المراد به هو قائد جيش الحضرة، وقد أطلق عليه لقب: "صاحب العسكر" للتفريق بينه وبين القائد الذي يخرج على رأس الجيش لإخضاع العصاة وللجهاد في الثغور.
ومنصب صاحب العسكر، منصب أمني بحت، ينصبُّ اهتمامه على الحراسة المستمرة للجيش عند خروجه للغزو، وكذلك اختيار الأماكن المناسبة لنزوله، بالإضافة إلى تولي أمر العلافة، ولا يكلها إلى غيره، احتياطا منه على من معه من المسلمين، وقبضًا لأيدي المتلصصين من العدو عليهم، وبذلك تكون العلفات متوفرة، والسرايا مثقلة بالغنائم (^١).
ز- اللواء:
اللواء رمز الإمارة والقيادة، ولذا فلا عجب أن تهتم به الجيوش أيًا كانت، بل إن عدم وجوده يعد غيبًا ونقصًا في الجيش وقائده، فهذا الأمير عبد الرحمن بن معاوية - عندما كان في بداية أمره - بعد مغادرته اشبيلية في طريقه إلى قرطبة، لم تكن له راية، بل إن أنصاره كان كل جند منهم يسير تحت راية خاصة (^٢)، هذا الوضع المضطرب دفع بعض رؤساء الأجناد إلى انتقاد هذا الوضع، وعرضوا على الأمير عبد الرحمن اتخاذ راية خاصة له يجتمع الجيش كله تحتها، فوافق الأمير على ذلك، وبمجرد وصول الجيش
_________________
(١) - المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) - أخبار مجموعة، ص ٨٤.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
إلى قرية "بلة نوبة البحرين (^١) Villa Nueva" وقيل قرية قلنبيرة (^٢) من إقليم طشانة " Tocina" جيء بقناتين إحداهما لأبي الصباح اليحصبي والأخرى لأبي عكرمة جعفر بن يزيد جد بني سليم الشذونيين، فعقد له في إحداهما (^٣)، وتولى عقد الراية رجل تفاءلوا باسمه بعد أن أقاموا القناة بين شجرتي زيتون لأنهم كرهوا إمالتها (^٤).
وقد ظل هذا اللواء دون تجديد طيلة عهد الأمراء الداخل والرضا والربضي إذ كلما خلقت العمامة المعقودة على القناة، تم ستر فضولها وعقد على العقدة، ولم يتم تجديده إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حيث طرحت الأسمال البالية وجددت العمامة (^٥).
وكان اللواء القديم بأسماله البالية محل تقدير وتفاؤل بني أمية والأندلسيين كافة، وبلغ من تفاؤلهم أن الهزائم التي حلت بالجيش الأموي فيما بعد نسبت إلى الخطأ الذي ارتكبه الوزراء عندما طرحوا الأخلاق البالية التي كانت تكوِّن اللواء القديم، وفي ذلك يقول ابن حيان "لم يزل الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم (^٦) ".
_________________
(١) - ابن القوطية، ص ٢٦.
(٢) - أخبار مجموعة، ص ٨٤.
(٣) - ابن القوطية، ص ٢٦. قارن: أخبار مجموعة، ص ٨٤.
(٤) - أخبار مجموعة، ص ٨٤ - ٨٥. نفح الطيب، ٣/ ٥٠.
(٥) - أخبار مجموعة، ص ٨٥.
(٦) - نفح الطيب، ٣/ ٥١.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
ولاشك أن هذا الاعتقاد أمر لا يقره الشرع ولا المنطق، إذ العزة الحقة مقرونة بالتمسك الصحيح بالأحكام الشرعية، إضافة إلى اتخاذ الأسباب الكفيلة بالنصر.
واللواء عادة لا يحمله إلا من كان أهلًا لحمله، وموضعًا لثقة السلطان، ولذا فإن لواء بني أمية بالأندلس حمله منذ البداية أبو عثمان عبيد الله بن عثمان (^١) ثم أخذ بتعاقب على حمله مع عبد الله بن خالد بن أبان بن أسلم (^٢)، وإذا كانت معظم الخطط الهامة في دولة بني أمية بتوارثها الأبناء عن الآباء فليس بدعًا أن يكون حمل اللواء قد استمر في ذرية أبي عثمان وعبد الله بن خالد.
ولعقد الراية عند خروج الجيش للغزو رسوم لا يمكن تجاوزها، فعندما أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله بعقد الراية للوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن قام إثنان من كبار الوزراء بإحضار الراية ذات القطع الثلاث -العقدة والعلم والشطرنج (^٣) - ثم تولى عريف الخياطين عقد هذه الأعلام، واستدعى محمد بن يوسف القبري إمام قصر الخليفة (^٤) بالإضافة إلى بعض أئمة النافلة ومن معهم من المؤذنين، وبمجرد استلام عريف الخياطين للراية اندفع القاضي يقرأ سورة
_________________
(١) - أخبار مجموعة، ص ٨٧.
(٢) - البيان المغرب، ٢/ ٤٢.
(٣) - المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص ٢٥.
(٤) - ابن الفرضي، ترجمة رقم ١٣٣٧.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وكان انتهاؤه منها مع انتهاء عريف الخياطين من عقد الأعلام، وصحب ذلك التكبير والتهليل بصوت مرتفع من كافة الحضور، وهكذا حتى اكتملت المهمة، بعد ذلك خرج عريف الخياطين ومن معه من الوصفاء والمؤذنين ومعهم الرايات الثلاث إلى باب السدة وهم يكبرون ويهللون وسط كوكبة من الفرسان مكتملي الزينة وكان في استقبالهم هناك الوزير صاحب الخيل والحشم ومعه أحد الوزراء ثم واصلوا مسيرهم إلى باب الوزير الأعلى غالب بن عبد الرحمن الذي كانت بانتظار وصولهم ومعهم اللواء فلما وصلوا امتطى صهوة جواده وخرج للغزو من حينه (^١).