يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢) فطاعة ولي الأمر واجبة - بغير معصية - والقاضي هو وكيل عن ولي الأمر، ولا يجوز للوكيل إقامة وكيلًا له إلا بتفويض من الموكل، فكذلك لا يجوز للقاضي أن يستخلف قاضيًا آخر مكانه مالم يأذن ولي الأمر بذلك (^٣). وعليه "فليس للقاضي أن يستخلف قاضيًا مكانه ينظر بين الناس ويريح نفسه إذا كان حاضرًا ولا إن عاقه شغل، إلا بعد استئذان الذي قدمه أو يكون تقديمه انعقد على ذلك (^٤) ".
وقد حدد الفقيه ابن العطار في وثائقه المجال العام الذي يمكن للقاضي المستخلف أن يعمل فيه، فقد ذكر أن القاضي إذا استخلف قاضيًا آخر مكانه فللمستخلف الاستماع لشهادة الشهود، وقبول عدالة
_________________
(١) - المصدر السابق، ٧/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) - سورة النساء جزء من الآية ٥٩.
(٣) - أدب القاضي، ص ٣٥٧ - ٣٥٨، وقد ورد في تاريخ قضاة الأندلس أن القاضي محمد بن الحسن الجذامي النباهي عندما أمره يحيى المعتلي بتولي القضاء بمالقة، اشترط لقبول الولاية عدة شروط، منها: أن يستخلف عنه من يظهر له متى احتاج إلى ذلك وإن كان مقيمًا في قصره. انظر: النباهي، ص ٩٠.
(٤) - معين الحكام، ٢/ ٦١١.
[ ٢ / ٧١٩ ]
من عرف منهم بالعدالة، وأن يعدل من احتاج إلى تعديل. فبعد أن يثبت لديه حيازة ما شهد به الشهود، يرفع ذلك كله إلى القاضي الذي استخلفه، وذلك بحضرة شاهدي عدل، فيلزم القاضي حينئذ إقرار فعل مستخلفه، وتنفيذ ما ثبت عنده من ذلك، ويسجل به للمحكوم وينعقد التسجيل في ذلك والإشهاد على القاضي (^١)، ثم أضاف أنه إذا كان المخلف غائبًا، فإنه يسجل القضية بشهادة الشهود والإثباتات ثم يطبع على الكتاب الذي سجل فيه القضية ويبعثه مع عدلين، يتوجهان به إلى القاضي ويسلمانه الكتاب، ويشهدان عنده أن مخلفه فلان بن فلان قد دفعه إليهما وأشهدهما على ما فيه، وينفذ القاضي قولهما إذا قبلهما بمعرفته بهما أو بتعديل من عدلهما لديه (^٢).
وقد استخدم بعض قضاة الجماعة بقرطبة حق الاستخلاف، من هؤلاء قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى الذي كان يستخلف على قضائه عند خروجه من قرطبة قاسم بن محمد صاحب الوثائق، وفي بعض الأحيان يستخلف عبد الرحمن بن علي (^٣).
وكان قاضي الجماعة ابن ذكوان ملازمًا للحاجب المنصور بن أبي عامر لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته ولا فارقه في إقامة ولا سفر،
_________________
(١) - الوثائق والسجلات، ص ٦٤٢.
(٢) - المصدر السابق، ص ٦٤٢ - ٦٤٣.
(٣) - ترتيب المدارك، ٦/ ٩٩.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وكذلك كانت حالته مع ولديه عبد الملك المظفر وعبد الرحمن شنجول (^١) ولذا فقد كان القاضي ابن ذكوان يستخلف أخاه أبا حاتم صاحب المظالم طيلة غيابه عن قرطبة (^٢).
والمستخلف ربما حاول أن يقنع ولي الأمر بأنه أولى بالمنصب ممن استخلفه، وأنه أقدر عليه منه، وقد حدث ذلك في قرطبة مرة واحدة، فقد استخلف قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى في إحدى خرجاته عن قرطبة الفقيه ابن زونان، فصلى بهم الجمعة ثم استغل غيبة القاضي، فكتب للخليفة عبد الرحمن الناصر كتابًا ذكر فيه "أنه شيخ من شيوخ المسلمين، ومن أهل العلم فيهم، وولاؤه أشرف الولاء، إذ كان مولى رسول الله ﷺ فكيف يكون مع هذا مخالفًا لابن أبي عيسى؟ وهو صبي في عدد ولده، يسأل أمير المؤمنين أن يأنف من هذا (^٣) " لكن الخليفة لم يلتفت إلى كتابة ابن زونان، ولم ير بديلًا لابن أبي عيسى الذي ما إن علم بالأمر حتى عاد مسرعًا وصرف ابن زونان ولم يستخلفه بعدها (^٤).
والاستخلاف في القضاء لم يقتصر العمل به على قضاة الجماعة بقرطبة، فقد كان معمولًا به في الكور، فالفقيه الحافظ أبو الفرج عبد الله
_________________
(١) - المصدر السابق، ٧/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) - نفسه، ٧/ ١٧٥.
(٣) - النباهي، ص ٦٠.
(٤) - المصدر السابق، والصفحة.
[ ٢ / ٧٢١ ]
بن عبد الوارث (^١) بن منتيل، المتوفى ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة (٣٧٣) هـ (فبراير (٩٨٤) م) كان مستفتيًا في الأحكام ببلدة طليطلة، ومن أهل الثقة والورع في جميع أموره، ولذا فقد كان محمد بن يحيى بن عبد العزيز يستخلفه أيام قضائه بطليطلة (^٢).
وقد نظر ابن عبد ون إلى مسألة الاستخلاف نظرة حذرة، خشية ماقد يطرأ على الحقوق من ظلم بسبب هذا الاستخلاف، فبعد أن ذكر الشروط التي على القاضي التحلي بها، بدأ يعدد الأمور التي يجب عليه أن يأخذ حذره منها "ألا يستخلف في ذلك لأنه باب فساد لحاله، وباب من الهوان كبير قد فتحه على نفسه، فإن الناس يميلون إلى مستخلفه ويبقى هو مهونًا لا يعبأ به، ويحدث المستخلف عليه خلافًا عظيمًا، لاسيما إذا ارتشى أو كان ذا غفلة، ولم تكن له حنكة (^٣) ".
ثم حدد ابن عبد ون السمات التي على القاضي أن يراعيها في مستخلفه، وحدد له الصلاحيات التي يمنحها المستخلف لكي يضمن السلامة، فقال "أن يجعل حاكمًا عالمًا خيرًا غنيًا يجعله للعوام في الأمر القريب من الأحكام لا في رقاب الأموال، ولا حكم على الأيتام، ولا فيما فيه أمر من أمور السلطان والعمال (^٤) ".
_________________
(١) - لدى ابن الفرضي، ترجمة رقم ٧٣٠: عبد الحارث.
(٢) - لدى ابن الفرضي ترجمة رقم ٧٣٠. ترتيب المدارك، ٧/ ٣٠.
(٣) - رسالة ابن عبدون، ص ٨ - ٩.
(٤) - المصدر السابق، ص ٩.
[ ٢ / ٧٢٢ ]