اعتبر مؤرخو رسوم الدولة، أن كثرة ظهور السلطان للرعية، تنقص هيبته في قلوبهم، مما يكون دافعًا للجرأة عليه، والنيل منه إن أمكن، ولذا فقد قال الثعالبي (^٣): "إن كثرة ظهور الملك عليه مجلبة لابتذال العيون إياه،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٢) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٨٥.
(٣) - أبو منصور عبد الملك بن محمد إسماعيل الثعالبي، عربي من سكان نيسابور، كان فراءًا يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته، اشتغل بالأدب والتاريخ، فنبغ فيهما، وصنف في ذلك كتبًا كثيرة، وبعد أن تنقل بين مدن بخارى وهراة وغزنه، عاد إلى بلدته نيسابور حيث توفي فيها سنة ٤٢٩ هـ. انظر: الثعالبي، أداب الملوك، (تحقيق: د. جليل العطية، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى ١٩٩٠ م)، مقدمة المحقق ص ٥ - ١٣ ومصادره.
[ ٢٧٣ ]
ومن حقه التصون عن ذلك، وبناء أموره وأحواله كلها على ما يزيد في هيبته، ويعود بعلو شأنه وجلالة سلطانه" (^١).
وذكر المرادي (^٢) أن على السلطان أن يكون احتجابه وظهوره بقدر، لئلا يتسبب احتجابه في إدخال القلق على النفوس بسبب طول غيبته، فتفسد الرعية، ويكثر الإرجاف ولا يكثر من الظهور للعامة لئلا تسقط هيبته من قلوبهم، وتمكن صاحب المقاصد السيئة من نيل مراده منه (^٣).
لأجل ذلك نجد أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان في بداية عهده يكثر من الاختلاط بالناس، ويمشي بينهم ويصلي فيهم، ويحضر الجنائز، ويعود المرضى، حتى إذا كان في أحد الأيام وهو منصرف من جنازة، تصدى له رجل عامي متظلم، فمسك عنان فرسه، وكلمه بكل جرأة،
_________________
(١) - أداب الملوك ص ١٠٥.
(٢) - أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي كان رجلًا نبيهًا عالمًا وإمامًا في أصول الدين، ذا حظ وافر في الأدب والبلاغة، توفي بمدينة أزكد بصحراء المغرب وهو قاضي بها سنة ٤٨٩ هـ. انظر الصلة، ترجمة رقم ١٣٢٦.
(٣) - أبو بكر محمد بن الحسن المرادي، كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة (تحقيق: د. سامي النشار، المغرب، الدار البيضاء، دار الثقافة، ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م) ص ٨٧.
[ ٢٧٤ ]
طالبًا إنصافه، ويبدو أن الأمير قد أحس بسبب قلة حرسه ومرافقيه، بضعف موقفه أمام هذا المتظلم، ولذا فما كان منه إلا أن استدعى القاضي إليه وأنصف المتظلم، فلما عاد إلى قصره، كلمه بعض رجاله ممن كان يكره كثرة خروجه واختلاطه بالناس، فقال له: "إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عُهدوا (^١) " ومنذ ذلك اليوم ترك الأمير عبد الرحمن الداخل شهود الجنائز وحضور المحافل، وأناب عنه ولده هشام للقيام بذلك (^٢).
وبذلك وضع الأمير عبد الرحمن الداخل، لكل من أتى بعده، من أمراء وخلفاء بني أمية رسمًا تمسكوا به، وهو عدم الظهور للعامة إلا في مناسبات معينة، فإذا خرج أحدهم، لا يكون ذلك إلا في موكب مهيب، يصعب الاقتراب منه البتة.
ولنا أن نتصور عظم ذلك الموكب، إذ عرفنا أن زريابًا (^٣) مغني الأمير عبد الرحمن الأوسط كان يسير في موكب فيه مائة
_________________
(١) - نفح الطيب ٣/ ٣٧.
(٢) - المصدر السابق ٣/ ٣٧.
(٣) - أبو الحسن علي بن نافع، اختلف في السبب الذي من أجله أطلق عليه لقب زرياب، كان فصيح اللسان واسع الإلمام بصنعة الغناء والموسيقى، عاش في كنف الأمير عبد الرحمن الأوسط مكرمًا معززًا إلى أن توفي قريبًا من سنة ٢٣٠ هـ بعد أن ترك أثارًا واضحة في المجتمع الأندلسي بالذات في الحياة الإجتماعية. انظر: العقد الفريد، ٦/ ٣٤ نفح الطيب، ٣/ ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٠، ١٤٠ - ١٤٢. جول رووانيت، تاريخ الموسيقى العربية (ترجمة: اسكندر شلقون، المعهد الموسيقي الفرنس، د. ت). ١/ ١٣٣ - ١٣٧. د. محمود حنفي، زرياب موسيقار الأندلس، (الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت.) ص ٩ - ١٠، ٤٥، ٨٧، ٩٠، ١٠٨ - ١١٠. د. عبد الرحمن الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية، (بيروت، دار الرشاد ١٣٨٩ هـ/١٩٦٩ م) ص ٢٥ - ٢٧، ٣٦ ..
[ ٢٧٥ ]
غلام (^١)، بينما كان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي أيام كان متقلدًا خطط الدولة، في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وأوائل عهد ابنه الخليفة هشام المؤيد بالله، يسير من قصره إلى قصر الخلافة في موكب ضخم لا يمكن لأحد الاقتراب منه، جاعلًا على طرفي الموكب بعض الكتَّاب لأخذ الشكاوى من الناس الذي كانت تزدحم بهم السكك وأفواه الطرق وهم يدعون له ويسعون بين يديه (^٢)، فإذا كان هذا موكب مغني وحاجب، فكيف يكون إذًا موكب الأمير أو الخليفة؟.
ومما يؤسف له، أن المصادر لم تهتم بذكر رسوم مواكب الأمراء كما اهتمت بذكر مواكب الخلفاء، لكي يساعدنا ذلك على معرفة التطور الذي طرأ عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن المواكب في عهد
_________________
(١) - أبو الفضل أحمد بن طاهر، المعروف بابن طيفور، كتاب بغداد، (بعناية: محمد زاهد الكوثري، نشر: عزت العطار الحسيني، القاهرة، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ١٣٦٨ هـ/١٩٤٩ م) ص ١٥٣.
(٢) - مطمح الأنفس ص ١٦٠.
[ ٢٧٦ ]
الخلافة كانت أكثر فخامة مما كانت عليه في عهد الإمارة، وذلك لعظم مكانة الدولة وقوتها.
وقد وُصف موكب الأمير هشام الرضا: ١٧٢ - (١٨٠) هـ (٧٨٨ - (٧٩٦) م) بالفخامة حتى أن الأصوات المنبعثة بسبب حركة الموكب، تحول دون سماع الأمير لمن يناديه من المتظلمين (^١).
وذكر ابن حيان أن موكب الأمير محمد بن عبد الرحمن: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) كان فخمًا غليظ الحجاب، يحيط به حرس من الصقالبة لا يمكنون أحدًا من الاقتراب منه (^٢).
ويبدو أن الأمر في فخامة المواكب، بلغ أوج عظمته، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فقد كان عدد الذين يركبون لركوبه وينزلون حوالي اثني عشر ألف رجل بكامل زينتهم (^٣).
وقد كان الرسم يقتضي ترتيب احتفال بهي، عندما يظهر الخليفة للناس، إذ يتم تنظيمهم ليتلقوا الخليفة فوجًا بعد فوج كل في مرتبته، وفي نهاية الاحتفال يتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم التي يمدحون فيها الخليفة، ويذكرون فيها المناسبة التي دفعته إلى الظهور لهم.
_________________
(١) - انظر: أخبار مجموعة، ص ١٢١.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص ١٤٩.
(٣) - نهاية الأرب: ٢٣/ ٣٩٨. ولكن كيف تتسع شوارع قرطبة لهذا العدد الضخم؟ إلا إذا كان المقصود أن هذا الموكب يصاحب الخليفة أثناء خروجه للنزهة.
[ ٢٧٧ ]
وقد حدث أن أصيب الخليفة الحكم المستنصر بالله، بعلة ألمت به يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر سنة (٩٧٤) م) طاولته إلى نهاية شهر ربيع الآخر من العام نفسه (^١) واحتجب بسبب ذلك عن الظهور للعامة، فلما كان يوم السبت الحادي عشر من شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٢٨ مارس (٩٧٥) م) ظهر الخليفة في موكبه متحولًا عن الزهراء إلى قصر الخلافة بقرطبة حسب نصيحة الأطباء له، فجرى بهذه المناسبة احتفال فخم سار فيه الموكب وفق مراسم دقيقة، فقد ركب الخليفة ومعه ولده الأمير هشام ركوبًا حافلًا، احتفل لمشاهدته كبار رجالات الدولة، فخرجا من الباب القبلي المسمى بباب الورد، وسبق هشام والده الخليفة في البروز للناس، فلما رآه الوزير الكاتب صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي ترجل له، وفعل مثله صاحب الخيل والمدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وتبعهما كل من كان معهما من أصحاب الخطط وطبقات أهل الخدمة، مسلمين مبتهلين، وبعد ذلك برز الخليفة، فتقدموا إليه وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا ودعوا، وتتابع على ذلك سائر أهل الموكب من الأحرار والعبيد، وكان يحجب الخليفة ويحف به الفتيان الكبيران الأثيران فائق وجؤذر مع أصحابهما من الفتيان الخلفاء وأكابر الفتيان، فوقف الخليفة قليلًا متأملًا حسن ترتيب عبيده ومواليه، ثم سار بموكبه حتى وصل منية "أرحاء ناصح" فنزل بها
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٠٣ - ٢٠٤.
[ ٢٧٨ ]
وبات فيها، وفي صباح الغد سار إلى منية الناعورة، وأقام بها إلى أن صلى الظهر، وقد نفذ العهد إلى الوزراء وأصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة والحكام ورجال الدولة بالركوب إليه إلى قصر الناعورة فلما توافوا بها، خرج الخليفة مع ولده هشام يريد قصر قرطبة، وتولى حجابته جعفر بن عثمان وزياد بن أفلح وأصحاب الشرطة العليا مع أكابر الفتيان، وعندما رآه الوزراء وطبقات أهل الخدمة ترجلوا وسلموا عليه وعلى الأمير ولده، ثم ركبوا وترتبوا في الموكب حسب منازلهم، وسار الموكب، فلما وصل الخليفة قرب المصارة، تلقاه بها رجال من كبار قريش، ونفر من وجوه الموالي نزلوا ودعوا ومجدوا، ثم سار الخليفة إلى أن أتى السوق الكبرى بقرطبة، فتلقاه بها صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فسلم عليه، وتلقاه بعده بياض أهل قرطبة، ووجوه أهل السوق وغيرهم، مسلمين مبتهجين داعين، وسار الخليفة وأفواج القرطبيين تتلقاه فوجًا بعد فوج من الخاصة والعامة، إلى أن انتهى إلى قصر قرطبة فدخله من باب الجديد القبلي، واختتم الاحتفال بالشعراء الذي أنشدوا قصائدهم بين يدي الخليفة، يحمدون فيها الله تعالى على معافاته للخليفة، ويذكرون له سرورهم واغتباطهم بمشاهدته، ويصفون عظم موكبه وينالون مقابل ذلك الصلات الجزيلة منه (^١).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١٢ - ٢١٥.
[ ٢٧٩ ]
وعندما ظهر الإرجاف بقرطبة، لعدم ظهور الخليفة هشام المؤيد للناس - بسبب حجر المنصور بن أبي عامر عليه - أضطر المنصور إلى إبراز الخليفة، إذ أن الكثير منهم لم يره قط "فأبرزه للناس، وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معممًا على الطويلة، سادلًا للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكبًا يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلًا يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم" (^١).
وبعد اندلاع الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) اختفت رسوم مواكب الخلفاء، وإن ظهرت فإن الناس لا يأبهون بها، بسبب افتقار تلك المواكب لكل مقومات الفخامة، حتى أن الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله: ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٨ - (١٠٣١) م) عندما دخل قرطبة في شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (ديسمبر (١٠٢٩) م) كان "في زي تقتحمه العين وهنًا وقلة وعدم رواء وبهجة وعددًا وعدة، فوق فرس دون مراكب الملوك بحلية مختصرة سادلًا سمل غفارة إلى ما تحتها من كسوة رثة، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي العامريين صيروها معه للزينة دون علم ولا مطرد" (^٢).
_________________
(١) - الذخيرة، ق ٤ م ١ ص ٧٣.
(٢) - البيان المغرب، ٣/ ١٤٧.
[ ٢٨٠ ]