب في حلى المغرب، ١/ ٢١٤.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ١٠٢.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ١١٤ - ١١٥.
[ ٢ / ٧١١ ]
مخازنه منها، وما قدر عليه تجارته من أرباح، وذلك لكي لا يتعرض لتهمة الخيانة فيما بعد إذا ظهر ثراؤه بصورة كبيرة (^١).
وكذلك كان قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس ميسور الحال، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن ولده محمد بن عبد الرحمن بن فطيس المتوفى سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) كان سريا (^٢).
كما كان عبد الرحمن بن بشر الذي تولى للحموديين بقرطبة خطتي القضاء والوزارة من أهل الثراء، يدل على ذلك ما ذكره النباهي عن مجلس لابن بشر كان يقضي فيه أنسه وخلوته، فقد كان ذلك المجلس "عجيب الصفة حسن الآلة، ملبَّس كله بالخضرة، جدرانه وأبوابه، وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه، وكل ذلك متشاكل الصفات، قد ملأه بدفاتر العلم ودواوين الكتب التي ينظر فيها ويخرج منها (^٣) ".