كان القاضي يعقد مجلس الحكم في أوقات متعارف عليها، وذلك ليتم الالتزام بتلك الأوقات من قبل الجميع، فالقاضي يجلس للقضاء في أول النهار وآخره، واختيار هذين الوقتين فيه مراعاة لنشاط الحركة بين الناس، إذ أن أغلب المعاملات وأكثر الخصومات تقع في هذين الوقتين، فانتشار الناس للعمل فيهما أكثر بكثير من وقتي الظهيرة والمساء، هذا من ناحية الخصوم، وأما من ناحية القاضي فجلوسه للقضاء في هذين الوقتين أنسب ما يكون، لأن نشاطه الجسدي في قمة طاقته، إذ يسبق كلا منهما وقت كاف للراحة.
وقد تطرق ابن هشام الأزدي للأوقات التي تنعقد بها مجالس الحكم، فذكر أنه لا بأس أن يقضي القاضي في شهر رمضان، ولكن لا يقضي في أيام العيدين، ولا في يوم التروية، ولا في يوم عرفة، ولا بين المغرب
_________________
(١) - نفح الطيب، ٣/ ٣٨١.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
والعشاء، ولا في الأسحار، إلا أن يكون الأمر يتطلب ذلك، فلا يمكنه عندها إلا الجلوس للنظر (^١).
وزاد ابن فرحون أن القاضي لا يجلس يوم سفر الحاج ويوم قدومه، وعند شهود المهرجان، وحدوث ما يعم من سرور أو حزن، وكذلك إذا كثر الوحل والمطر (^٢).
وقد كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن بشير يقعد لسماع الخصومة من غدوة إلى قبيل الظهر بساعة، ثم يقعد بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر لا يكون نظره غير السماع من البينات ولا يسمع من بينة في غير ذلك الوقت (^٣) وكذلك كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس للقضاء في الغداة والعشي (^٤).
ولم تكن هناك رسوم خاصة بالجلسة القضائية فيما يتعلق بلباس القاضي، كأن يلبس مايدل على الشعار الرسمي للدولة الأموية، فقد اعتاد قاضي الجماعة محمد بن بشير لبس قلنسوة خز (^٥)، ورداء معصفرًا ويفرق شعره إلى شحمة أذنيه (^٦)، وعندما نوقش عن السبب في اتخاذه هذا الزي،
_________________
(١) - مفيد الحكام، ورقة ٤.
(٢) - تبصرة الحكام، ١/ ٤٠.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٣٠. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٣١.
(٤) - قضاة قرطبة، ص ٦٤.
(٥) - المصدر السابق، ص ٣٠. ترتيب المدارك، ٣/ ٣٢٨.
(٦) - المصدر السابق، ٣/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
أجاب بأنه متبع في إرسال لمته لسيد القراء محمد بن المنكدر، المتوفى سنة (١٣٠) هـ (٧٤٨ م) ولفقيه المدينة هشام بن عروة، المتوفى سنة (١٤٦) هـ (٧٦٣ م) وأما في لبس الخز فاتباع لمحمد بن أبي بكر الصديق ﵁ (^١).
وكان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس "للحكم وعليه جبة صوف بيضاء وفي رأسه أقروف أبيض وغفارة بيضاء من ذلك الجنس (^٢) ". كما كان قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله يجلس للحكم في المسجد وعليه أحيانًا ثوب شركاب (^٣).
من هنا ندرك أن للقاضي في الأندلس لبس ما شاء عند حضوره لمجلس الحكم.
وبطبيعة الحال كانت اللغة المستخدمة في مجلس الحكم اللغة العربية، لكن يحدث أحيانًا استخدام اللغة العجمية، فقد ذكر الخشني أن امرأة تقدمت إلى قاضي الجماعة سليمان بن أسود وقالت له بالعجمية "يا قاضي، انظر لشقيتك هذه، فقال لها بالعجمية: لست أنت شقيتي، إنما شقيتي بغلة ابن عمار التي تلوك لجامها على باب المسجد طول النهار (^٤).
_________________
(١) - نفسه، ٣/ ٣٣٦.
(٢) - قضاة قرطبة، ص ٦٢. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ٥٢.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٧٠.
(٤) - ابن عمار هذا كان أحد العدول، وكان ملازمًا لمجلس القاضي لا يغادره إلا بقيام القاضي وانصرافه إلى منزله، وبغلته التي أشار إليها القاضي، كانت هزيلة تلوك لجامها طول النهار على باب المسجد حتى ظهر عليها الجهد والجوع. انظر: قضاة قرطبة، ص ٨٠.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
ويكون مجلس القضاء متصفًا بالوقار والهيبة، فلا صخب ولا تداخل أصوات، وإنما هدوء وسكينة، وعلى هذه الصورة كان مجلس القاضي ابن ذكوان، فقد كان "إذا قعد للحكم في المجلس، وهو غاص بأهله، لم يتكلم أحدٌ منهم بكلمة، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين يديه، وإنما كان كلام الناس بينهم إيماءً ورمزًا، إلى أن يقوم (^١) ".