اعتاد أمراء وخلفاء بني أمية، الخروج في رحلات للصيد والنزهة، وكان الرسم يقتضي حينئذ تقديم المطبخ بالمسير قبل الموكب (^٥) إلى المكان
_________________
(١) - القذال: جمع مؤخر الرأس، وهم معقد العذار خلف الناصية. انظر: ابن جزي، كتاب الخيل، (تحقيق: وتقديم: محمد العري الخطابي، بيروت، دار الغرب الإسلامي ١٤٠٦ هـ /١٩٨٦ م) ص ٢٦٦.
(٢) - المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٠.
(٣) - البياض هو لباس الحزن عند الأندلسيين.
(٤) - النباهي، ص ٧٩.
(٥) - البيان المغرب ٣/ ٦٨.
[ ٢٨٢ ]
المعين لهذا الغرض، وذلك لكي يقوم أهل الخدمة بإعداد ما يلزم من وسائل الراحة، ويكون الموكب فخمًا نبيلًا، يتبارى الشعراء في وصفه (^١)، وعندما يجتاز الموكب القنطرة المقامة على الوادي الكبير، يكون صاحب المدينة قد منع الناس من عبورها، كما أنه يتولى إبعادهم عن المكان الذي سيتوجه إليه الموكب للصيد، ومن خالف ذلك، فإن صاحب المدينة يقبض عليه، ويلقي به في السجن، إلى حين عودة الموكب، ولا يستثنى أحد من هذا الإجراء، حتى وإن كان من أبناء الأسرة الأموية (^٢).
ومن الوسائل المفضلة في الصيد عند الأمويين، الصقور "البزاة" ولأجل هذا فقد اعتنوا فيها كثيرًا، وخصصوا أراض شاسعة لتربيتها والعناية بها، مثل جزيرة يابسة (^٣)، والمناطق الجبلية في أشبونة (^٤).
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٧٥.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ١٤٦.
(٣) - جزيرة يابسة "أبيثا Ibiza" مشتق من اسمها الفينيقي ابيوسوس " Ebusuz" وهي كبرى جزر الصنوبر " Islas de Pinos" الواقعة غربي ميورقة، وهي جزيرة خصبة اشتهرت بالفواكه وأخشاب الصنوبر، بالإضافة إلى شهرتها في انتاج الملح، وجبالها من أفضل الأماكن لتربية فراخ البزاة الجيدة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة ٦٣٣ هـ. انظر: أثار البلاد وأخبار العباد، ص ٢٨٢. المغرب في حُلى المغرب ٢/ ٤٧٠. الروض المعطار، ص ٦١٦. د. عصام سالم، جزر الأندلس المنسية (بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٨٤)، ص ١٣، ٢٨ - ٣١.
(٤) - اشبونه " Lisbonne" وتكتب لشبونة ولسبونة، تقع غربي باجه، اشتهرت بكثرة أشجارها، وبضروب الصيد في البر والبحر، وبزاتها الجبلية أطير البزاة وأعتقها، وهي= =عاصمة البرتغال حاليًا، وتقع على ساحل المحيط الأطلسي عند مصب نهر التاجو. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص ٩٠. تعليق منتقى، ص ٢٢، ٢٩١. آثار البلاد وأخبار العباد ص ٤٩٦ - ٤٩٧. الروض المعطار ص ٦١.
[ ٢٨٣ ]
ومن هذا الاهتمام تم إنشاء إدارة خاصة تتولى رعاية تلك الطيور، وقد عرف المسئول عن هذه الإدارة باسم "صاحب البيازة".
وعادة لا تستغرق رحلة الصيد أكثر من نهار واحد (^١) إلا إذا كان المكان بعيدًا عن قرطبة، فقد كان الأمير محمد بن عبد الرحمن، يصل في رحلاته للصيد حتى جزيرة قادس (^٢).
وهناك عدة أماكن، اشتهرت في زمن الأمويين بأنها أماكن نزهة لأمرائهم وخلفائهم، من هذه الأماكن،
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٧.
(٢) - المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٧٧. وجزيرة قادس تقع في الطرف الجنوبي الغربي من شبه جزيرة إيبريا، وهي تتبع كورة شذونه، ويبلغ طولها نحو ١٢ ميلًا، وعرضها ميلًا واحدا. وهي على شكل مثلث ذات موقع استراتيجي، غنية بغاباتها ومزارعها، فتربتها رملية سهلة، وفيرة المياه العذبة، بها بعض الآثار الإسلامية وقد سقطت بأيدي النصارى سنة ٦٥٨ هـ، وأصبحت قاعدة بحرية لهم، ومركزًا لمهاجمة الأراضي الإسلامية. انظر: د. سحر عبد العزيز سالم، مدينة قادس ودورها في التاريخ السياسي والحضاري (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة ١٩٩٠ م) ص ٣١ - ١٤٣ والمصادر والمراجع الواردة.
[ ٢٨٤ ]
الرصافة (^١)، وقصر الدمشق (^٢)، والمنية المصحفية (^٣)، وفحص السرادق (^٤)، ومنية الجنة بشرق قرطبة (^٥)، ومنية الناعورة (^٦)، ومنية نصر الخصي (^٧)، وقصر قرقريط (^٨)، وقصر أرحي
_________________
(١) - الرصافة منتزه يقع شمال قرطبة ناحية الغرب، وحسب قول ابن سعيد فإنها من بناء الأمير عبد الرحمن الداخل، لكن ابن حيان ذكر أن الذي اختطها أحد رحال البربر يدعى رزين البرنس، الذي دخل الأندلس مع طارق بن زياد، وأن الأمير عبد الرحمن الداخل اشتراها من ورثة رزين، فحسنها، واتخذ بها قصرًا حسنًا، ونقل إليه غرائب الغروس وأكارم الشجر، وأطلق عليها اسم الرصافة تذكرًا منه لرصافة جده هشام بن عبد الملك، وقد اندثر مكانها في الوقت الحالي، وأقيم فيه فندق سياحي فخم يعرف باسم: الرصافة. انظر: المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص ٢٢٧، ٢٣٤، والتعليق: رقم ٤٠٥. نفح الطيب ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) - قلائد العقيان، ص ٨٤.
(٣) - نسبة للحاجب جعفر المصفي. انظر: نفح الطيب، ١/ ٤٧١.
(٤) - المصدر السابق ١/ ٤٧٥.
(٥) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٤١.
(٦) - هذه المنية من بناء الأمير عبد الله بن محمد، تقع على شط الوادي الكبير أسفل قرطبة متصلة بمصلى فحص المصارة العتيق، اشتراها الأمير عبد الله سنة ٢٥٣ هـ من خليل البيطار فاعتنى بها، وبعد وفاته انتقلت ملكيتها لحفيده عبد الرحمن الناصر. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٨.
(٧) - تقع هذه المنية على شط الوادي الكبير، بعدوة الربض إلى جانب مقبرة الربض العتيقة، وهذه المنية كانت لنصر الخصي كبير رجال دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص ٣٨ - ٣٩.
(٨) - المصدر السابق تحقيق: شالميتا، ص ٤٨٣.
[ ٢٨٥ ]
ناصح (^١)، ومنية البنتلي الواقعة أيضًا شرقي مدينة قرطبة (^٢).
وكان الأمراء والخلفاء يرتادون هذه المنتزهات عادة في وقت الحر والربيع، لأجل الفرجة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، فإذا حل الخريف ذهبوا إلى اشبيلية وشواطئها (^٣)، وأما في الشتاء فربما انتقل الخلفاء من الزهراء إلى قرطبة (^٤).
وقد كان الشعراء يتبارون في وصف المنية التي يبنيها الأمير أو الخليفة لنزهته (^٥)، وأما موكب النزهة، فلم يكن يختلف عن موكب الصيد، فبعد أن يتم تقديم المطبخ، كان الأمير أو الخليفة يظهر للناس بكامل زينته، والأعلام تخفق حوله، ورجاله المقربين بين يديه، والحرس قد أحاطوا به، ويخترق الموكب الشوارع، وسط هتافات الجماهير المصطفة على الجانبين، حتى يمضي إلى سبيله.
وقد جرت العادة أن الخليفة هشام المؤيد، كان يخرج مستخفيًا، والحاجب العامري أمامه، بعد أن يكون قد أمر الجيش بطرد الناس عن
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ٤٠.
(٢) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٥٧.
(٣) - قضاة قرطبة، ص ٤٩.
(٤) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢١١ - ٢١٣.
(٥) - المصدر السابق، تحقيق: أنطونيه ص ٣٩.
[ ٢٨٦ ]
طريق مرور موكب الخليفة، الذي يكون مع أهله وجواريه، لابسًا للبرنس كما يفعل الجواري فلا يعرف منهن (^١).