وللحاجب مهام ومسؤوليات أنيطت به، عليه الالتزام بها وتأديتها على الوجه الأكمل، فعن طريقه يتم الوصول للأمير أو الخليفة (^٣) كما أنه هو المتحدث معهما نيابة عن الوزراء (^٤). ف"هو صاحب الكلام وقيمِّ البيت (^٥) " كما أنه يفصل فيما يجري بين الوزراء من اختلاف (^٦) وعليه اتخاذ التدابير اللازمة لنزهة الأمير أو الخليفة (^٧)، وإذا كونت لجنة للإشراف
_________________
(١) الحلة السيراء، ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٢) المصدر السابق، ص ٢٣٣.
(٣) ابن القوطية، ص ٣٧.
(٤) انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧ - ١٥٢.
(٥) المصدر السابق ص ١٥٤ ويعني البيت بيت الوزراء.
(٦) انظر: نفح الطيب، ٣/ ٥٤٠.
(٧) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢١.
[ ٤١٥ ]
على بناء ورفع تقرير مفصل عن هذه المهمة للأمير أو الخليفة فالحاجب يتولى رئاسة تلك اللجنة (^١)، كما أن من وظائفه النظر في أحباس الخليفة (^٢)، وأخذ البيعة لولي العهد (^٣)، وفي بعض الأحيان يتولى الحاجب أمر إدارة الدولة وتسيير شئونها (^٤).
والحاجب يجمع إلى جانب خطته، خططًا أخرى، فالحاجب بدر بن أحمد حاجب الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يتولى مع الحجابة خطة الوزارة وخطة الخيل والبُرُد، بالإضافة إلى قيادة الجيوش والإشراف على الولاة (^٥)، ومن قبله الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فقد كان يتولى للأمير الحكم الربضي الحجابة والكتابة وقيادة الجيوش (^٦). ومن هنا ندرك أن منصب الحجابة لا يتولاه إلا أشهر رجال الدولة، فإما أن يكون من أهل السيف مثل بدر بن أحمد أو من رجال القلم مثل عيسى بن
_________________
(١) نفسه ص ٢٢١. البيان المغرب، ٢/ ٢٣٣.
(٢) المصدر السابق، ٢/ ٢٣٤.
(٣) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٦٦. البيان المغرب، ٢/ ١٥٨، ٢٦٢.
(٤) ابن القوطية، ص ٤٥. مطمح الأنفس، ١٤٥. البيان المغرب، ٢/ ٢٥٩. دولة الإسلام في الأندلس، ع ١ ق ٢ ص ٤٦٠.
(٥) الحلة السيراء، ١/ ٢٥٣.
(٦) المصدر السابق، ١/ ١٣٥ - ١٣٦. البيان المغرب، ٢/ ٦٩، ٧٥، ٨١، ٨٢.
[ ٤١٦ ]
شُهيد وجعفر المصحفي، أو من رجال السيف والقلم معًا مثل عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وهاشم بن عبد العزيز (^١).
وللحاجب فراش أرفع من بقية فرش الوزراء ويختلف عنهم، إذ أن فراشه من الديباج بينما فرشهم من الكتان، إلا أنه ابتداءً من عهد الخليفة هشام المؤيد أصبح فراش الحاجب مثل فرش الوزراء، والسبب في ذلك ما ذكره ابن حيان من أن جعفر المصحفي عندما تقلد حجابة الخليفة هشام المؤيد، ورفع فراشه فوق فرش الوزراء كما هي العادة، وكان فراشه من الديباج، خاطب جعفر هشامًا قائلًا "إني أستحي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم، مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع فرش الكتان، فجرى عليه الرسم إلى آخر الزمان" (^٢).
وكان الحاجب يتقاضى راتبًا على وظيفته مقداره ثمانون دينارًا في الشهر (^٣). ولايسير إلا في موكب ضخم، فقد كان الحاجب جعفر المصحفي - بسبب ضخامة موكبه - يعمد إلى وضع عدد من الكتاب على
_________________
(١) الحلة السيراء، ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨. البيان المغرب، ٢/ ١١٥. دولة الإسلام في الأندلس ع ١ ق ٢، ص ٦٨٤.
(٢) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٥٩.
(٣) البيان المغرب، ٢/ ٢٦٧.
[ ٤١٧ ]
جانبي موكبه لأخذ القصص المرفوعة من الناس إليه (^١)، وعندما تقام الاحتفالات الرسمية سواءً بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات التي تجري للوفود الزائرة أو غير ذلك، فإن الحاجب يكون عن يمين الخليفة (^٢).
من كل ما مضى ندرك أهمية منصب الحجابة، ورفعة شأن متوليه، ولذا فقد كان التنافس شديدًا بين الوزراء للوصول إلى هذا المنصب، فقد ذكر ابن القوطية أنه بعد وفاة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة (٢٠٩) هـ (٩٢١ م) أكثر الوزراء من الكتابة للأمير عبد الرحمن الأوسط كل واحد منهم يخطب منصب الحجابة لنفسه، فلما أكثروا عليه ضجر، وجعلها معطلة مدة يسيرة، ثم ولاها أحد الخزان (^٣). فهذا التنافس أبلغ دليل على سمو منصب الحجابة، كما أن تعطيلها وتوليتها لواحد من غيرهم فيه مصالح عدة، من أهمها أن الأمير لم يكسب عداوة أحد منهم، وفي الوقت نفسه لم يترك للضغينة والحقد مجالًا بينهم، بالإضافة إلى أن في حرمانهم منها لفترة فيه تأديب لهم وتهديد بخروج هذا المنصب عنهم دائمًا وأبدًا.
ومنصب الحجابة عرضة لأن يتم تعطيله، فالأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) لم يتخذ سوى حاجبين
_________________
(١) الذخيرة، ق ٤ م ١، ص ٦٧. البيان المغرب، ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٨ - ٣٠، ٥٠.
(٣) ابن القوطية، ص ٦٢. المقتبس، تحقيق: محمود مكي، ص ٢٧ - ٢٨.
[ ٤١٨ ]
طيلة فترة حكمه (^١)، كان آخرهما عيسى بن الحسن بن أبي عبد ة الذي تولى الحجابة عام (٤٧٢) (^٢) (٨٥٧ م) ثم إن الوزير هاشم بن عبد العزيز أصبح هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، رغم أنه لم يطلق عليه لقب حاجب، لأجل هذا فمن المتوقع أن يكون منصب الحجابة معطلًا طيلة المدة التي أعقبت وفاة ابن أبي عبد هـ التي لم يدَّون تاريخها، خاصة وأن سنة وفاة الحاجب ابن أبي عبد ة غير معروفة.
ثم تكررت عملية تعطيل منصب الحجابة مرتين، ففي عهد الأمير عبد الله بن محمد بقي منصب الحجابة شاغرًا عدة سنوات وذلك بعد عزل الحاجب سعيد بن محمد بن السليم عنها (^٣)، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ظل منصب الحجابة معطلًا طيلة ثلاثين سنة، فبعد وفاة حاجبه موسى بن محمد بن سعيد بن موسى في منتصف شهر صفر سنة (٣٢٠) هـ (فبراير (٩٣٢) م)، لم يستحجب من بعده أحدًا حتى وفاته سنة (٣٥٠) هـ (^٤) (٩٦١ م).
_________________
(١) البيان المغرب، ٢/ ٩٣، ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٤٦.
(٢) تولى ابن أبي عبد ة الحجابة بعد وفاة الحاجب عيسى بن شهيد سنة ٢٤٣ هـ.
(٣) البيان المغرب، ٢/ ١٥١. كان ابن السليم قد تولى الحجابة سنة ٢٧٦ هـ.
(٤) الحلة السيراء: ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣. الحق أن المرء يقف عاجزًا عندما يريد تعليل ترك منصب الحجابة شاغرًا، فإذا كان بفضل ابن القوطية وقفنا على السبب في تعطيل الأمير عبد الرحمن الأوسط لهذا المنصب، فنحن نجهل علة تكرار حدوثه في عهد الأمير عبد الله وحفيده الخليفة عبد الرحمن الناصر فربما رأى الأمير عبد الله أن يكون بابه مفتوحًا أمام وزرائه لكي يكون قريبًا منهم وليعمل الوزراء على سرعة تنفيذ تعليماته خاصة في ظل الظروف السياسية الصعبة التي كانت تمر بها الإمارة آنذاك، وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فلعله قد عمد إلى تعطيل منصب الحجابة بعد وفاة حاجبه موسى، بدافع من إغراقه في الأخذ بالسياسة المركزية المتشددة.
[ ٤١٩ ]
ولقد كان متولي الحجابة عرضة لحسد الآخرين ومكائدهم، والمصادر الأندلسية فيها من النصوص ما يكفي للتدليل على ذلك، من هذه النصوص: -
ما ذكره ابن حيان عن الرازي أن نصر الخصي الغالب على دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط كان في قلبه غصة على الحاجب عيسى بن شُهيد بسبب مساندة الأخير لمحمد بن الأمير عبد الرحمن ليصبح وليًا للعهد، مخالفًا بذلك رغبة نصر وسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن في تقديم ولدها عبد الله، ولذا فقد استغل نصر الخصي احتجاب الأمير عبد الرحمن بسبب إصابته بمرض ألم به، فسارع إلى تزوير مرسوم على لسان الأمير بصرف ابن شُهيد عن الحجابة إلى الوزارة وترقية الوزير عبد الرحمن بن رستم (^١) ليكون حاجبًا، وتم تنفيذ الأمر، فلما شفي الأمير
_________________
(١) ينتمي عبد الرحمن هذا إلى عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، مؤسس الدولة الرستمية في تاهرت في المغرب الأوسط، ويرى بروفنسال أن عبد الرحمن الذي قدمه نصر الخصي للحجابة، ربما يكون إما ابنا أو أخًا لمحمد بن سعيد بن رستم الذي تصرف في الوزارة والقيادة للأمير عبد الرحمن الأوسط، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم ٨٧ والمصادر الوارده في التعليق. ولكني أستبعد أن يكون ابنا لمحمد بن سعيد، المتوفي سنة ٢٣٥ هـ، إذ كيف يصبح رئيسًا لأبيه؟
[ ٤٢٠ ]
من علته "قعد لأهل خططه فدخلوا عليه يتقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شُهيد فاستنكر الأمير ذلك، فلما استقر بهم المجلس، قال لعيسى بن شُهيد فيما يخاطبه به: "ما شأن كذا؟ " - لأمر سأله عنه - فقال له: "يا مولاي لست بحاجب، وهذا هو الحاجب" وأشار إلى ابن رستم. فَعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أُتي فكظم غيظه واصطبر، فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شُهيد وولاية ابن رستم، فما يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته فكذبه الأمير، وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبَّه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه وأعاد عيسى بن شُهيد إلى الحجابة وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم وتركه على الوزارة" (^١).
من هذا النص تتضح لنا رسوم دولة بني أمية في الأندلس فالأمير بعد أن يبرأ من علته يجلس لاستقبال أصحاب الخطط، وأن الحاجب يتقدم الجميع عند السلام على الأمير ويجلس على فراش أرفع من فرش الوزراء وهو الذي يتولى الرد على أسئلة الأمير واستفساراته.
وهذا الحاجب عيسى بن الحسن بن أبي عبد هـ، حاجب الأمير محمد بن عبد الرحمن، تعرض لمكيدة من الوزراء هاشم بن عبد العزيز وتمام بن
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٧.
[ ٤٢١ ]
عامر بن تمام (^١) ومحمد بن موسى وغيرهم، فقد كانوا "لا يألونه ختالًا، ولايدعون استطراده عثارًا" من ذلك أنهم أجمعوا على توريطه عند الأمير محمد في أمر دفعوه لكي يكون أول المتكلمين به -أي الحاجب- لأنه حسب الرسم هو المتكلم بلسانهم، وضمنوا له إتمام الحديث بعد أن يفتتح هو القول (^٢)، ويبدو أنه كان من رسوم بني أمية بالأندلس أن الأمير إذا سكت عن الحديث فإن هذا يعني ضرورة انصراف الحضور، يدل على ذلك أن أولئك الوزراء اشترطوا على ابن أبي عبده أن يفاتح الأمير بالموضوع المتفق عليه في آخر المجلس، وتم لهم ماأرادوا، فبعد أن تحدث معهم الأمير فيما يريد سكت ووجب القيام، فأشار هاشم إلى عيسى لكي يخاطب الأمير فيما اتفق عليه جميعهم، فتقدم عيسى إلى الأمير وطلب الإذن منه ليفاتحه بذلك الموضوع فلما أقبل عليه الأمير، وإذا بهاشم بن عبدالعزيز وبقية الوزراء قد نهضوا وغادروا المجلس ففطن الحاجب
_________________
(١) هو الوزير الأديب أبو غالب تمام بن عامر بن أحمد بن تمام بن علقمة الثقفي، ينتمي لإحدى الأسر المساندة للأسرة الأموية، تولى خطة الوزارة للأمير محمد ولولديه الأميرين المنذر وعبدالله، وكان عالمًا أديبًا، نظم أرجوزة مشهورة في ذكر افتتاح الأندلس وتسمية ولاتها وأمرائها ووصف حروبها منذ دخول طارق بن زياد إلى آخر أيام الأمير عبدالحمن بن الحكم، وقد طال عمر تمام بن عامر حيث توفي سنة ٢٨٣ هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٧٩ - ١٨٤، والتعليق رقم ٣٥١، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٥٢.
[ ٤٢٢ ]
لمكيدتهم، فغير الحديث مع الأمير فخاطبه بأمر من أمور المصلحة العامة، مما جعل الأمير يسعفه في طلبه هذا ويثني عليه، ثم خرج الحاجب من عند الأمير فلما وصل إلى بيت الوزراء وإذا هاشم وأصحابه في قهقهة ولجب مما أورطوه فيه، وعندما سأله هاشم ساخرًا، أجابه الحاجب بقوله " … فطنت لكم لما أردتموني، فأفردت رغبتي فيما أعناني من طاعة ربي، فهداني قصد سبيلي" قال الرازي "فرفعوا الطمع في استغفاله، وعجبوا من حسن تخلصه بعد تورطه" (^١).
وأما الحاجب جعفر المصحفي فلم يقف أمره مع الوزراء على حد الحسد والمكيدة، بل إن العداوة كانت سمة لعلاقتهم به، فقد كون جمعهم قوة ضخمة وقفت إلى جانب المنصور محمد بن أبي عامر ضد المصحفي، وقد بين لنا الفتح بن خاقان (^٢) سبب نصرتهم لابن أبي عامر فقال: -
"وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المصحفي ميل الوزراء إليه، وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها وإن تكن حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفي القوم فيها سلفهم، ويمنعون
_________________
(١) المصدر السابق، ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) عن الفتح بن خاقان ونسبه وأسرته وحياته، انظر: كتاب مطمح الأنفس، مقدمة المحقق ١٨ - ٦١، والمصادر الواردة في التحقيق.
[ ٤٢٣ ]
بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيره، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحدًا لايلحق فيها غاية، ولايتلقى لها راية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم، ونابغ فيهم، حسدوه وذموه وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه، آل أبي عبده (^١)
_________________
(١) أسرة آل أبي عبدة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، والعلاقة بين الأسرتين تعود إلى أيام مروان بن الحكم بالشام، فقد كان عبدالله بن جابر رأس أسرة آل أبي عبده من أشد الناس إخلاصًا لمروان بن الحكم في معركة مرج راهط التي وقعت سنة ٦٤ هـ وقد انتقل حسان بن مالك بن عبدالله بن جابر إلى الأندلس سنة ١١٣ هـ فهو رأس أسرة آل أبي عبدة في الأندلس، وترك أولاده في المشرق فقتلوا جميعًا إلا عبدالغافر فقد كتبت له الحياة لصغر سنه، فنشأ عبدالغافر مع عبدالرحمن بن معاوية وتربى معه، ثم إن عبدالغافر ترك المشرق وذهب لأبيه في الأندلس قبل وصول ابن معاوية، ولذا فما أن سمع أبو عبده حسان بن مالك بمقدم بدر داعية لابن معاوية، حتى سارع وأرسل إليه ولده عبدالغافر، وعمل على مناصرته، فلما توطد الحكم للأمير عبدالرحمن الداخل استوزر أبا عبده وقدمه على جيوشه ومازال يكلفه بالمهام حتى توفي بأشبيلية. وبعد وفاة أبي عبدة حرص الأمير الداخل على ضمان ولاء هذه الأسرة، فسارع إلى استخدام عبدالغافر ابن حسان في الوزارة، ليضع قانونًا سار عليه الأمويون من بعده، وهو حفظ مناصب الدولة بأيدي أبناء أسر معينة. لذا نجد أسرة آل أبي عبده يلي رجالها المناصب الإدارية العليا في الدولة الأموية، ويرتفع شانها بقوة حتى أنها ورثتها بعد سقوطها سنة ٤٢٢ هـ، فقد أقام أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الذي ينتهي نسبه إلى عبده، دولة بني جهور بقرطبة إبان عصر دويلات الطوائف. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٥ - ٢٩، ١٣٧، ١٥٢ - ١٥٣، ١٩٦ - ١٩٨، ٣١٢، وكذلك التعليق رقم ٩٧ وماورد به من مصادر. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٩٧، ٢٠٣، ٢١٠، ٢١٣، ٢١٥، ٢٤٢. أخبار مجموعة، ص ٥١، ٥٢، ٥٥، ٦٨، ٧٦، ٨٢، ٩٤، ٩٥، ٩٩، ١٠٠، ١٠٢. الحلة السيراء ١/ ١٢٠ - ١٢١، ٢٤٥ - ٢٥٢، ٢/ ٣٠ - ٣٤. البيان المغرب، ٢/ ٦١، ٦٣، ٨٤، ٩٣، ١٤٥، ١٥٨، ١٦٠، ١٦٤، ١٦٧، ١٩٥، ١٩٧، ٢٠٨. المصدر السابق ٣/ ١٥٢، ١٨٥ - ١٨٧، ٢٣٢ - ٢٣٥.
[ ٤٢٤ ]
وآل شُهيد (^١)،
_________________
(١) يعتبر شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، رأس هذه الأسرة في الأندلس، وقد ذكر ابن الأبار أن هذه الأسرة عربية تنتمي لأشجع، إلا أن الرازي ذكر أن جدهم كان مولى لمعاوية بن مروان بن الحكم، وهذا هو الصواب، إذ أن ابن حزم لم يذكرهم أثناء حديثه عمن استقر في الأندلس من قبيلة أشجع، والاتصال بين أسرتي آل شهيد والأسرة الأموية يعود إلى أيام معركة مرج راهط، فقد كان الوضاح الجد الأعلى لآل شهيد مع الضحاك بن قيس، وشهيد بن عيسى هو الداخل إلى الأندلس في أيام عبدالرحمن بن معاوية، وقد كان موضع ثقته، فاستخلفه على قصره عندما خرج لإخماد حركة عبدالغفار اليحصبي سنة ١٥٤ هـ، كما قدمه على الجيوش في مهام عسكرية متعددة، أثبت فيها شهيد كفاءته وإخلاصه. وبعد وفاة الأمير عبدالرحمن الداخل استمر شهيد في القيادة العسكرية للأمير هشام الرضا، وهكذا أصبح آل شهيد ركن رئيسي في الدولة الأموية، = =فقد تعاقب آل شهيد على المناصب الهامة في الدولة من حجابة ووزارة وكتابة وقيادة جيوش، حتى أن أول من سمي في الأندلس بذي الوزارتين كان أحد أبناء أسرة آل شهيد. انظر: ابن القوطية، ص ٣١، ٦٢، ٧٤، ٧٥، ٩٤، ١٠٣. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٠، ٢١، ٢٥ - ٢٦، ٢٧، ٢٨، ١٠٢، ١٠٤، ١٠٧، ١٠٨، ١٤١، ١٥٢، ١٧١، ٣٢٠، ٣٢١. والتعليق رقم ٨٦ وماورد فيه من مصادر. المقتبس، طبعة أنطونية، ٤، ٤٩، ٥٣، ١١٩، ١٤٢. الحلة السيراء، ١/ ٢٣٧ - ٢٤٠. البيان المغرب، ٢/ ٦٣، ٨٠، ٨٤، ٨٧، ٩٣، ١٠٥، ١١٣، ١٢٠، ١٢٤، ١٤٢، ١٤٨، ١٥١، ١٥٢، ١٥٩.
[ ٤٢٥ ]
وآل فطيس (^١) من الخلفاء وأصحاب الردافة وأولي الشرف والأنافة وكانوا في الوقت أزمَّة الملك، وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة،
_________________
(١) يعتبر أبو سليمان فطيس بن سليمان بن عبدالملك بن زيان، عميد أسرة آل فطيس في الأندلس، فقد دخلها في عهد الأمير عبدالرحمن الداخل، فضمه لابنه هشام، فأصبح كاتبًا له، وعندما تولى الإمارة ولاه السوق، ثم أسند إليه ولاية قبره، وأخيرًا رقاه إلى الوزارة، وعندما تولى الإمارة الحكم الربضي، أقره على وزارته واستكتبه، وهو الذي أشار عليه بهدم الربض وتحريم بنائه، وتشريد أهله، وذلك في الهيج المشهور الذي حدث سنة ٢٠٢ هـ. وقد ذكر الرازي أنه رأى اسم فطيس بن سليمان في ديوان الأمير الحكم الربضي أول اسم، وكان راتبه خمسمائة دينار، وفي أواخر أيام الحكم الربضي توفي فطيس، فاستمر أبناؤه وأحفاده في المناصب القيادية في الدولة الأموية، كالكتابة العليا، والخزانة والولاية والوزارة وخطة المدينة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٧٦، ٨٠، ١٨٢، والتعليق رقم ١٨٦، ١٨٧. الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٥. البيان المغرب، ٢/ ٦١، ٦٨، ١٤٤، ١٤٨، ١٦٤، ١٩٥، ١٩٧، ٢٠٨. المغرب في حلى المغرب، ١/ ٤٤. ابن سماك المالقي، الزهرات المنثورة ص ٣٨ - ٤٢.
[ ٤٢٦ ]
وأغير الخلق على جاه وحرمة" (^١).
وإذا أضفنا إلى مقولة الفتح بن خاقان القول بأن رجالات الدولة الأموية بالأندلس من حجاب فما دونهم من الوزراء والقادة والكتاب منذ نشوء الدولة إلى عهد المستنصر بالله كانوا جميعًا ينتمون إلى بيوتات معدودة أشهرها على الإطلاق أسر آل أبي عبده وآل شُهيد وآل فطيس، أدركنا سبب وقوف أولئك الوزراء في وجه الحاجب المصحفي ومساندتهم لابن أبي عامر ضده، إذ أن تلك البيوتات كانت حريصة كل الحرص على عدم خروج الأمر عنها، وإنها ستقف بكل قوة في وجه من يحاول سلبها مكانتها.
ولكن يبدو أن الحاجب المصحفي لم يدرك هذه الحقيقة، فجلب على نفسه عداوة أبناء تلك الأسر بعمله الذي أثار ضغائن نفوسهم وجعلهم يتوجسون خيفة من مقاصده، إذ عندما بويع هشام المؤيد بالخلافة وأصبح المصحفي حاجبًا له، عمل على السيطرة على وزارات الدولة، فقد تمكن من تعيين ابن أخيه هشام بن محمد بن عثمان في خطة الخيل ثم أصبح وزيرًا. وولى بنيه محمد وعثمان وعبدالرحمن وأخاه سعيد وابن أخيه محمد الشرطة العليا والوسطى وجعل على المدينة ابنه محمدا (^٢)،
_________________
(١) مطمح الأنفس، ص ١٦١ - ١٦٣.
(٢) الحلة السيراء ١/ ٢٥٨.
[ ٤٢٧ ]
فلا عجب إذًا والحالة هذه أن يعمل أولئك الوزراء على إسقاطه بأي صورة.
وإذا تتبعنا حال الحجابة في الدولة الأموية بالأندلس، نجد أن متوليها حتى نهاية خلافة الحكم المستنصر لايختلف عن الوزارء بشيء، اللهم إلا ببعض الرسوم التي عرفناها، فهو لايعدو كونه منفذ للأوامر الصادرة إليه من الأمير أو الخليفة، حتى أن عزله واعادة تنصيبه تتم بمنتهى السهولة (^١)، ولذا فهو أشبه مايكون بوزير التنفيذ، إلا أن الأمر تبدل منذ وصول المنصور محمد بن أبي عامر إلى الحجابة في عصر الخليفة هشام المؤيد، إذ أصبح بحق رئيسًا للوزراء، فهو يعزل منهم من شاء ويبقي من أراد، وبذلك تحول منصب الحاجب من وزير تنفيذ إلى وزير تفويض.
ولقد جرت في منصب الحجابة حادثة فريدة لم تحدث إلا مرة واحدة خلال تاريخ دولة بني أمية بالأندلس، فقد وجد حاجبان اشتركا معًا في تولي الحجابة، وذلك أن الخليفة هشام المؤيد أصدر أوامره بإشراك الوزير القائد الأعلى غالب بن عبدالرحمن الناصري في منصب الحجابة مع جعفر المصحفي، فأصبح فراش غالب في الصدر وعن يمينه جعفر المصحفي وعن يساره ابن أبي عامر، واستمر الاشتراك بالحجابة قرابة أربعة أشهر تقريبًا وكان ذلك راجعًا لدهاء ومكر المنصور وحيلته ليضرب أهم شخصيتين في الدولة بعضهما ببعض، ثم أصدر الخليفة أمره في يوم
_________________
(١) المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٢٨.
[ ٤٢٨ ]
الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٦٧) هـ (مارس (٩٨٧) م) بإعفاء المصحفي من منصبه (^١).