الجيش الأموي بالأندلس لا يعرف الهدوء والسكينة، فهو إن لم يكن في صائفة في جهاد ضد نصارى الشمال، نجده يتولى قمع اضطراب في إحدى أرجاء البلاد، كما أصبحت أراضي العدوة المغربية مسرحًا لعملياته في عصر الخلافة.
لأجل ذلك، كان لزامًا على القائمين على الجيش توفير الأسلحة لأفراده، ونظرًا لضخامة الأسلحة المعدة فهي تودع في مخازن خاصة عرفت بـ"خزانة السلاح" ومتوليها يشغل منصبًا عاليًا في الدولة (^١).
والأسلحة لأي جيش تكون على نوعين، أسلحة هجومية، وأخرى دفاعية، وكل نوع من هذين النوعين ينقسم إلى قسمين آخرين، فالهجومية منها تكون خفيفة وثقيلة، وكذلك الدفاعية وهذه الأسلحة بأنواعها تكون أيضًا على قسمين: فردية وجماعية. أي أن منها ما يكون صالحًا للاستخدام الفردي وآخر للاستخدام الجماعي.
وليس بدعًا أن يكون الجيش الأموي بالأندلس قد استخدم كافة أنواع الأسلحة المعروفة آنذاك، الهجومية منها والدفاعية الفردية والجماعية، فالأسلحة الفردية كالسيوف والرماح والقسي والسهام والطبرزينات (^٢) كلها أسلحة هجومية فردية. في حين أن هناك عدة
_________________
(١) - المصدر السابق، ص ٩٧. البيان المغرب، ٢/ ١٥٩، ١٦٤، ١٦٩.
(٢) - الطبرزينات: جمع طبرزينة وهي عبارة عن نصل حديد مركب في قائم من الخشب كالفأس بحيث يكون النصل مدببًا من ناحية، ومن الناحية الأخرى رقيقًا مشحوذًا كالسكين، وتستخدم في القتال مع السيوف. انظر: المعجم الوسيط، مادة "طبر". الفن الحربي في صدر الإسلام ص ١٢٩ - ١٥٥. وعن الأسلحة الفردية الهجومية واستخداماتها انظر: كتاب السلاح، ص ١٧ - ٢٨.
[ ٢ / ٥٢١ ]
أسلحة دفاعية خفيفة، منها: الترس وهي آلة يتقي بها المقاتل ضربات خصمه، ويأتي على أنواع وأصناف شتى كل منها صالح لشيء معين (^١) وكذلك الدرق التي هي من أنواع التروس (^٢)، والبيضة أو الخوذة التي يلبسها المقاتل على رأسه (^٣)، والمغفر (^٤) والدرع (^٥).
هذه هي الأسلحة الهجومية والدفاعية الخفيفة الفردية، فالجنود المشهود لهم بشدة البأس والرجولة في الجيش الأموي بالأندلس، تميزوا بتقلد السيوف الأفرنجية وبحمل التراس والرماح المستوية الأسنه، ومن كان
_________________
(١) - انظر: كتاب السلاح، ص ٣٠. تبصرة أرباب الألباب، ص ١٢ - ١٣. نهاية الآرب، ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠. تاريخ التمدن الإسلامي، ١/ ١٣٩ - ١٤٠. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٨٦ - ١٨٩.
(٢) - انظر: لسان العرب، مادة "درق". كتاب السلاح، ص ٣٠.
(٣) - البيضة أو الخوذة: تصنع من الحديد أو الفولاذ ومبطنة ببعض المواد اللينة كالقطن وغيره يلبسها المقاتل على رأسه يتقي بها ضربات خصومه. انظر: عبدالرحمن زكي، السلاح في الإسلام، ص ٢٣. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٨٤.
(٤) - كتاب السلاح، ص ٢٩. تبصرة أرباب الألباب، ص ١٤. السلاح في الإسلام، ص ٢٧.
(٥) - نهاية الأرب، ٦/ ٢٤١ - ٢٤٦. الفن الحربي في صدر الإسلام، ص ١٧٥ - ١٨٣ ومصادره.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
منهم على فرس ارتدى الدرع وحمل القناة ولبس الجوشن الذي يغطي به الصدر، ووضع على فرسه تجفاف يحميه أثناء القتال (^١)، في حين أن المشاة كانوا يتنكبون القسي الكبار وبأيدهم الطبرزينات والدماغات والأعمدة (^٢).
أما الأسلحة الهجومية والدفاعية الثقيلة التي تستخدم بشكل جماعي، فيأتي المنجنيق (^٣) في مقدمتها، وتليه في الأهمية "العرادة" وهي آلة شديدة الشبه بالمنجنيق ولكنها أصغر منه (^٤)، والمنجنيق والعرادة يصلحان في الاستخدامات الدفاعية الهجومية، وتستعمل العرادة في رمي السهام الكبيرة والحجارة، وتستعمل لهدم الأسوار والحصون أو ضرب المعسكرات أو الجند المهاجمين (^٥).
_________________
(١) - المقتبس: تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص ٤٩.
(٢) - المصدر السابق، ص ٥٠. وعن العمود، انظر: الطرطوسي، تبصرة أرباب الألباب، ص ١٥ - ١٦.
(٣) - عن المنجنيق وأنواعه واستخداماته، انظر: أربنغا الزردكاش، الأنيق في المناجيق، (تحقيق: د. إحسان هندي، منشورات معهد التراث العلمي العربي، حلب ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م) ص ١٦ - ٣٠، ٣٩ - ٤٦، ١٦٩ - ٢٢١. الفن الحربي في الإسلام ص ١٥٦ - ١٦٧ ومصادره. الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٣٩٦ - ٤٠٦.
(٤) - عبد الرحمن زكي، السلاح في الإسلام، ص ٤٠.
(٥) - الهرثمي: مختصر سياسة الحروب، (تحقيق: عبد الرؤوف عون، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٩٦٤ م)، ص ٥٨. الجيش والقتال في صدر الإسلام، ص ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ومن الأسلحة المهمة المستخدمة في الحصار "الدبابة" وهي آلة حربية يدخل فيها الرجال، فيدبون إلى الأسوار لنقبها، وهي تسبق المشاة حتى تقترب من حصون الأعداء بصورة كبيرة، وكذلك استخدموا "البرج" الذي هو شديد الشبه بـ"الدبابة" إذ كان يستعمل للاقتراب من حصون الأعداء لاقتحامها ولقذف السهام ونحوها على المدافعين. والبرج يُجر على عجلات خشبية أو حديدية وله عدة أدوار يعلو بعضها بعضا يوصل إليها بدرج أو سلم داخلي، وفي أعلى البرج توجد قنطرة خشبية يمكن إلقاؤها على سور الحصن ليعبر عليها المقاتلون لاقتحام الحصن (^١).
وقد كانت معظم الأسلحة التي يستخدمها الجيش الأموي بالأندلس تصنع محليًا، وبالذات التروس والرماح والمغافر (^٢)، ولنا أن نتوقع أنواعًا أخرى من الأسلحة تصنع في اشبيلية وذلك لوفرة الفولاذ الجيد فيها (^٣)، كما أن طليطلة اشتهرت بصناعة السيوف المشهورة بالصلابة واشتهرت المرية واشبيلية ومرسية وغرناطة بصناعة الدروع وآلات الحرب عامة (^٤).
_________________
(١) - الحسن بن عبد الله العباسي، أثار الأول في تدبير الدول، (مطبوع على هامش تاريخ الخلفاء للسيوطي، القاهرة ١٣٠٥ هـ). ص ٢١٤. تاريخ التمدن الإسلامي، ١/ ١٤٣ - ١٤٤. الفن الحربي في صدر الإسلام. ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) - نفح الطيب ١/ ٢٠٢.
(٣) - المصدر السابق، ص ١/ ٢٠٢.
(٤) - قصة العرب في إسبانيا، ص ١٢٩.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ويورد لنا ابن حيان (^١) معلومات دقيقة عن صناعة الأسلحة بالأندلس بصفة عامة، فقد ذكر أن كل عام يصنع من الأخبية على أجناسها للجند ثلاثة آلاف خباء، وهذا غير الأخبية الخاصة بالأمير أو الخليفة وكبار رجالات دولته وغلمانه، ونظرًا للتوسع في صناعة التراس فقد كان لصناعها شيخ في ذلك الوقت هو يحيى التراس، وكان يحيى يدير مصنعًا للتراس ينتج كل سنة ثلاثة عشر ألف ترس على أنواعها، وأما القسي فعلى نوعين تركية وعربية فالمصنع الذي بقرطبة خاص بإنتاج القسي العربية ويشرف عليه أبو العباس البغدادي وينتج ستة آلاف قوس في السنة، ومثلها ينتج من القسي التركية في مصنع الزهراء ويشرف على تصنيعها طلحة الصقلبي، وأما النبل فيصنع منه عشرون ألفًا في الشهر (^٢).
يضاف إلى ما سبق أن خزائن الأسلحة بالزاهرة كانت ملأى بصنوف الأسلحة خاصة التراس والدروع والجواشن التي يوزع الكثير منها أيام الحشود وأيام البروز والزينة (^٣) ومما يدل على ضخامة مخازن الأسلحة لدى الدولة الأموية أن الحاجب عبد الملك المظفر عندما أراد أن يخرج في أول غزوة له في شهر شعبان سنة (٣٩٢) هـ (يونيو (١٠٠٢) م) أمر
_________________
(١) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠٢.
(٢) - المصدر السابق، ٢/ ١٠١.
(٣) - نفسه، ٢/ ١٠٢.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
خُزَّان الأسلحة بتوزيع خمسة آلاف درع وخمسة آلاف مغفر على طبقات الأجناد الدارعين في جيشه (^١).
وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن خزائن الأسلحة لم يقتصر وجودها على قرطبة والزهراء والزاهرة بل إن مدينة سالم، على سبيل المثال كانت مستودع أسلحة تمد المنصور بن أبي عامر بما يحتاج إليه من الأسلحة أثناء غزواته نحو الشمال الأسباني، ففي إحدى هذه الغزوات زودته مخازن الأسلحة بمدينة سالم بستة منجنيقات ومائتي ألف سهم وخمسة آلاف ترس (^٢).
ومخازن الأسلحة سواء في قرطبة أو غيرها كان لها خُزَّان، وللخُزَّان رئيس هو خازن الأسلحة، وكل موجودات المخازن مقيدة لديه في سجلات خاصة يحتفظ بها في حرز أمين، ومنها نسخة عند جهة إدارية أخرى، حتى إذا أُعفي خازن الأسلحة من منصبه، وُعيِّن آخر بدلًا عنه، يتم تكوين لجنة تقوم بإحصاء ما في المخازن وتطابقها على السجلات الموجودة لديها، وذلك لكي تكون عملية التخزين متقنة لا مجال للتلاعب فيها (^٣).
_________________
(١) - البيان المغرب، ٣/ ٤
(٢) - أعمال الأعلام، ٢/ ١٠١.
(٣) - المصدر السابق، ٢/ ١٠٢.
[ ٢ / ٥٢٦ ]