عرفنا فيما سبق أن اختيار ولي العهد يكون وفق معايير دقيقة، ولكن ليس بالضرورة أن يكتب لذلك الاختيار القبول من كافة أفراد الأسرة الأموية، فقد يعقب الإعلان عن اختيار ولي العهد معارضة قوية من بعض أبناء الأسرة الأموية، فمنها ما يتم القضاء عليها وهي في مهدها، ومنها ما يتطور ليصل إلى حد المصادمات العسكرية، وهناك أمثلة كثيرة،
_________________
(١) - نقط العروس، ص ٥٤. قارن: البيان المغرب ٣/ ١٤٢.
(٢) - نقط العروس، ص ٥٤.
(٣) - انظر: أعمال الأعلام، ٢/ ١٢٥ - ١٢٧.
[ ٢٢٩ ]
فبعد أن بويع هشام الرضا بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن الداخل، أعلن سليمان رفضه لإمارة أخيه هشام، وتحصن في طليطلة، ثم انضم إليه أخوه عبد الله (^١) البلنسي بن عبد الرحمن الداخل سنة (١٧٣) هـ (٧٨٩ م) وهاجم سليمان قرطبة محاولًا امتلاكها لكنه فشل وانهزم (^٢)، وفي سنة (١٧٤) هـ (٧٩٠ م) قدم عبد الله على أخيه هشام بقرطبة بلا عهد سابق ولا أمان، فأكرمه هشام وأنزله عند ابنه الحكم الربضي (^٣)، وفي نفس السنة طلب سليمان الأمان من أخيه هشام، فوافق الأخير شريطة أن يغادر الأندلس بأهله وولده، ويعطيه هشام ستين ألف دينار، فتم الاتفاق بينهما وعبر سليمان البحر إلى بلاد البربر (^٤).
وما إن علم عبد الله وسليمان بوفاة أخيهما هشام في شهر صفر سنة (١٨٠) هـ (إبريل (٧٩٦) م) حتى بادرا بإعلان العصيان، وجرت بين سليمان وبين ابن أخيه الأمير الحكم الربضي عدة معارك انتهت بقتل سليمان سنة (١٨٤) هـ (^٥) (٨٠٠ م) وفي سنة (١٨٦) هـ (٨٠٢ م) أخرج الحكم الربضي لعمه عبد الله أمانًا عُقِد سنة (١٨٧) هـ (٨٠٣ م) على أن يدفع الأمير الحكم
_________________
(١) - كان هشام يبر أخاه عبد الله ويفضله على كثير من إخوته إلا أن عبد الله كان يطمع بالمشاركة في الملك، فخرج إلى أخيه سليمان لإعلان التمرد ضد هشام، ورغم ذلك حاول هشام رده إلى قرطبة لكنه لم يفلح. البيان المغرب: ٢/ ٦٢.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٦٢، ذكر بلاد الأندلس ١/ ١١٩.
(٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣. البيان المغرب، ٢/ ٦٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١.
(٤) - البيان المغرب، ٢/ ٦٣. أعمال الأعلام ٢/ ١١.
(٥) - البيان المغرب، ٢/ ٧٠.
[ ٢٣٠ ]
لعمه عبد الله ألف دينار راتبًا شهريًا، بالإضافة إلى ألف دينار أخرى كل عام على شكل مخصصات (^١)، وأن يبقى في بلنسية مؤديًا للطاعة (^٢).
وعندما تولى الإمارة عبد الرحمن الأوسط تردد عبد الله البلنسي في إعلان البيعة، ثم جهر بالعصيان إلا أنه فُلج ففشلت حركته "فكاتب عبد الرحمن بخبر علته ويأسه من نفسه، وعهد إليه بالنظر لأهله وولده، فأنفذ عهده ولم يعرض له إلى أن مات سنة ثمان ومائتين" (^٣).
وعندما جعل الأمير عبد الله بن محمد أكبر ولده محمدًا وليًا لعهده (^٤)، حقد عليه أخوه مطرف، فأوغر عليه صدر والده حتى أمر به فوضع في السجن الخاص بقصر الإمارة (^٥)، وبعد أن بدأت علامات براءة محمد تظهر لأبيه، وعزم على إطلاقه، بادر مطرف إلى أخيه محمد فقتله مع فجر يوم الخميس ليلة عشرة خلت من شوال سنة سبع وسبعين ومائتين (يناير
_________________
(١) - المصدر السابق، ٢/ ٧٠.
(٢) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣.
(٣) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤. الملاحظ أن عبد الله البلنسي بن عبد الرحمن الداخل منذ البداية لم يكن جادًا في إعلان عصيانه سواء ضد أخيه هشام أو ولده وحفيده، إذ أنه في كل مرة يعلن عصيانه ما يلبث أن تهدأ ثائرته ويراسل الأمير لطلب العفو أو يأتي بغير أمان، فيقابله الأمير بالإكرام ويعرف له حقه ويصله، وهنا نجد أننا أمام شخصية قلقه واقعة تحت تأثير شخصية أخرى أقوى من شخصيته.
(٤) - البيان المغرب ٢/ ١٥٠.
(٥) - الحلة السيراء، ٢/ ٣٦٧. البيان المغرب ٢/ ١٥٠.
[ ٢٣١ ]
٨٩١ م) وعمره سبع وعشرون سنة (^١)، ثم قتل الأمير عبد الله ابنه مطرف بعد ذلك بخمس سنوات (^٢).
وعندما أخذ الخليفة عبد الرحمن الناصر البيعة بولاية العهد من بعده لابنه الحكم المستنصر، ترك ذلك أثرًا في نفس ابنه عبد الله، الذي كان مع أخيه الحكم المستنصر "يتباريان في طلب العلم، ويتناغيان في جمعه، ويتبادران إلى اصطناع أهله واختصاص رجاله وإدناء منازلهم، والإحسان إليهم (^٣) ". ونظرًا لأن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر كان مشهورًا بالفضل والتدين مؤدَّبا، كريمًا، جامعًا، لعلوم شتى (^٤)، "فإن جماعة من أهل قرطبة بايعوه بالخلافة، وكان أهلًا لذلك فضلًا وعلمًا وبصرًا بالفنون" (^٥)، فسعى الحكم بأخيه عبد الله عند والدهما عبد الرحمن الناصر فقبل منه (^٦)، وألقى القبض على ابنه ومن معه وسجنهم، ثم قتل ابنه عبد الله في شهر ذي الحجة سنة (٣٣٨) هـ (^٧) (يونيو (٩٥٠) م).
_________________
(١) - الحلة السيراء: ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨. البيان المغرب ٢/ ١٥٠. ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٥٥.
(٢) - الحلة السيراء ٢/ ٣٦٨.
(٣) - المصدر السابق، ١/ ٢٠٦.
(٤) - ذكر بلاد الأندلس، ١/ ١٦٢.
(٥) - أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩.
(٦) - البيان المغرب، ٢/ ٢١٧.
(٧) - الحلة السيراء، ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨. البيان المغرب، ٢/ ٢١٧. أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩. المغرب في حُلى المغرب، ١/ ١٨٨. لكنه جعل قتل سنة ٣٣٩ هـ.
[ ٢٣٢ ]
إن خروج عبد الله ضد والده الخليفة، أمر يحتاج إلى وقفه، فقد عُرف عبد الله بالعلم والزهد والذكاء والنبل، ومن كانت هذه صفاته فهو جدير بالاحترام، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين إلى التصريح بكفاءته لتولي الخلافة (^١)، وطبيعي أن الصفات والأخلاق التي امتاز بها عبد الله ليست كافية لإعلان القيام ضد والده، لكن الأفكار الوافدة من المشرق والتي كان عبد الله يتلقفها سواء عن طريق الكتب أو عن طريق مجالسته للعلماء، الذين امتاز بعضهم بالطموح كابن عبد البر (^٢)، يضاف إلى ذلك إحساس عبد الله بأن والده قد ظلمه، عندما قدم أخاه عليه، مع شعوره بأنه أكفأ منه، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الشخصية الطموحة لعبد الله، أدركنا أن تفكيره بالمطالبة بما يرى أنه حق من حقوقه، أمر واقع لا محالة، إلا أنه رغم كل المبررات فإن خروجه ضد والده هو عقوق لا جدال فيه.
وفي أواخر القرن الرابع الهجري ومطلع القرن الخامس الهجري، صدر خطاب من الخليفة هشام المؤيد يقضي بتعيين عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول وليًا للعهد من بعده (^٣)، وسماه باسم خلافي
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ٣٩.
(٢) - هو أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر، قرطبي من موالي بن أمية، كان بصيرًا بالحديث فقيهًا نبيلًا متصرفًا في فنون العلم، وكان علم الحديث أغلب عليه، له كتاب مؤلف في فقهاء قرطبة، توفي في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة ٣٣٨ هـ ﵀. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٢٠. الحلة السيراء، ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٣) - البيان المغرب، ٣/ ٤٣ - ٤٦. أعمال الأعلام، ٢/ ٩٠ - ٩٣.
[ ٢٣٣ ]
هو "المأمون ناصر الدولة" (^١) فبسبب هذه الفعلة انفجرت فتنة استمرت إلى أن سقطت الدولة الأموية تمامًا سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) فقد استنكر الناس هذه الفعلة، وعدت فعلة خارجية (^٢).
ولنا أن نتوقع أن أمراء وخلفاء بني أمية كان كل منهم يترك وصيته لولي عهده، هي في مجملها رسم سياسة تكفل له استمرارية دولته، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير الحكم الربضي عندما حانت وفاته، استدعى ولده عبد الرحمن وألقى إليه وصية ذكر فيها أنه قد مهد له البلاد بعد أن قضى على المناوئين، وذلل له الصعاب التي يمكن أن تعترضه، كما أكثر عليه ضرورة تقريب أهله وعشيرته ومواليه لأنهم أنصاره الذين يشاركونه في المغنم والمغرم، وكذلك أمره بالعدل ورد المظالم لأن في انتشار العدل كسبًا لمحبة الرعية وسلامة من كثرة الثورات والفتن.
كما نبهه إلى الاهتمام بانتقاء الرجال وعدم تقريب أحد إلا بعد اختباره، وأن الولايات والمناصب الإدارية يجب إسنادها لأهل الدين والرشاد لأنهم أهل الإخلاص، فبذلك يضمن إنجاز مهام الدولة بكل يسر.
وأما مظاهر الأبهة والفخامة فقد أمره بالتمسك بها، وذلك لزرع الهيبة في نفوس الرعية وأن يعتمد مبدأ الثواب والعقاب لأن في ذلك حفز للمحسنين على مضاعفة إحسانهم، وقمع لأهل الزيغ والفساد عن التطاول والإضرار بالمجتمع.
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ٤٣. تاريخ ابن خلدون، ٤/ ١٤٩.
(٢) - نقط العروس، ص ٥٤.
[ ٢٣٤ ]
كذلك وجه اهتمامه إلى الأموال، التي هي عصب الملك وروح الدولة، فأكد عليه ضرورة الإشراف على الأموال بنفسه، وحفظها بعد جمعها بطرق الحلال.
وأخيرًا اختتم وصيته بنصيحته لولي عهده بالإلتزام بتقوى الله تعالى، والدعاء لولي العهد بأن يسدده الله ويوفقه إلى الخير والرشاد (^١).
_________________
(١) - ذكر بلاد الأندلس ١/ ١٣٣.
[ ٢٣٥ ]